مرت أيام طويلة…
أيام تجرعت فيها مرارة العجز واليأس، وانهمكت في قراءة كل كتاب وقعت عليه يدي الصغيرة، أبحث بين السطور عن خيط يعيدني إلى عالمي.
ثلاثة أيام فقط؟ لا. كانت كأنها ثلاث سنوات.
لم أرَ أحدًا من إخوتي سوى ويليام، الذي يزورني على استحياء، يلقي عليّ بضع كلمات مشفقة ثم يغادر. أما البقية، فكأنني تبخرت.
الوقت ينسلّ بطيئًا وأنا محبوس في الغرفة الكئيبة: نفس الجدران المذهبة، نفس النافذة العريضة التي لا توصلني إلى أي حرية، ونفس الخادمة التي تطرق الباب برتابة وتضع الطعام دون أن ترفع عينيها إليّ.
وحين بلغ الملل درجة لا تطاق، قررت الخروج. لم أفكر طويلًا، كأن قدمي اتخذت القرار قبلي. خرجت من الغرفة بخفة، أتنفس هواءً مختلفًا للمرة الأولى منذ استيقظت هنا.
كانت حديقة القصر شاسعة، تفيض بالخضرة والزهور التي يليق بها أن تكون في لوحة فنية. نسيم الصيف تخلله عبير الورد والريحان، حمل إليّ ذكرى عالم آخر لم يعد لي.
جلست على مقعد خشبي عريض تحت ظل شجرة ضخمة، وأغمضت عيني.
في حياتي السابقة… لطالما أحببت فكرة الزراعة. لكنني كنت دائمًا أتهرب من الاعتناء بأي شيء حي، وكأنني أخاف أن أفشل في حمايته.
كنت أترك النباتات الصغيرة تذبل حتى تموت، ثم أتحاشى النظر إلى أصصها الفارغة.
فتحت عيني ببطء، رفعت بصري إلى الشجرة، تمتمت بابتسامة باهتة:
"واو… ماذا يطعمونك لتكبر هكذا؟"
ركعت أمامها، ألامس التربة بأطراف أصابعي. كان ملمسها دافئًا على نحو غريب، كأن شيئًا حيًا يستيقظ تحتها.
ثم… لمحته.
نور أحمر خافت يتسلل من عمق التراب، نابض ببطء كقلب خفي.
عقدت حاجبي دهشة. مددت يدي لأتحقق، لكن…
"هل ستصبح بستانيًا الآن؟ فقط لأن إدورد هزمك؟"
صوت وقح أتى من خلفي، تلاه وقع خطوات واهنة على العشب.
رفعت عيني لأراه يحجب ضوء الشمس بظله الطويل: فتى أشقر بعينين صفراوين هادئتين، يمسك سيفًا وضعه على كتفه كأنه امتداد لجسده.
آه… نعم. المراهق الغبي نفسه.
غرس سيفه على الأرض بجانبه دون تكلّف. نظرت إليه بلا اكتراث، متمنيًا أن يبتلعني التراب لأكمل فضولي حول ذلك النور قبل أن يفسد لحظتي.
قلت بنبرة باردة:
"لا. أشعر بالملل فقط."
حكّ رقبته بحركة مترددة لم أعهدها فيه، وقال:
"حسنًا… لم أكن أنوي الحديث معك أصلًا."
رفعت حاجبي، استدركت بحذر:
"هل أردت شيئًا مني؟"
لو أنه يغادر بسرعة… لو أنه يرحم فضولي.
لكنه بقي، يحدق في الأرض، يحك رقبته وكأنه يوازن بين قرارات حياته.
ثم فجأة، ركع بجانبي.
كدت أقفز رعبًا من الحركة المباغتة.
"ن-نعم؟!"
أخرج شيئًا صغيرًا من جيب سترته، سلسلة سوداء يتدلى منها حجر ياقوت أحمر.
"لقد سقطت منك يوم تشاجرت مع إدورد."
تجمدت. تلك الياقوتة… كانت تبث إشعاعًا خفيفًا يكاد لا يُرى. مددت يدي ألتقطها بحذر.
بمجرد أن لامست أصابعي الحجر، شعرت بقشعريرة باردة تسري في عمودي الفقري. الجو تغيّر فجأة… صار أثقل.
