مرّت ثلاثة أيام منذ أن وضعت المعركة أوزارها؛ مواجهة داركن في وادي الذئاب ثم في أراضي الإيلف، والتي، رغم امتدادها عبر موقعين مختلفين، لم تستغرق سوى ساعة تقريباً من القتال الفعلي، دون احتساب زمن الانتقال بينهما. ومع ذلك، كان حجم الدمار الناتج عنها هائلاً، إلى حدّ يصعب تصديقه لمن يجهل حقيقة ما جرى.
خلال تلك الأيام، توالت الأحداث سريعاً. فعلى الرغم من الخسائر الفادحة في الأرواح والممتلكات، بدأ أبناء وادي الذئاب وسكان الأراضي المحظورة بالتحرك لإعادة إعمار ما تهدّم. وجاء في مقدمة أولوياتهم إعادة تفعيل الحاجز السحري الذي يخفي أراضيهم في أعماق الغابة الغامضة. وبفضل الجهود المكثفة، استعاد الإيلف حاجزهم خلال يوم واحد، بينما احتاج وادي الذئاب إلى يومين كاملين، إذ كانوا الأكثر تضرراً من تبعات المعركة.
ورغم كل ما جرى، لم ينسَ الملك كازلير وعده قط. فقد أرسل الذئاب البيضاء إلى أراضي الإيلف، تحمل زجاجة متوسطة الحجم تحتوي على دمه، الذي يحتاجه الحكيم لوبو لصناعة الترياق اللازم لإنقاذ الأميرة إيرل. وكردّ للجميل وتعويضاً عمّا حدث، بعث الملك توراس فريقاً من أمهر الحرفيين والمهندسين من أبناء شعبه إلى وادي الذئاب، لمساندتهم في إعادة الإعمار والنهوض مجدداً.
أما عن الضحايا، فقد قام أبناء وادي الذئاب الضارية بجمع الجثث في موضع مخصص داخل الوادي، بعيداً عن الأعين. وهناك، أُحرقت الجثث بصمت، بحضور الملك كازلير نفسه، الذي تولّى بدء مراسم التشييع وإشعال النار بيديه، تكريماً لمن رحلوا بلا ذنب.
"يا إخوتي في الدم، يا أبنائي بالدم، أعتذر لكم جميعاً عن كل تقصير وعجز بدر مني. أتمنى أن تنعموا بموت خالٍ من الألم، مملوء بالراحة والسكينة، لتصل أرواحكم إلى النعيم الذي تستحقونه."
بهذه الكلمات ودّعهم الملك كازلير، قبل أن يطلق عويلاً مهيباً، معلناً الحداد على من فقدهم من أبناء جنسه. وكان لارفيو حاضراً أيضاً، لكنه غادر سريعاً بأمر من الملك، متوجهاً إلى أراضي الإيلف ليمثّله في المحكمة المرتقبة داخل البلاط الملكي في أراضي الإيلف .
هناك، حيث بدأت المحاكمة، أقرّ أرشر بجرائمه واعترف بكل ما ارتكبه، مفصّلاً الأفعال التي تخصه وتخص من شاركوه، وعلى رأسهم أرلدير. كما كشف عن لقاء أرلدير بأشخاص غرباء منحوه تلك الحبة السوداء الغامضة، التي كانت السبب في منحه تلك القوة المفرطة أثناء مواجهته مع داركن.
صدر الحكم على أرشر بالسجن ثلاثين عاماً، مع الإبقاء على حقه في العيش داخل الأراضي، في بادرة رحمة من الملك توراس، تقديراً لموقفه حين ساعد سوفريك ورجاله في حماية الضعفاء أثناء قتال داركن وأرلدير.
أما توريل، فعاد إلى أراضي الإيلف مطأطئ الرأس، مثقلاً بالخجل، إذ كان من بين من أعانوا أرلدير في أفعاله. اعترف بكل ما فعله، مما شوّه علاقته بأدينيس حتى باتا كالغرباء، فيما خاب أمل لارو فيه تماماً، لكنه لم يحمله الكراهية، بل اكتفى برسم حدود جديدة بينهما.
استمع الملك توراس إلى أقوال توريل، وبالنظر إلى أنه لم ينفّذ جريمة مباشرة تحت قيادة أرلدير، رغم كونه من ورّط داركن في الأحداث، فقد اكتفى بالحكم عليه بالسجن عشر سنوات دون عقوبات إضافية، مستحضراً مواقفه السابقة التي لا تُنسى.
