حسب المؤلف Aeryx Erython ...
تبقت 5 فصول على نهاية المجلد الثاني الذي يحمل إسم ( A way up ) و بالعربي ( طريق الصعود ) .
و الأن ، مشاهدة ممتعة 🥀
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وطئت أقدام داركن أراضي الإيلف المحظورة من جديد، لكن هذه المرة بملامح مغايرة كلياً، وأسلوب لا يشبه ما كان عليه من قبل، ونوايا حاسمة لا لبس فيها: قتل أحدهم ، ذلك الهدف يُدعى كلاريديس. ومع ذلك، في هذا الموضع بالذات، كان هجومه موجهاً نحو أرلدير، رغم أن اسمه لا يمت بصلة إلى كلاريديس . ربما... هناك سرّ آخر لم يدركه أحد سوى داركن.
الملك توراس لم ينطق بحرف، وأشار للجميع بأن يفعلوا المثل، لتجنّب الالتحام مع داركن، الذي لا يبدو كداركن الذي يعرفه، ذاك الذي جلس معه لتبادل أطراف الحديث في وقت سابق داخل الشجرة العظيمة. أمّا الآن، فهو شخص مختلف تماماً، ذو هالة مرعبة تتموّج في الهواء كمجسّات حيّة، ونية قتل لا يمكن تجاهلها.
داركن، الذي كان واقفاً أمامهم، تحرّك لبضع خطوات إلى الأمام، ثم اندفع بقوة نحو الفتحة التي نشأت في الجدار الحجري، ومنها خرج من مبنى البلاط الملكي، إلى حيث تتواجد جماعة من الإيلف المذعورين بالقرب من جذور الشجرة العظيمة. ومن شدّة قوة هبوطه، جعلهم يقفزون بعيداً عنه.
يمكن ملاحظة أن هناك بعض المنازل الخاصة بالإيلف، محطّمة ويتخلّلها الغبار، وسرعان ما برز أرلدير من بينها، وعلى وجهه ارتسمت ملامح الغضب والسخط الشديد.
"كيف تجرؤ على مهاجمتي؟ أيها البشري المنحط!"
من النظرة الأولى، يمكن ملاحظة تغيّر جسد أرلدير بشكل شبه كامل. ملامح وجهه هي نفسها، مع بعض الخطوط السوداء ذات النهايات المدبّبة، والتي تمتد إلى ما تحت الرقبة. جسده أصبح أضخم، أطول، وأكثر تفصيلاً، وكأنه ارتقى إلى مستوى آخر، بجسد جديد وشخصية توحي بالشر من نبرة صوته وحدها.
"لا أعلم كيف وصلت إلى هنا، ولا أعرف كيف لك أن تمتلك هالة ساحقة كهذه، ومع ذلك!" صرخ أرلدير بصوت مرتفع، ثم أكمل بعلو: "هزيمتك لي تُعدّ من أرقى وأسمى أحلامك، أيها الغِرّ!"
أرلدير، مع كل كلمة يقولها، يتقدّم إلى الأمام بخطوات ثقيلة تترك أثراً حتى على أقسى الصخور. مجرّد رؤيته جعلت أبناء جنسه يتوتّرون، بل ويخافون أيضاً، وكأن خوفهم من داركن ذي الحضور الخانق لم يكن كافياً. وعلى إثر ذلك، بدأوا بالهروب، مقتادين بغريزة واحدة... البقاء على قيد الحياة.
وفي اللحظة التي أدرك فيها أرلدير، الذي تجاوز حدوده بطريقة ما، أن داركن لن يتأثّر بأي كلمة قد يقولها، قرّر أن يتحرّك وينهي الأمور بسرعة. وحين اندفع بسرعة لتوجيه لكمة قوية إلى داركن، حرص على أن يضع فيها قوة هائلة، على أمل أن ينتهي الأمر بضربة واحدة. وبالفعل، تلقّى داركن الضربة مباشرة على وجهه، فانطلقت منها موجة هوائية قوية حول الاثنين، جعلت أي حطام خفيف وأي ورقة شجرة قريبة تطير بعيداً وبعنف.
