السواد الداكن يعمي الأبصار.
أمشي بخطوات مترددة في الفراغ... أبحث عن مخرج، عن أي بصيص ضوء، لكن لا يوجد.
صرخت، صوتي يتردد في الفراغ وكأنه يتلاشى:
"هل هناك أحد هنا؟!!"
صوت عميق حاد، ضحكته أشبه بخدش زجاج: "لن تهرب من مصيرك المحتوم يا ليو هاو."
قهقهات صاخبة ملأت الظلام من كل جانب.
تراجعت بخطوات بطيئة، لا أستطيع الرؤية... لكنني أشعر بأن هناك شيئًا خلفي.
أنا لست جبانًا... لكن موقفي لا يُحسد عليه.
جمعت ما بقي من شجاعتي وصرخت: "من أنت؟!"
القهقهات ازدادت حدّة، واخترقت رأسي حتى شعرت أنها داخلي... بداخلي.
أمسكت رأسي بقوة، صرخة مؤلمة خرجت من حلقي بينما صداع فظيع مزقني، شعرت أن جمجمتي ستنفجر.
وفجأة - فتحت عيني وأنا ألهث وكأنني خرجت من الماء للتو.
الضوء الخافت لشمعة صغيرة على منضدة بجانب السرير، هو الشيء الوحيد الذي يثبت أنني لم أمت بعد.
"كان... كابوسًا؟"
همست بصوت مبحوح، وقلبي يدق كأنه يحاول الهروب من قفصي الصدري.
أنظر حولي بذعر، أتحقق من الواقع.
لم يكن شيئًا طبيعيًا... الكابوس كان حقيقيًا جدًا.
تبللت ملابسي من العرق، أنظر إلى الأرض بصمت، عقلي غارق في فوضى أفكار مربكة.
لكن... كابوس؟
أنا بالغ! هذا... محرج.
لم تصبني كوابيس منذ كنت في العاشرة.
"مخجل..." تمتمت بمرارة.
ثم وقعت عيني على القلادة حول رقبتي. الياقوتة الحمراء... لا تزال تبث دفئًا غريبًا.
هل يمكن أن تكون هي السبب؟
في هذا العالم، هل... القلادات تتحدث؟
"حسنًا... حان وقت التجربة."
نهضت، أغلقت الباب، سحبت كرسيًا وضعته خلفه - احتياطًا. ليس من الجيد أن يراني أحد أتحدث مع مجوهراتي!
جلست على الأرض، في وضعية يوغا. غير مريحة أبدًا.
"هل البنطال يريد قتلي؟! هذا خيانة."
نظرت إلى الباب، تأكدت أنه مغلق، ثم خلعت البنطال بسرعة وبقيت بسروالي الداخلي.
"ليس وكأن أحدًا سيكتب هذا في مذكّراته..."
أمسكت القلادة بيديّ، أغمضت عيني، وتنفست بعمق:
"يا من في الداخل... هل تسمعني؟!!"
...
صمت تام.
كررت سؤالي في عقلي، ثم بدأت بأسئلتي مباشرة:
"ما مرادك مني؟ ولماذا أتيت بي إلى هذا العالم؟"
وأخيرًا، صوت ظهر. ليس مرعبًا كما سابقًا. كان هادئًا، حازمًا:
"لست أنا من أتى بك إلى هنا."
"من إذًا؟"
"أمتنع عن الإجابة."
"... على الأقل رد على السؤال الأول؟"
"لا أستطيع الإجابة عن هذا أيضًا."
"لماذا؟!"
"أنا مجرد نظام."
نظرت إلى القلادة بازدراء.
"أفهم، نظام دعم نفسي فاشل!"
تابع الصوت، كأنه تجاهل إهانتي:
"أنا مرشدك في هذا العالم. مهمتي إرشادك لإتمام مهام معينة، وفي النهاية، يمكنك العودة."
توقفت.