وفي اليوم الثالث، أعلن الحكيم لوبو نجاحه في إعداد الترياق اللازم لإنقاذ الأميرة إيرل، فانتشر شعور بالبهجة في قلوب أبناء الأرض. ورغم ما يمرّون به من محنة، كان خبر عودة أميرتهم المحبوبة أشبه بقطرة ماء باردة على قلوب عطشى للأمل.
لكن في جانب آخر، كان داركن معزولاً تماماً عن كل ما حوله. ثلاثة أيام من الصمت، وثلاثة أيام من الجلوس في المكان نفسه، بعدما أصرّ الملك توراس على بقائه. وهكذا استقر داخل الشجرة العظيمة، تحديداً في الموضع الذي جلس فيه من قبل، حيث تمتد تلك السجادة الحمراء ذاتها.
ظل داركن جالساً، مسنداً ظهره إلى الجدار الداخلي لجذع الشجرة، رأسه منحنٍ وعيناه مغمضتان. الجنود المكلّفون بحراسته كانوا في حيرة من أمرهم؛ لا حركة، لا كلام، لا يمد يده إلى الطعام المقدم له، ولا يلمس الماء. لولا أنه يرفع رأسه بين الحين والآخر، لظنّوه جثة هامدة.
في ذلك الوقت، وصل الملك توراس إلى حيث يقيم داركن. وعند المدخل، أشار للجنود بإيماءة خفيفة، ثم دخل بخطوات هادئة لا تُحدث صدى. وقف يتأمل داركن؛ ملابسه ما زالت ممزقة، جزء كبير من صدره مكشوف، وشعره بدا أطول قليلاً وأكثر فوضوية، لكنه كان نظيفاً من الدماء، بعدما أمر الملك سابقاً بغسله بالماء، رغم رفضه الدائم لكل ما يُقدَّم له.
قال الملك بلطف وهو يقترب ليجلس إلى جانبه: "داركن، أيها الشاب، سمعت أنك لم تأكل شيئاً منذ جئت إلى هنا. أخبرني… هل الطعام سيئ؟ أم أنك ترغب في شيء آخر؟"
لم يرد داركن على الفور، بل أخذ نفساً عميقاً وأطلقه ببطء، ثم قال دون أن يرفع رأسه: "لا شهية لي للطعام."
كان في رد داركن برودٌ عميق، وشيء آخر التقطه توراس بسهولة… الندم. بدا واضحاً أن داركن يحمّل نفسه مسؤولية موت كل من سقط في أراضي الإيلف ووادي الذئاب. هذا ما خمّنه توراس، وما عزّز قناعته أن داركن، قبل ثلاثة أيام، لم ينطق سوى بكلمات غامضة: "لقد كنت واعياً"، ثم لزم الصمت حتى هذه اللحظة.
قال داركن بصوت منخفض: "في تلك اللحظة، حين كان أولئك الأشخاص يموتون تحت يدي، يصرخون بألم وذعر… كنت أسمع، كنت أرى، كنت أشعر بكل شيء. لكن جسدي… كان يتحرك بمفرده."
جلس توراس بجانبه، ورد قائلاً: "جسدك كان ينفّذ كل شيء رغم وعيك بما يحدث… أشبه بأنك تفعل ما لا تريد فعله."
أجاب داركن باقتضاب: "يمكنك قول ذلك."
أومأ توراس قليلاً، وفضّل عدم الخوض أكثر في هذا الموضوع. بدلاً من ذلك، غيّر مسار الحديث قائلاً: "أبناء شعبنا عادوا للحركة مجدداً. نقلوا الجثث ودفنوها. كان الحزن يخيّم على الجميع، لكنهم تجاوزوا الأمر سريعاً. أتدري لماذا؟ لأن الحكيم لوبو نجح في صنع الترياق، وهذا يعني أن إيرل ستتعافى. هذا وحده كان كافياً ليعيد الفرح إلى قلوب أبناء الأرض… إيرل محبوبة جداً."
ألقى نظرة خاطفة على داركن، ثم تابع: "الملك كازلير هو من أرسل الدماء، مع أحد أتباعه من ذئاب الصيد البيضاء. كما أرسل تحياته لك شخصياً، تقديراً لدورك في إزالة التعويذات المشؤومة عن واديه، وأيضاً… لتحرير ابنه مما كان فيه."