ورغم قوة الضربة، شعر أرلدير بأن هناك شيئاً خاطئاً، فرفع بصره لمواجهة داركن مباشرة، ليُصدم بأن داركن لم يتأذَّ مطلقاً من لكمته رغم شدتها، مما دفعه للقفز بعيداً عنه ومحاولة إيجاد سبيل آخر للمواجهة. وفي تلك اللحظة، لمح أرلدير أن وجه داركن كان يتعافى من تلقاء نفسه، مما عزّز لديه الثقة بأنه أثّر عليه، وأنه فقط بحاجة لأن يكون أسرع.
"مثير للاهتمام، مثير للاهتمام فعلاً، لستَ مجرد بشري وضيع في نهاية المطاف"، قال أرلدير باستخفاف واضح.
لكنه لم يتمكّن من منع نفسه من التفكير بعمق.
' تلك الحبة الصغيرة، أخبروني أنها ستجعلني أقوى بضعفين حين أستخدمها، وقد نجحت بالفعل. '
' جسدي أصبح أضخم، وأقوى، وأكثر صلابة ورهبة، وكأني أرتدي درعاً من الفولاذ، ومع ذلك... '
ضاقت عيناه.
' ذاك البشري يبدو أقوى... لماذا؟ بل كيف يمكن أن يكون هذا ممكناً؟ نحن شعب الإيلف أقوى من البشر في الوضع الطبيعي، ومع استخدام تلك الحبة نصبح أقوى من أقوى فرد لديهم، ومع ذلك... هذا البشري يبدو وكأنه في مستوى آخر تماماً! '
رغم القوة التي وصل إليها، ورغم ذكائه، إلا أنه شعر بما شعر به الآخرون: شعور غير مريح مطلقاً، عجز وضعف. لكنه اختلف عنهم بقدرته على التقدّم رغم كل شيء، وربما كان هذا مجرد غباء منه لا أكثر.
في تلك اللحظة، قرّر أرلدير أن يوجّه هجوماً مباشراً آخر، مستغلاً عدم حركة داركن، والتي تجعله هدفاً سهلاً لأي هجوم. فعندما اندفع أرلدير بقوة أكبر هذه المرة، وأصبحت قبضته على بُعد بوصات فقط من وجه داركن، كان من المخطَّط – حسب تفكير أرلدير – أن يتلقّى هذا الهجوم كسابقه. لكن داركن قدّم له المفاجأة، فتزحزح من مكانه، والتف حول محوره بسلاسة، ليصبح بذلك خلف أرلدير مباشرة. ولم يكتفِ بالتوقّف، بل وجّه ركلة استهدفت ظهر أرلدير مباشرة، فأدّت إلى قذفه نحو جذع الشجرة العظيمة. وبسبب ذلك، حدثت هزّة قوية فيها، وصلت إلى الغرفة التي تتواجد فيها الأميرة إيفي بجوار أختها الكبيرة إيرل.
"أغغه!" صرخ أرلدير وهو يحاول الخروج من بين حطام الشجرة العظيمة.
"كيف يمكن هذا؟! من تكون بحق الجحيم؟!" صاح أرلدير، موجهاً السؤال نحو داركن، الذي لم يُبدِ أي رد فعل على ملامحه مطلقاً، بل قرّر التقدّم بخطوات ثقيلة ومحسوبة نحو أرلدير لا غير.
أرلدير أدرك أن داركن لن يرد، وأنه سيهاجم الآن بعد أن كان ساكناً لوقت طويل. لذلك قرّر الاندفاع نحو أعماق الغابة، ومن اتجاهه الذي اتخذه يمكن تمييز وجهته، والتي قد تكون نهر اليراعات أو ما بعده في القسم الثاني من أراضي الإيلف.
داركن لمحه وهو يبتعد مسرعاً، فبدأ باللحاق به بسرعة كبيرة، جعلت ما يحيط به ينفر بعيداً، وكأن شيئاً ما انفجر تحت وطأة قدمه التي ضغطت على الأرض لأجزاء من الثانية.
