المؤلف " Aeryx Erython " يرسل اعتذارته على تأخر الفصل ، و يعتذر ايضاً في حال كان الفصل دون التوقعات ، و يعد الجميع بأنه سوف يتحسن و يقدم يقدم أفضل ما عنده .
مشاهدة ممتعة 🥀
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الضغط بات مختلفًا، أثقل وأكثر رعبًا، وكأن قوة خارجية تسللت فجأة وقلبت الموازين. كان تأثير التعويذات المشؤومة معروفًا للجميع منذ زمن، ذاك الإحساس الساحق باليأس، والرغبة في الاستسلام، وفقدان أي دافع للحركة أو الفعل. لكن الآن… ذلك اليأس تحوّل إلى شيء أعمق، أكثر قتامة، وأكثر خنقًا للأنفاس.
أبناء الوادي، من يقفون خلف جدران الحصن، وحتى أولئك القابعون في أعماق وكر ملك الذئاب، شعروا جميعًا بالتغيّر المفاجئ في الأجواء. ما كان في السابق ضعفًا وانطفاءً داخليًا، تحوّل إلى خوف صريح وعجز ثقيل، حتى إن بعض الجراء الصغيرة أطلقت عواءً باكيًا وصراخًا مذعورًا، وكأنها تستشعر خطرًا لا يُرى.
من موقعه، كان الملك كازلير يسمع ويرى ما يجري، ويدرك أن شعبه بدأ ينهار تحت وطأة الذعر. لكنه، هو الآخر، لم يكن بمنأى عن هذا الضغط الكاسر؛ فقد كان قلبه يعتصر ألمًا وهو يشاهد ابنه، إنجيلو، في حال قد لا يعود منها أبدًا. ومع ذلك، ظل في أعماقه خيط رفيع من الأمل، رغم أن كل ما حوله كان يصرخ بالاستسلام.
أما لارفيو ورفاقه، فما إن أزالوا تعويذة أخرى، حتى باغتهم هذا الضغط الجديد فورًا، ثقيلًا إلى حد جعل الحركة نفسها تبدو وكأنها جرّ لصخرة مربوطة على الكتفين.
"ما هذا الضغط؟!" صرخت أدينيس، حتى قبل أن تستوعب الصدمة تمامًا، ساقطة على الأرض وكأن عظام ساقيها تبخرت.
"لا أستطيع التحرك! أدينيس، ماذا يجري؟!" صاح لارو، وصوته مضطرب بالكاد يسيطر عليه.
فأجابته أدينيس بحدة: "وكيف لي أن أعلم؟!"
لارفيو، الذي كان يعاني مثلهم، حافظ على رباطة جأشه، واقفًا بالكاد على أقدامه الأربعة، قبل أن يتخذ هيئته النصف-بشرية لعل الحركة تصبح أيسر، ونجح في ذلك جزئيًا. عندها، وجّه نظره إلى الساحة التي خيّم عليها السكون فجأة، بعدما كانت قبل لحظات تعج بأصوات الحطام وصرخات القتال. وهناك، لمح الذئب إنجيلو، واقفًا بلا حراك، يثبت بصره على نقطة واحدة دون أن يحيد عنها.
"لا أرى لاركين في أي مكان… هل يمكن أن يكون قد مات؟" تمتم لارفيو بصوت خافت لم يكفِ لتسمعه أدينيس أو لارو. ورغم أن الضغط كان يثقل أفكاره ويخترق عظامه، أدرك أن ما يعيشه الآن ليس أثرًا مباشرًا لإنجيلو، بل ضغطًا آخر… أشد ظلامًا وغموضًا.
إنجيلو، الذي غطّت التعويذة معظم جسده وحتى نصف ملامح وجهه، كان يترقب أي حركة، مركزًا على كومة الحجارة التي دُفن تحتها داركن. ومن بين الفجوات، برز وهج عيون حمراء حادة. ورغم أن الذئب كان شبه فاقد للوعي، إلا أن غرائزه كانت حاضرة… وفي تلك اللحظة، كانت تصرخ به: خطر.