قاطعه داركن قائلاً: "إذن، ذلك الذئب الهائج الذي قتلته كان ابن الملك كازلير؟… هذا يفسر عجزه عن السيطرة عليه." ورغم كلماته، ظل وجهه جامداً، لا يظهر سوى مسحة انزعاج.
أجابه توراس: "نعم، اسمه أنجيلو. كان الوريث الأول والوحيد لقيادة أبناء الوادي، لكن التعويذة سلبته نفسه بالكامل، حتى صار على الهيئة التي رأيتها. وربما تتساءل لماذا لم أخبرك عنه قبل رحيلك… الحقيقة أنني لم أكن متيقناً من حالته. في آخر زيارة لي لوادي الذئاب الضارية، قيل لي إنه خرج للتجول، ولم أعلم بما أصابه. ولأكون صريحاً، لم أعرف حقيقته إلا بالأمس."
ثم أضاف بابتسامة خفيفة: "أتذكر أن أنجيلو كان أكثر من يهتم بإيرل حين كنت آخذها معي إلى الوادي. كان يصطحبها في جولات بين الأرجاء، وأحياناً يلعب معها لعبة صيد الوحش، متقمصاً دور الوحش نفسه. كانت إيرل تستمتع بذلك كثيراً، ودائماً ما تسألني في طريق العودة عن موعد زيارتنا التالية لهم… لقد كان بمثابة الأخ الأكبر لها."
بمجرد أن نطق توراس بكلماته، تغيّرت ملامح داركن. ضاقت عيناه، وشعر بثقل خانق في صدره، مدركاً أنه قتل شخصاً بالغ الأهمية—not فقط لأبناء جنسه، بل للشخص الذي قاتل من أجله… إيرل. عندها فقط، رفع رأسه وتنهد بعمق، ليواصل توراس حديثه.
"تمت محاكمة كل من أرشر وتوريل، باعتبارهما من مساعدي أرلدير، الإيلف الذي واجهته في المعركة الأخيرة. أرشر حُكم عليه بالسجن ثلاثين عاماً، وهي مدة ليست طويلة بالنسبة لكائن يعيش أكثر من قرن. أما توريل، فحُكم عليه بعشر سنوات فقط، نظراً لما قدّمه من خدمة لشعبه، واعترافه الكامل دون أن يُسأل. رأيت أن ذلك يستحق تخفيف الحكم. ما رأيك يا داركن؟"
نظر إليه منتظراً الإجابة، فجاء رد داركن سريعاً، لكن بنبرة متذمرة: "تسألني عن رأيي؟ بصراحة… لا أعلم. طالما تراها أحكاماً عادلة، فهي كذلك. لا تسأل من عاش بلا رأي عن رأيه في شيء كهذا." كلماته حملت مرارة، إذ استعاد ذكريات ماضيه، حين كان يُضرب لمجرد أن يتكلم، مما زاد من غضبه المكبوت.
قال توراس بهدوء: "داركن، الحياة التي عشتها كانت قاسية، لكن ما حدث لك مؤخراً ليس إلا بداية جديدة. أنت الآن شخص مختلف. قلت إنك كنت جاهلاً بكل شيء، لكن ما رأيته منك يدل على وعي ومسؤولية. لقد ساعدت ابنتي رغم أنك لم تكن ملزماً، وأنقذت وادي الذئاب من التعويذات التي كادت تدمّرهم، وحرّرت أنجيلو من عذابه، وأسقطت أرلدير قبل أن يستعبد الضعفاء."
ثم وضع يده على كتف داركن، وضربه بخفة ثلاث مرات، وأكمل: "أنت تسير في طريق جديد تماماً، طريق لا تعرف عنه شيئاً بعد. صحيح أنك لا تدرك حقيقتك، ولا تفهم كيف تعرف أموراً لم تُعلّمها، أو كيف تفكر بهذه الحدة رغم أنك قضيت حياتك في ظلمات الزنازن… لكن دعني أخبرك بشيء."
التفت داركن إليه، باحثاً في وجهه عن أي أثر للحقد أو الغضب، فلم يجد سوى الطيبة والفهم. حينها، واصل توراس حديثه قائلاً: "لا سلام يأتي بلا ثمن. نعم، فقدنا بعضاً من شعبنا، لكن في المقابل، ضمنا بقاء البقية. مات القليل ليحيا الكثير. إنه واقع لا يمكننا تجاهله، وأحياناً يكون السبيل الوحيد لعدم سقوطنا بالكامل."