في تلك الأثناء، كان الملك توراس ومن معه في البلاط الملكي غير مستقرين على فكر محدد، وكأن تأثير داركن وأرلدير لم يزل عنهم بعد. ومع ذلك، تحرّك سوفريك وبدأ السير بسلاسة، متقدماً نحو فتحة الجدار التي خرج منها كلٌّ من أرلدير وداركن إلى الخارج. وحين وقف على الحافة، لمح ابنه وهو يندفع إلى أعماق الغابة، ليلحق به داركن بدوره.
"لا يمكنني تصديق ذلك"، تمتم سوفريك لنفسه وهو يتأمل الخراب ويسمع الصرخات التي امتدت حتى مرأى ومسمع منه.
"أيها الملك توراس، أنا صدقاً لا أفهم"، قالت أريا بتوتر حاد، وهي لا تزال تذكر تفاصيل ما جرى أمامها للتو.
"عزيزي..."، نطقت الملكة إيرلسيا لزوجها الذي لا يزال مستنداً على الأرض بركبته.
وفي تلك اللحظة، كان الجميع في انتظار ما سيفعله الملك، فحين يدخل الشعب في معضلة، لا حل إلا من ملكهم، أملهم، منقذهم. لكن حينها، كان توراس يشعر بما يشعرون به أيضاً، من عجز ورعب. ومع ذلك، ضغط على نفسه للوقوف مجدداً، متجاهلاً الكثير من الأفكار والأسئلة التي دارت في رأسه منذ لحظة إعلان أرلدير خيانته، وصولاً إلى حضور داركن الذي تجاوز حدود المعقول.
وقف على قدميه، واستند إلى عصاه، وبخطوات مثقلة، اقترب الملك توراس من سوفريك، قائد عائلة تامريول، ليقابله وجهاً لوجه، لكن قبلها بلحظات، أخذ لمحة بسيطة عمّا جرى في الخارج خلال الدقائق القليلة السابقة.
"سوفريك، يحزنني حقاً ما جرى. ليس من السهل تقبّل الحقيقة، حتى لو كان لا مفرّ لنا منها، ولكن في وضعنا الحالي... يجب أن نتماسك، يجب أن نبقى واقفين على أقدامنا، ففي هذه اللحظة... أبناء جنسنا في هذه الأرض يحتاجون إلينا، أكثر من أي وقت مضى."
ثم رفع توراس يده ووضعها على كتف سوفريك.
"مهما حدث، و مهما حصل، سأتحمّل المسؤولية، كملك، كأب، وكأيلف من هذه الأراضي." وأضاف قائلاً: "افعل ما يجب عليك فعله يا سوفريك، لك مني الإذن للتحرّك."
كانت كلمات الملك مشحونة بالتوتر، والقلق، والضغط، وشيء أكثر أهمية: المسؤولية، التي قرّر الملك توراس تحمّلها جرّاء كل ما جرى، وفي الغالب، حتى بشأن ما حدث في مكان آخر. فهو من وثق بداركن، وهو من تساهل مع أرلدير رغم معرفته.
حينها، لم ينطق سوفريك بكلمة، مما جعل المتواجدين يعيشون في توتر حاد، آملين ألّا يحدث شيء في هذه اللحظة بين سوفريك والملك. لكن ما حدث كان مختلفاً، حيث تراجع سوفريك للخلف وانحنى ببساطة أمام توراس، ثم التفت مغادراً بخطوات مسرعة نحو مدخل البلاط، وقبل أن يغادر، توقّف ليقول: "أيها الملك..."
التفت قليلاً برأسه.
"نحن أبناء هذه الأرض، نحتمل المسؤولية سوياً، لسنا غرباء عن بعضنا، لذا... ما تتحمّله أنت، نتحمّله نحن، أيها الملك."
ثم غادر سوفريك تاركاً هذه الكلمات خلفه.
أما بالنسبة لتوراس، فقد شعر براحة بسيطة، قبل أن تختفي بسهولة، ليعود إلى حزمه مجدداً، ويلتفت نحو المتبقّين داخل البلاط، ليعطيهم ما لديه من كلام.