بدأت الصخور تتزحزح وتتباعد، بدفعٍ قادم من الداخل، حتى تساقطت بضع صخرات، وكُشف عن هيئة داركن. رأسه منخفض، يتحرك مترنحًا كشخص مخمور، لكن طريقته في شق طريقه وسط الحجارة بدت أشبه بعبوره بين الشجيرات، يزيحها بجسده وقدميه بسهولة بالغة.
حين تحرر، كان جسده ممتلئًا بالكدمات والجروح، وذراعه اليسرى مكسورة بوضوح. لكن فجأة، حدث ما جعل إنجيلو يتراجع خطوة إلى الخلف: جراح داركن بدأت بالالتئام مع كل خطوة يخطوها إلى الأمام، حتى ذراعه المتدلية عادت سليمة تتحرك كما كانت. ثم رفع داركن رأسه أخيرًا، مظهرًا ملامحه — على الأقل بالنسبة لإنجيلو —.
أطلق إنجيلو زئيرًا عميقًا وحذرًا، متراجعًا بخطوات ثقيلة ومتعثرة، دون أن يزيح نظره عن داركن، الذي غيّرت هيئته وحضوره المهيب ملامح الموقف بالكامل.
"ذاك البشري لا يزال حيًا…" تمتم توريل، يلتقط أنفاسه ويمسك صدره من شدة الضغط.
الملك كازلير تمكّن من الوقوف من جديد، لكن عينيه كانتا مشتتتين بين ابنه إنجيلو الذي بدا وكأنه يبتعد أكثر فأكثر عن متناول يده، وبين شعبه الذي أخذت إرادتهم تتهاوى كأوراق الخريف. لقد كان فعلًا في موقف لا يُحسد عليه… تمامًا كما كان يعتقد توريل.
بعد لحظات من الصمت، قال كازلير: "اذهبوا وحاولوا تهدئة الأوضاع في الداخل، وإذا رأيتم أي حالات من الزئير المختنق أو تقلبات في الهيئة، فقوموا بفصلهم عن البقية فورًا!" كانت نبرته حادّة للغاية، وكأن الكلمات نفسها أثقلت على لسانه، فاندفعت دفعة واحدة كصاعقة.
أتباعه الذين وقفوا خلفه تردّدوا لحظة، ثم شرعوا في تنفيذ الأوامر، منطلقين نحو أسفل الجدار إلى داخل الحصن، حيث بدأوا تطبيق ما أمر به الملك، وجمعوا آخرين لمساعدتهم في المهمة.
توريل اكتفى بالمراقبة، فلم يفكر بقول أي شيء. وحتى عندما راودته الرغبة في الكلام، شعر أن الوقت غير مناسب مطلقًا. كان الملك كازلير بالكاد واقفًا، يلهث بصمت، وعيناه شاخصتان على إنجيلو، الذي أخذت ملامح الطيبة والوعي فيه تتبدد لتحل محلها هيئة وحش لا يعرف الرحمة.
في الوقت ذاته، وقف داركن باستقامة، بملابسه الممزّقة التي بالكاد تستر جسده، مهيبًا وغريبًا في آن واحد. كان الضغط الغريب يتدفّق منه، وأدرك الجميع أن لا أحد في الوادي يستطيع توليد قوة كهذه سوى كائن غامض لا يعرف أحد عنه شيئًا… داركن. وكانت عيناه الآن حمراء كالدم، كجوهرتين صافيتين لا شائبة فيهما.
ظلوا على هذا الحال دقيقة كاملة بلا حراك. داركن واقف بصمت، ووجهه البارد خالٍ من أي تعبير، أشبه بتمثال حجري مُحكَم الملامح إلى الأبد. بينما كان إنجيلو يقف متأهبًا، شديد التركيز، يراقب كل حركة من داركن، مستعدًا للهجوم. لكن جمود داركن بثّ توترًا حتى في نفوس من يراقب من بعيد.
وفجأة، خطا داركن خطوة واحدة بقدمه اليمنى. بدت حركة عادية، لكنها كانت الإشارة التي انتظرها إنجيلو ليتحرك. اندفع الذئب بسرعة لا تكاد تُرى، قافزًا فوق داركن ومستهدفًا صدره بمخالبه الحادة. لكن النهاية جاءت على غير المتوقع؛ إذ قفز داركن بدوره نحو الذئب، موجّهًا له ركلة قوية بقدمه اليسرى في منتصف صدره، فاندفع إنجيلو في الهواء مسافة طويلة. ورغم هبوطه على قدميه، كان الألم لا يُحتمل، فأطلق زئيرًا عميقًا وتدفقت الدماء من زاوية فمه.