رد داركن بنبرة عصبية متصاعدة: "إذن، هل تقول إن موت الناس أمر لا مفر منه في كل قتال أخوضه؟!"
أجابه توراس بصوت واضح: "ليس بالضرورة يا داركن. إنه خيار لا يُلجأ إليه إلا في أسوأ الظروف. في الحقيقة، لو امتلكت الاستراتيجية، يمكنك هزيمة أي عدو دون إراقة دماء. لكن إن اضطررت، فليكن عدد الضحايا قليلاً… في سبيل أن يبقى الكثيرون بخير."
أدار داركن رأسه بانزعاج، وعلّق بحدة: "تتحدث و كأن شيء لم يحدث … ما المغزى من ذلك؟"
أجابه توراس بهدوء: "لأنني أعلم أنك مثقل بالحزن والندم. أردت أن تنقذ الجميع، أن تكون نقيضاً لذلك الذي استعبدك. لهذا اتحدث معك هكذا ، حتى تدرك أن المثالية المطلقة ليست ممكنة. هذا العالم مظلم وقاسٍ، يسلبنا من نحب ومن نعتز بهم. ومع ذلك، نحن نواصل الوقوف، من أجل من ينتظرون منا العون، ومن أجل أولئك الذين قبلوا الموت ليحيا الآخرون. وإن كنت لا تعلم، فرفض الموت في لحظة حاسمة قد يحوّل صاحبه إلى 'ملطخ'، مستسلماً لإرادة كلاريديس، سيد الظلمات والسحر الأسود. أما من ماتوا دون أن يتغيّروا ، دون أن يرفضوا مصيرهم … فقد رحلوا برحابة صدر."
في تلك اللحظة، اجتاح داركن شعور غريب، مألوف بشكل مزعج، وكأن شيئاً ما يتحرك داخل رأسه. ثم، وسط الصمت، صدح همس داخلي .
' عليّ قتل كلاريديس '
كان الصوت يشبه صوته تماماً، لكنه لم يدم طويلاً. اختفى الشعور، وعاد داركن إلى وعيه، ليجد توراس واقفاً أمامه.
"هاه؟" نطقها داركن، متفاجئاً من وقوف الملك، وكأنه عاد من غيبوبة قصيرة.
قال توراس بابتسامة مشرقة: "داركن، وصلني خبر من الحكيم لوبو قبل قليل… إيرل استعادت وعيها، وتعافت بالكامل من أثر السم. ليس هذا فحسب، بل استعادت طهارتها الجسدية والروحية أيضاً. أشعر بسعادة لا يمكن وصفها."
ثم نظر إليه مباشرة وقال: "شكراً لك، أيها الشاب. لولاك، لما بقيت إيرل على قيد الحياة حتى هذه اللحظة."
داركن لم يرد. كان غارقاً في تناقضات لا تنتهي. الملك يشكره على إنقاذ ابنته، رغم أنه قتل ابن الملك كازلير في سبيل ذلك. ومع ذلك، كازلير لم يرسل سوى تحياته وشكره، لأنه يرى في موت ابنه خلاصاً من عذاب التعويذة. لم يستطع داركن فهم هذا التوازن الغريب بين الفقد والامتنان، لكنه أدرك شيئاً واحداً بوضوح… أنه لم يعد كما كان.
قطع توراس شرود داركن قائلاً: "هل ترغب في القدوم معي لرؤية إيرل؟ أنا واثق أنها ستسعد برؤية من أنقذها."
لم يجب داركن فوراً. بل وقف على قدميه، ليظهر فرق الطول بينه وبين الملك. ثم فتح فمه وقال: "أيها الملك، رغم كل شيء… لا يزال الضيق يثقلني. لذا، أود منك أن تحقق لي بعض الأمور البسيطة."
في تلك الأثناء، كانت الملكة إيرلسيا تجلس على كرسي خشبي داخل غرفة الأميرة إيرل، تبتسم وهي تتأمل هيئة ابنتها التي استعادت قدرتها على الوقوف مجدداً. كانت إيرل واقفة بجوار النافذة، بملامح هادئة، ورغم ما تعرضت له من سمّ قوي، لم يفقد وجهها شيئاً من جماله.