نظرت إلى روبرت في توتر، لكنه لم يبدُ عليه أي شيء غير عادي. كأنه لم يلحظ تلك البرودة التي خرقت عظامي.
ارتديت السلسلة حول عنقي رغم قلقي. ما كنت لأتركها في يديه.
حاولت النهوض والابتعاد، لكن الأرض ارتعشت فجأة، وكأن شيئًا عتيقًا يستيقظ تحت التربة.
ثم… صوت عميق خرج من الفراغ.
ضحكة مشوهة كأنها نتاج كوابيس:
"لا مفر بعد الآن."
تجمّدت. أخجل من الاعتراف بهذا… لكني ذُعرت بشدة. شعرت ببرودة هائلة في أطرافي حتى ظننت أنني لن أتمكن من الوقوف مجددًا.
نظرت إلى روبرت… كان يحدق بي باستغراب صادق.
"هل أنت بخير؟"
لم أجب. كأن لساني تحجّر.
ثوانٍ مرت، ثم انتفضت واقفًا وركضت. تركته هناك بين الشجرة والتربة والنور الغامض… وكل شيء.
حين وصلت إلى غرفتي، سحبت السلسلة بعنف. لكنها لم تتحرك، كأنها صارت جزءًا من عنقي.
أملت رأسي للخلف، أشدها بكل قوتي:
"اخرجي أيتها السلسلة اللعينة! حتى والداي لم يتعلقوا بي هكذا!"
فقدت السيطرة. عضضت الحبل محاولة قطعه بأسناني، دون جدوى.
سقطت على السرير ألهث، دموعي توشك على الفرار من عينيّ.
أغمضت عيني، صرخت في الغرفة الخالية:
"سحقًا لهذا العالم العنيد!"
لكن وسط كل هذا الفوضى… خيط فكرة التمع في رأسي.
روبرت.
لماذا سلمني الياقوتة تحديدًا؟ لو كانت مجرد شيء سقط أثناء الشجار، لماذا انتظر ثلاثة أيام ليعيدها؟ ولماذا اختار اللحظة التي كنت أقترب فيها من النور تحت الشجرة؟
تذكرت نظراته. لم تكن خالية تمامًا من الدوافع.
ثم استعدت كلماته: "لقد سقطت منك عندما تشاجرت مع إدورد."
لكن الرواية لم تذكر أن آرثر امتلك أي تعويذة أو حجر غامض.
فتح عينيّ على اتساعهما.
ماذا لو… روبرت كان يعرف أكثر مما أظهر؟ ماذا لو كانت هذه الياقوتة جزءًا من صراع العائلة على العرش؟
هنا فقط لاحظت شيئًا مهمًا: حين سلمني السلسلة، رمقها بنظرة قصيرة… نظرة شخص يودع شيئًا قيّمًا لا يجرؤ على الاحتفاظ به.
هل… هل سلمني فخًا؟ أم أداة ستجعله يقايضني لاحقًا؟
نظرت إلى السقف وقد هدأ روعي قليلًا.
ثم تذكرت النور الأحمر تحت الشجرة. كان في المكان ذاته الذي اهتزت فيه الأرض.
هل من مصادفة أن نفس اللون ينبعث من الياقوتة التي أرتديها الآن؟
شيء ما أخبرني أن لا شيء هنا مصادفة.
وأن روبرت… لم يرد مساعدتي بدافع الشفقة. بل لغاية في نفسه.
ربما كان يراهن عليّ كورقة احتياطية ضد إدورد أو ويليام… وربما تلك الياقوتة ستكشف لاحقًا شيئًا خطيرًا يجعلني حليفًا أو عدوًا يليق بخططه.
ضغطت على الياقوتة بين أصابعي، محاولة تجاهل الرجفة التي عادت تسري في يدي.
همست لنفسي:
"حسنًا… إن كان هذا هو مسرح اللعبة، فليكن. لن أكون دمية لأحد."
استسلمت للنعاس في النهاية. لكن في
داخلي… شعرت أن كل شيء قد بدأ للتو.
وأن الياقوتة… والنور تحت التربة… وروبرت الصامت الماكر…
كلهم خيوط في شبكة أكبر بكثير مما ظننت.