الملك كازلير ذُهل من سرعة هجوم ابنه، ومن رد فعل داركن الفوري، ومن قوة التصادم بينهما. في نفسه، تمنى أن ينتصر داركن لأجل شعبه والوادي الذي يسميه موطنه… لكن في أعماقه كان يتمنى أن ينجو إنجيلو، أن يبقى حيًا وسليمًا.
وفجأة، شعر بشيء غريب يجذبه للوراء، فتقدّم نحو حافة الجدار المؤدية إلى داخل الحصن. توريل، المذهول من التصادم الأخير، لاحظ حركة الملك، فالتفت نحوه، ليجده متوترًا للغاية، ينظر تارةً إلى داخل الحصن، وتارةً أخرى إلى الخارج حيث يقف إنجيلو.
"ما الخطب أيها الملك؟ ماذا يجري؟" سأل توريل وهو يتناوب النظر بين الملك وساحة المعركة.
أجاب الملك بصوت مشحون: "هذا الشعور… لا يعقل… سوف… يستخدمها؟" كانت كلماته واضحة المعنى، لكنها مبهمة المقصد.
"يستخدم ماذا؟" سأل توريل، مرتبكًا من مظهر الملك وتصرفاته.
قال الملك بصوت منخفض لكن مسموع: "صيحة الخضوع… سوف يستخدمها الآن… وستحدث كارثة."
في تلك اللحظة، خفَض إنجيلو رأسه قليلًا ثم رفعه بسرعة، وأطلق عويلاً قويًا تردّد صداه في أرجاء الوادي. حتى لارفيو، الذي كان يراقب من بعيد، شعر بوقع هذا العويل في أعماقه، شيء يجبره على التحرك.
"كلا… هذا لن يحدث! حتى لو كنت أنت يا إنجيلو!" صرخ لارفيو وهو يقاوم تأثير الصرخة، متمسكًا بصعوبة بثباته.
"ماذا يحدث؟ ولماذا يطلق هذا الذئب عويلاً كهذا؟" سأل لارو، محاولًا الاقتراب من لارفيو، لكنه بقي مترددًا خوفًا من ردة فعله.
أجاب لارفيو وهو يمسك صدره بقوة: "تلك هي صيحة الخضوع، يستخدمها قائد القطيع لاستدعاء أتباعه. وفي عروقنا، تفعل الشيء نفسه… بالإضافة إلى أمر آخر…"
"وما هو؟" سألت أدينيس.
قال لارفيو: "تجبر الذئاب على الخضوع والتحول الإجباري إلى هيئتها الكاملة، لتتصرف وفق الشعور الذي ينقله إليها العويل. والآن… إنجيلو، ابن الملك كازلير، يستدعي أبناء الوادي للقتال معه."
وهذا ما حدث بالفعل؛ فالعويل الذي أطلقه إنجيلو وصل إلى أعماق الحصن، فأصاب العديد من الذئاب باضطراب شديد وألم حاد في الرأس. بعضهم قاوم لأنه بدا مختلفًا عن صيحة الملكة التي يعرفونها، بينما خضع البقية، وتحولوا إلى هيئتهم الكاملة كذئاب ضارية، لتسود الفوضى داخل الحصن.
الذئاب كانت تهاجم بعضها بلا رحمة، مدمّرة كل ما يعترض طريقها. بعضهم سقطت عليه صخرة ضخمة من شدّة التصادم، فقتلته على الفور، لكن ذلك لم يدم طويلًا. فما إن أطلق إنجيلو عويلاً آخر، حتى اندفعت الذئاب بعنف نحو البوابة الحجرية التي يحرسها كلٌّ من إيريكي ومادلي. وبرغم مقاومتهما، لم يتمكّنا من ردع الحشد الهائج، حتى تحطمت البوابة واقتحمت الذئاب الضارية، مسرعة لتلبية نداء نجل الملك.