"عزيزتي، كيف تشعرين الآن؟" سألت إيرلسيا، ونظرتها تحمل حناناً أمومياً دافئاً.
ردّت إيرل بصوت ناعم كنسمة صباحية: "لا يزال دمي يغلي يا أمي… ومع ذلك، يبقى أفضل من الشعور بجسدي وهو يحترق بالكامل."
وفجأة، طرق الباب مرتين، ثم دخل الملك توراس بابتسامة هادئة، تلحقه إيفي وهي تحمل باقة من الزهور الجميلة. تقدّمت بها نحو إيرل مباشرة.
"أختي، هذه من أريا. عربون اعتذار عمّا فعله أخوها أرلدير. قالت إنها مشغولة جداً مع والدها، ولم تستطع زيارتك بنفسها." قالت إيفي وهي تبتسم بسعادة في وجه أختها.
ابتسمت إيرل بصعوبة، وتسلّمت الباقة، ثم ردّت: "لا أحقاد بيننا. أنا أعرف أريا جيداً، وأعرف كم هي لطيفة ومسؤولة. لكنني صُدمت حين علمت أن ما حدث كان بسبب أرلدير." ضاقت عيناها حين ذكرت اسمه، لكنها سرعان ما جمعت شتات نفسها، لتلاقي نظرات أبيها الحنونة.
ثم قالت: "أعتذر يا أبي، كنت أتمنى أن أعانقك، لكن الحكيم لوبو قال إن جسدي لا يزال في مرحلة التعافي، وأي مجهود قد يؤثر عليه." تحرّكت بعدها لتجلس على سريرها، وتنفّست بعمق.
توراس لم يهتم لذلك، كان فرحه بسلامة ابنته يغمره بالكامل. لكنه تفاجأ بسؤالها التالي: "بالمناسبة يا أبي… أين أزريف؟ لم أره منذ أن استيقظت."
أجابت إيرلسيا: "لم ينم لأربعة أيام. كان بجوارك طوال الوقت. وحين علم أن العلاج نجح وأنك ستستفيقين قريباً، انهار من الإرهاق وسقط أرضاً. الآن، هو نائم في غرفته."
حين سمعت إيرل ذلك، ارتسمت على وجهها ابتسامة رغم التعب، سعيدة بكونها تملك أخاً محباً ومراعياً مثل أزريف.
فور أن سنحت له الفرصة، بادر توراس بالكلام قائلاً: "كانت أصعب أربعة أيام مرّت عليّ في حياتي. لم أشعر بثقل كالذي شعرت به حين مرضتِ يا بنيّتي. أنا سعيد حقاً لأنك بخير… والجميع كذلك."
كانت كلماته صادقة تماماً. فقد عاش خلال تلك الأيام في توتر وضغط نفسي شديد، حتى أن البعض لاحظ قلة نومه، ونوبات غضب كادت تدفعه لمعاقبة الجاني بأقسى الطرق. لكنه لم يسقط في فخ مشاعره، بل تمسّك بالحكمة التي لطالما عُرف بها.
ابتسمت إيرل لكلام والدها، وردّت بلطف: "أعتذر للجميع عن القلق الذي سببته."
ثم حرّكت يدها لتعيد بضع خصلات خلف أذنها الطويلة، وتابعت: "بصراحة، لم أصدق ما حدث. كنت في جولة، وفجأة شعرت بشيء أصاب قدمي، فسقطت أرضاً بقوة… ثم رأيت أرلدير، وحدث ما حدث." تغيّرت نبرتها تدريجياً، لتصبح أكثر هدوءاً.
توراس فهم مقصدها، فاقترب منها، ووضع يده على كتفها بلطف قائلاً: "لا داعي للتفكير بما مضى يا عزيزتي. أنتِ الآن بخير، وما حدث أصبح من الماضي. عيشي الحاضر، ولا تنظري للخلف… امضي قدماً." ثم ابتسم لها بعفوية، وضمّها إلى صدره، دون أن يضغط عليها، مراعاة لحالتها.
في تلك اللحظة، دخل أزريف مسرعاً إلى الغرفة، يلهث قليلاً وهو يقول: "أين إيرل؟ هل استيقظت؟!" رغم أن غرفته ليست بعيدة، بدا عليه التوتر والفرح.