"أريا، خذي الملكة إيرلسيا واتجهوا إلى قمة الشجرة العظيمة. وفي حال شعرتم أن الشجرة على وشك السقوط، فعليكم بغرفة الجذور، فحتى لو وقعت الشجرة، فذلك المكان سيكون آمناً."
ثم التفت إلى أرشر الذي بقي صامتاً طوال الوقت.
"أما أنت، فسوف أصدر حكمي عليك لاحقاً، أما الآن، حاول فعل شيء قد يخفّف من حكمك." كانت نبرته حادة وغاضبة، ومع ذلك، كان فيها القليل من الرأفة.
وقبل أن يتحرّك توراس من مكانه، صدح صوت قوي من أعماق الغابة، حينها أدرك توراس أن داركن وأرلدير لا يزالان يتصادمان. داخل الغابة، تحديداً عند نهر اليراعات، أرلدير سقط بقوة داخل النهر، وبسبب ذلك، انتفضت المياه نحو الأعلى، بينما داركن يستقر على أحد فروع الأشجار بخفة، وملامحه هي ذاته: باردة ومتبلّدة.
"عليك اللعنة ألف مرة!"
غضب أرلدير وصل إلى حدّه، وله الحق في ذلك، ففي الوضع الراهن، هو من ينزف، وداركن عليه دماء مختلطة، بين دماء من قتلهم في وادي الذئاب، ومن قتلهم هنا في أراضي الإيلف.
وفي لفتة غير متوقعة، بدأ أبناء الأرض بالهجوم على داركن بالسهام، في وابل أشبه بالمطر، بينما توجّه آخرون نحو أرلدير لمساعدته، بكل جهل وعدم معرفة بحقيقة ما يجري.
"أيها السيد أرلدير! هل أنت بخير؟ جئنا لمساعدتك ضد ذاك الشرير الغازي لأرضنا!"
أرلدير لاحظ ذلك، وألقى نظرة فاحصة عليهم، مدركاً أنه حصل على دعم من الشعب الذي كان يجب أن يعتبرهم أعداءه. لكنه، ورغم ذلك، ابتسم واستقام على قدميه، ثم خرج من النهر. في الوقت نفسه، كان داركن يتجنب السهام بالقفز من جذع إلى آخر، رغم أن بعضها أصاب جسده.
' أوغاد حمقى، جاهلون بما حلّ بهم... لكن هذا يناسبني. لنرَ كيف سيتصرّف ذلك البشري أمام أشخاص لا ذنب لهم في كل ما يجري. '
تجدّدت الثقة بقوة في داخله، على افتراض منه أن داركن شخص لن يقتل من لا دخل له بما يجري. لكن للأسف، صُدم في النهاية، إذ قام داركن بالهجوم على كل من أطلق السهام نحوه، ومزّقهم بشكل حرفي. منهم من صرخ هارباً ومات وهو يحاول، ومنهم من لم يجد لحظة للصراخ حتى. حتى بالنسبة لأرلدير، الذي لا يهتم بمن قد يموت، شعر بالصدمة وهو يشاهد مدى وحشية داركن وهو يقتل بلا رحمة أو شفقة.
وحين انتهى، التفت نحوه، وبدأ بالتقدّم بشكل طبيعي.
"أيّ نوع من المخلوقات تكون؟ يستحيل على بشري أن يفعل كل هذا دون أن يرمش له جفن!! من تكون؟!" صرخ أرلدير لا إرادياً وهو يراقب داركن الذي يقترب منه ببطء.
داركن، الذي كان صامتاً طوال الوقت، يتحرّك بخطوات ثقيلة وسلسة بلا عوائق، فتح فمه ببطء، وردّ على كلمات أرلدير:
"يجب أن أقتل... كلاريديس."
هذه الكلمات الثلاث فقط، بصوت لا يظهر أي شعور محدد، ولا حتى إحساس، نبرة باردة لا مبالية، كانت كفيلة بإيصال فكرة واحدة لأرلدير: أن هذا الشخص هائج بالفعل. لكن، لسبب ما، شعر بالغرابة أيضاً، ليس تجاه الموقف، بل تجاه أمر آخر تماماً.