"اللعنة! ما كل هذا!" صرخ توريل، محاولًا استعادة توازنه بعد الاهتزاز القوي الذي شعروا به على القمة، إذ كانوا يقفون فوق البوابة مباشرة.
"أيها الملك! ما الذي يحدث؟! الصحن الداخلي تحول إلى خراب، وتلك الذئاب تندفع إلى الخارج بجنون!" واصل توريل، وقد فاض صوته توترًا وقلقًا لم يعد يخفيانه.
الملك كازلير ظل يراقب المشهد، وقلبه ينهار وهو يرى أن المتسبب في كل هذا ليس سوى ابنه الذي يعتز به. كاد أن يهوي على ركبتيه، لكنه تماسك عندما سمع كلام توريل، مجيبًا: "تلك هي صيحة الخضوع… أطلقها ليجمع أفراد القطيع إلى جانبه، وهذا ما فعله ابني للتو." ثم رمقهم بنظرة طويلة.
اندفعت الذئاب نحو داركن بجنون، أفواهها مشرعة، ولم تتردد لحظة في مهاجمته، مدفوعة بهوس لتمزيقه إربًا.
لكن داركن لم يمنحها الفرصة. كان يراوغ بضراوة، ويمسك بعضهم من آذانهم أو يصدّهم باندفاع جسده، ومع ذلك كان عددهم الهائل يحاصر حركته. كانوا يهاجمون بعشوائية وحشية، كما لو أُمروا بالقتال حتى آخر رمق.
لارفيو ورفاقه تابعوا ما يحدث بذهول، وكان لارفيو أكثرهم صدمة. أولئك الذين كانوا يعتمدون عليهم لحمايتهم وسط اليأس والضعف، صاروا الآن وحوشًا لا تعرف الرحمة. رأى داركن يغرس يده في صدر أحد المهاجمين وينتزع قلبه.
بذات القسوة، بدأ داركن يفتك بكل من يقترب، إما بانتزاع القلب أو بتمزيق الجسد من الداخل. ومع ذلك، كان العدد يطغى، حتى تراكمت الذئاب فوقه وغطّت جسده، لتصبح رؤيته شبه مستحيلة.
"قُضِ عليه!" صرخ توريل، عيناه متسعتان، قبل أن يلتفت للملك ويصيح: "يجب أن تتحرك أيها الملك! أنت من يمكنه إيقاف هذا، أنت الملك الحقيقي هنا، وليس إنجيلو! افعل شيئًا!" كانت نبرته ملتهبة بالأمل واليأس معًا.
كلمات توريل اخترقت ذهن الملك، الذي للحظة شعر برغبة في الاستسلام، لكنه تراجع، وعبس بحاجبيه العريضين بقوة.
' اللعنة… بماذا كنت أفكر؟ '
' أنا الملك، شعبي قبل أي شيء… حتى قبل عائلتي. '
تحوّل بعدها كازلير إلى هيئته الكاملة: ضخمة، قوية، مهيبة، بفرو كثيف يمتزج فيه الأحمر بالرمادي، وهيبة طاغية تنافس حضور إنجيلو بل وتزيد عليه. كما يليق بملك الوادي.
" حان الوقت لتحرك الملك " قال كازلير بصوت قوي و مرعب .
توريل صُدم للحظة، لكنه أحسّ بوميض أمل؛ ربما يمكنهم إنهاء هذه الفوضى والعودة إلى موطنهم برغبة جديدة للإصلاح ، إصلاح ما تسبب به ، جنباً إلى جنب مع أرلدير .
لكن فجأة، لمح الملك أمرًا غريبًا، تيارًا أشبه بالهواء يتصاعد من بين الذئاب المتوحشة فوق داركن. و في ومضة، بدأت أجسادها تتطاير وتتمزق في الهواء، أشلاءً تتناثر، والدماء تنهمر على الأرض في مشهد مروّع.
' هذه ..الهالة…؟ '
فكّر كازلير، وهو يحاول استيعاب ما حدث بهذه السرعة.
لارفيو ورفاقه، الأقرب إلى الحدث، شاهدوا الذئاب الممزقة تسقط حولهم، تتبعها موجات من الدم، بينما وقف داركن شامخًا وسط بحر أحمر، والهالة الغامضة تتموّج حوله بعنف، مزيج من الأحمر والأسود يوحي بالخطر.