ابتعد توراس، ليفسح المجال للأخوين. التقت أعينهما، فابتسمت إيرل بلطف، بينما بالكاد تمكّن أزريف من التماسك. تقدّم بضع خطوات، ثم ركع على ركبتيه أمامها، وأمسك يدها، واضعاً إياها على جبينه.
قال بصوت مخنوق بالسعادة: "من المفرح رؤيتك بخير، يا أختي الكبرى… أنا سعيد، بصدق، لأنك عدتِ إلينا." وانهمرت بضع دمعات من عينيه.
مدّت إيرل يدها الأخرى، ومسحت على رأسه برفق، مداعبة شعره غير المرتب، وقالت: "شكراً لرعايتك يا أزريف… أنت فعلاً رجل يُعتمد عليه."
استمر المشهد لبعض الوقت، وتوراس يراقب بصمت. للحظة، تذكّر كيف كانت الأمور، وكيف أصبحت. شكر الظروف التي قادت داركن إليهم، والتي بفضله استمرت هذه الابتسامات، وهذه اللحظات الدافئة. لكنه في الوقت ذاته، لم ينسَ ما تحمّله داركن من أذى.
وفجأة، قطعت إيرل الصمت قائلة: "أبي، أمي أخبرتني بكل ما حدث… في أرضنا، وفي وادي الذئاب الضارية. خيانة أرلدير ومن معه، موت السيد أنجيلو، وسقوط أبناء أرضنا والوادي. كل ذلك كان بفعل غرباء أرادوا تدميرنا بخطة محكمة. لكن شخصاً واحداً، غريباً، دمر خططهم بأقل الخسائر. شخص تم توريطه في كل شيء، وتحمل مسؤولية ما حدث لي، وما حدث للجميع."
ثم نظرت إلى والدها وسألته: "من يكون هذا الشخص؟ ما اسمه؟ وهل يمكنني لقاؤه؟ أريد أن أشكره… شخصياً، على كل ما فعله، وعلى إنقاذه لي." كانت الرغبة واضحة في عينيها، وتوراس أدرك ذلك تماماً.
ابتسم، ورد قائلاً: " إيرل، لطالما آمنتِ بأسطورة التنانين السماوية، أليس كذلك؟" كان سؤالاً مفاجئاً، حتى لإيرلسيا وأزريف.
أجابت إيرل باستغراب: "نعم… إنها قصة تقول إن التنانين السماوية تشعر بمن يحتاج المساعدة، فتأتي وتنقذه، مهما كان الخطر. هذا ما أعرفه، وما آمنت به."
سألت إيرلسيا بدهشة: "عزيزي، ما المغزى من هذا السؤال الآن؟" كانت مستغربة من تجنّبه ذكر اسم داركن ، طرحه لسؤال أغرب بدلاً من ذلك .
لكن توراس استمر في ابتسامته، ثم نظر نحو نافذة الغرفة، حيث امتدّ المنظر بهدوء مريح للأعصاب، وقال: "تلك ليست مجرد قصة يا إيرل… من أنقذك، ومن أنقذنا جميعاً، كان هو بالفعل."
ثم أضاف بصوت واضح: "نعم ، لقد كان هو … كان تنيناً سماوياً، يا عزيزتي."
وفي نفسه، فكّر بعمق .
' لم أكن متيقناً في البداية، لكن بعد ما رأيت، أدركت الحقيقة.
الشخص الذي جاء إلينا لم يكن عادياً، رغم أنه لم يدرك حقيقته. '
' التنين السماوي داركن… لقد كان شرفاً عظيماً أن ألتقي بك، وأن أستضيفك في أرضي وبين عائلتي. آمل بصدق أن تدرك حقيقتك يوماً، وتفخر بها. '
كانت عائلته في حالة صدمة من كلامه، بينما هو شارد الذهن، سعيد باللحظة التي نال فيها شرف الوقوف بجانب تنين سماوي.
وفي تلك اللحظة، كان داركن قد غادر أراضي الإيلف، مرتدياً ملابس جديدة، أكثر حداثة في التصميم والجودة. على ظهره سيف طويل من الفئة العادية، وعلى رأسه غطاء وعباءة سوداء تنسدل حتى أعلى قدميه.
لم يلتفت للخلف مطلقاً. عيناه مركّزتان على الطريق أمامه . رحلته في أراضي الإيلف المحظورة، ووادي الذئاب الضارية، والغابة الغامضة… قد انتهت. لكن رحلته الحقيقية، بدأت الآن.