' هل قال كلاريديس؟ أليس هذا... سيد الظلام الأسطوري وملك السحر الأسود؟ '
فكّر أرلدير وهو يتذكر لحظات من لقاء سابق له مع أشخاص يرتدون ملابس تغطيهم بالكامل ولا تُظهر أي شيء منهم، حتى ملامحهم. لكن سرعان ما عاد لرشده وتجهّز للهجوم التالي، ففي اللحظة التالية، إمّا أن يكون المنتصر أو... بماذا يفكّر حتى؟! داركن أصبح أمامه بالفعل، وعلى وشك أن يلكمه على وجهه بقوة.
رفع أرلدير ذراعيه لصدّ الهجوم المفاجئ، وقد نجح في ذلك، لكنه لم يتحمّل الضغط الناجم عنه، مما جعله يتراجع كثيراً إلى الوراء حتى سقط مجدداً في نهر اليراعات، وبدأت الدماء تختلط بمياه النهر النقية.
"عليك اللعنة، هذا القتال أصبح سخيفاً! أنت الوحيد الذي يهاجم! أيّ نوع من القتالات هذا؟" تذمّر أرلدير وهو يحاول الوقوف، لكن منطقة الوقوف المتاحة له كانت عبارة عن طين لين للغاية، لا يمكنه تحمّل وزنه الذي ازداد بفعل تلك الحبة السوداء.
داركن بدوره بدأ بالتحرّك باتجاه أرلدير، وكما يبدو، فهو ينوي إنهاءه بأي طريقة، رغم أن هجماته السابقة لم تفعل، وهذا أمر غريب إلى حدّ ما. على أي حال، أصبح داركن أقرب إلى حافة النهر، وعلى يمينه يمكن رؤية الجسر الخشبي الذي بدت عليه آثار التأثّر من القتال، وكأنه على وشك السقوط.
وبشكل غير متوقع، خرج طفل صغير من بين الشجيرات مسرعاً، ليقف في وجه داركن، كحاجز بينه وبين الوصول إلى أرلدير، الذي بدوره تفاجأ من ظهور الطفل. إيلف صغير ذو ملامح بريئة وجسد ضعيف.
"لن... لن أسمح لك بأذية الأخ الأكبر! لن أسمح لك!! اذهب بعيداً وإلا سيأتي التنين ويقتلك!" كانت نبرته مشحونة بالخوف، وحتى ما قاله كان مملوءاً بالبراءة. لكن، هل كان هذا ذا نفع؟... لا.
داركن وقف بلا أي رد فعل لثوانٍ، وحتى بالنسبة لأرلدير، لم يتوقع ظهور طفل لحمايته، ولم يتوقع من داركن أن يفعل شيئاً. لكن الحقيقة هي ما حدث بعد لحظات، إذ أرجع داركن كتفه الأيمن إلى الوراء، وشدّ على قبضته بقوة. في تلك اللحظة، كان الطفل مغمض العينين، بينما كان أرلدير يراقب، وقد أدرك بالفعل ما سيحدث، بشكل جعله غير مصدّق. هو نفسه، الذي يريد استعباد أبناء الإيلف الشرقيين، يرى الآن أن داركن... ينوي قتل الطفل أيضاً.
فور أن وجّه داركن لكمته نحو رأس الطفل مغمض العينين، أعلن بذلك نهاية حياته في سن صغيرة. لكن، وبشكل مفاجئ، توقفت قبضة داركن على بُعد بوصات قليلة من وجه الطفل، وكأن أحدهم أوقفه. وهذا ما حدث بالفعل، لكن من أوقفه كان شخصاً غريباً، غريباً بما يكفي... ليجعل داركن، الذي لم يُبدِ أي رد فعل عند قتله للكثيرين بدم بارد، يتفاجأ، وترتسم على وجهه ملامح الذعر لأول مرة منذ أن أصبح في هيئته الحالية.
حينها، لمح داركن بعينيه الحمراوين تجسيد هيئة شخص طويل القامة، ذو جسد قوي ومهيب، لا يمكن رؤية أيٍّ من ملامح وجهه سوى فمه ، إذ كان مغطّى بشيء يشبه الدخان الأسود ذي الحركة الانسيابية. بيدٍ واحدة فقط، أوقف هجوم داركن نحو الطفل وكأنه لا شيء، حتى إنه لم يمسكه بقوة أصلاً.