قبل أن يلتقط أحد أنفاسه، اندفع داركن نحو إنجيلو، الذي لم يجد وقتًا للرد. رفع راحة يده، ثم قبض أصابعه نصف قبضة، ولوّح بها بقوة إلى الأعلى. استجابت الهالة القاتمة فورًا، وانقضّت على إنجيلو، تمزّقه بوحشية فاقت حتى وحشية الذئاب التي كانت تقاتل قبل لحظات.
دماؤه اندفعت بعنف، تغمر جسد داركن حتى ابتلعته حمرة القتل بالكامل. لم يدم صراخه سوى ومضات خاطفة، لكنها كانت كافية لزرع صمت ثقيل وذهول جامد في قلوب من شهدوا المشهد. حتى التفكير بات رفاهية متأخرة… لقد انتهى كل شيء قبل أن يبدأ.
لكن داركن… لم يكتفِ مطلقاً . رفع يديه إلى الأمام، ثم ضمّهما حتى تلامست معاصمه، ليشدّهما فجأة في اتجاهين متعاكسين. استجابت الهالة القاتمة لأمره، وانفجرت في عاصفة تمزيق حوّلت جسد إنجيلو إلى أشلاء متناثرة، تتساقط منها شلالات الدم فوق رأسه. وبرغم كل ذلك، بقي وجه داركن خالياً من أي تعبير… لا إرهاق، لا ندم، لا انفعال. كان تجسيدًا للبرود المطلق… وللوحشية المطلقة.
لارفيو، أدينيس، لارو، كازلير، توريل، وحتى إيريكي ومادلي، وكل من كان قرب البوابة المحطمة… جميعهم شهدوا أفظع مشهد في حياتهم. وشهدوا، قبل ذلك، على الجانب الذي لم يرَه أحد من قبل… الجانب المرعب من ذلك الذي كانوا يسمونه "البشري". أما الآن… فلا أحد يعلم أي كائن هو هذا بالضبط.
الذئب الذي كان يومًا رمزًا للرعب في عيون الغرباء لوحشيته، وصديقًا قديمًا يحتاج المساعدة في عيون أبناء الوادي، انتهى حضوره القديم كما تنطفئ شعلة في عاصفة. تلك الأيام المشحونة بالخوف واليأس… زالت بسرعة لا يمكن وصفها. بل هي سرعة تتحدى المنطق نفسه.
ومع ذلك… لم يتوقف داركن.
أخذ يلتفت من حوله وكأنه يبحث عن شيء محدد، ثم فجأة غرس قدمه اليمنى في الأرض بقوة وانطلق كالسهم في اتجاه واحد. كان ذلك الطريق يقود نحو المدخل الذي دخله سابقًا مع رفاقه من الإيلف، ومنه خرج من الوادي نحو الغابة الغامضة. لكن اندفاعه لم يتوقف هناك… بل مزّق طريقه عبر كل ما يعترضه، حتى بلغ أراضي الإيلف المخفية.
بقوة وسرعة تخترقان الحواس، اخترق الحاجز السري بخفة لم تُحدث أدنى أثر يُشعر به الحراس، لكنه كان واضحًا للملك توراس قبل لحظات من وقوعه.
تابع داركن اندفاعه حتى اقترب من مبنى أبيض شامخ بجوار الشجرة العظيمة، حيث اجتمع الملك توراس، الملك إيرلسيا، وأرلدير. في لحظة واحدة، حطم الجدار كما لو كان ورقة، وقبل أن يلتقط أحد أنفاسه، انهالت قبضة داركن على وجه أرلدير الوسيم، لترسله مخترقًا الجدار الآخر ويسقط في أعماق غابة الإيلف.
"… علي قتل كلاريديس"
كانت الكلمات تخرج منه كهمس ثقيل، عميق، أكثر رعبًا من المتوقع . لم يسمعه أحد، حتى الملك نفسه، لكن مظهره وهو غارق في الدماء كان كافيًا لتجميد الدم في العروق. في تلك اللحظة، لم يتملك من في القاعة سوى رغبة واحدة… النجاة.