"مهام؟ أنا في برنامج تدريبي إذًا؟"
تابع النظام: "مهمتك الأولى: استغلال قدرات إخوتك، وبناء علاقة قوية معهم."
"... وهل هناك كتاب تعليمات؟ لأن هذه العائلة غير طبيعية."
"المهمة الأولى قيد التنفيذ."
سكتُّ، ثم عدت للاستلقاء على السرير بعد ارتداء بنطالي طبعاً، أغمضت عيني محاولًا تجاهل غموض القلادة.
لكن ما إن أغمضتها... حتى سُمِع طرق خفيف على الباب.
"اخي آرثر؟ هل أنت مستيقظ؟"
فتحت الباب - فإذا بفتاة تقف أمامي.
وجهها ناعم، عيناها ذهبيه لامعتان، شعرها الازرق الباهت مربوط بشريطة وردية.
كانت ترتدي فستانًا أنيقًا، تقف باستقامة كأنها تتدرّب على دور في مسرحية ملكية.
"أنا كلارا. أختك."
قالت بابتسامة عريضة مرعبة.
أردت أن أقول: "وأنا آرثر، الذي نُقل جسده قسرًا إلى جسد طفل نبيل."
لكنني اكتفيت بهز رأسي.
"سعيد بمعرفتك، أختي."
أومأت ورفعت طرف تنورتها بتحية قصيرة كأنها أميرة: "لقد سمعت أنك فقدت ذاكرتك... مؤسف! سأساعدك بقدر ما أستطيع، بالطبع."
ابتسامتها كانت مشرقة لدرجة تُقلق، وكأنها تخفي شفرة خلفها.
"شكراً لكِ. أنتِ لطيفة جداً."
قالت وهي تلوح بإصبعها بخفة: "أوه، اللطف مجرد وسيلة. أنا أنفذ ما تقوله والدتي... دائمًا."
توقفت، نظرت إليّ بعين لامعة: "لكن... أحيانًا لدي خططي الخاصة."
اقتربت مني وهمست: "هل ترغب في تحالف؟"
عقلي توقف.
"هاه؟ تحالف؟"
"نعم، تحالف. سري. والدتي تريد أن أكون امتدادًا لها... لكن لدي أهدافي الخاصة، وأحتاج شريكًا. وأنت... يا آرثر، تبدو مثاليًا."
رفعت حاجبي: "ولماذا أنا؟"
همست وهي تقترب من أذني: "لأنك ضعيف... وعادة الضعفاء يفعلون أي شيء كي لا يُسحقوا. أليس كذلك؟"
جمدت مكاني.
ضحكت بهدوء وسحبت نفسها إلى الوراء، تدور في الغرفة بنشاط طفولي: "هدفي بسيط، لكن معقد. أريد أن أصل إلى مجلس الشيوخ الإمبراطوري."
كتمت صرخة.
"أنتِ في الثانية عشر!"
"وأنتَ كذلك، أليس كذلك؟"
فتحت فمك... ثم أغلقته.
قالت بابتسامة: "الذكاء لا عمر له، آرثر. أحتاجك كي تفتح لي الطريق عبر إخوتنا. ويليام لا يثق بي، وروبرت صعب الإرضاء، وإدورد... لا يتكلم إلا بالقتال."
اقتربت من طاولة بجانب السرير، أخرجت من جيبها قطعة شطرنج - الوزير - ووضعتها أمامي: "أنتَ الملك. وأنا الوزير."
ثم ابتعدت بخفة وهي تضحك بقهقهات صغيره، ولوّحت لي: "فكّر في الأمر، سيدي الملك."
تركتني وسط الصمت... والتفكير... والذهول.
لم أكن أعرف أيهما أغرب... قلادة تتكلم، أم طفلة تخطط للإمبراطورية؟
لكن شيئًا واحدًا كان مؤكدًا...
اللعبة بدأت!.