"عدوك أمامك، ومع ذلك تهاجم طفلاً؟ لقد ارتكبت ما يكفي من الأخطاء لليوم، أيها الشاب النشيط."
تحدّث الشخص الغريب بنبرة صوت مفهومة، لكن لا يمكن تحديد طبيعتها، وإن كان واضحاً أنه ذكر. بطريقة ما، حمل صوته شيئاً من الراحة… هادئ، لطيف، ومع ذلك قوي. وكما يقال: أن القمر لا يخفى ، فتلك الابتسامة الرائعة التي ارتسمت على وجهه كانت أوضح ما برز من ملامحه الغامضة.
داركن، رغم قوته، قفز للخلف بذعر شديد وأصبح حذراً للغاية. لكن على العكس بالنسبة لأبناء الأرض، فمن كان يشعر بالذعر والخوف تخلّله شعور مريح، وكأن الخطر قد زال، وكأن كل شيء بخير. حتى الأطفال الذين كانوا يبكون توقفوا، وكأن الشمس أشرقت عليهم بعد ليل دام عقوداً.
أرلدير، الذي كان يراقب، تفاجأ من هذا الحضور الطاغي رغم هدوئه. وللحظة، أراد الخروج من النهر ليراه عن قرب، لكنه فوجئ بيد الغريب تتجه نحوه مباشرة.
"أنت أيها الجان، لقد ارتكبت الكثير من الأخطاء في حياتك. كان بإمكانك التوبة والعودة لرشدك، فالجميع يملك فرصة ليكون أفضل مما هو عليه. لكنك اخترت الطريق الذي تُقدَّس فيه الظلمات على حساب السلام. لذلك… أحكم عليك بالموت."
وبدون أن يحرّك يده أكثر، انفجر جسد أرلدير بشكل أشبه بالفقاعة، محوّلاً مياه النهر الجارية إلى اللون الأحمر القاني في مشهد مخيف.
"لا تخف أيها الطفل الصغير، أنت في أمان الآن. لكن للأسف، لا يمكنني البقاء طويلاً. لذا، اعتنِ بنفسك جيداً أيها البطل ، أوه و ايضاً ... نحن لم نلتقِ مطلقاً." ثم مسح على رأس الطفل، الذي كان متفاجئاً وعاجزاً عن الكلام، ليجعله يفقد الوعي ويستلقي بهدوء على العشب الناعم بسلام .
حينها التفت نحو داركن، الذي كان يقف بحذر وكأنه يتوقع هجوماً لن ينجو منه، وقال بصوت قوي يحمل بعض التوتر:
"من تكون؟"
ابتسم الغريب له بلطف، ورد قائلاً: "لن تعرفني حتى لو أخبرتك، وحتى لو كنت تعرفني ، فلا يجب أن يُنطق اسمي هنا… ولا في أي مكان. الأهم من ذلك، أن تتذكر من تكون فعلاً، يا ابن إيثريوس… داركن."
ثم اختفى بشكل غامض وسط دخانه الأسود، تاركاً داركن وحيداً في مكانه، متحيراً وغير مصدّق لما واجهه للتو. وخلال لحظات، عادت عيناه إلى لونهما الطبيعي، لكن ملامحه لم تتغير، لا يزال مذهولاً ومشدود الأعصاب.
' أكاد أقسم أنني أعرف هذا الشخص جيداً… لدرجة تجعلني أرغب بالهرب. لكن بحق السماء… أين التقيت به؟ متى التقيت بشخص قوي إلى هذا الحد؟! قوته لا يمكن أن تكون طبيعية. '
ظل داركن واقفاً يتأمل محيطه في سكون تام، مدركاً أن ما جرى الآن له علاقة به بطريقة ما. لكن السؤال الذي ظل يطرق عقله بلا إجابة: من يكون ذلك الغريب؟ وكيف يعرف داركن… ويعرف حقيقته أيضاً؟ ...