23 - الذئب اليافع انجيلو

وقف داركن على قدميه بعد الهجوم المفاجئ للذئب الهائج، أمام تحدٍ يخوضه للمرة الأولى في حياته — مواجهة مباشرة قد تضعه على حافة الحياة أو تدفعه نحو الموت. ورغم ذلك، قبِل التحدي، غير عابئ بالنتائج.

لبضع ثوانٍ، ظل كل شيء ساكنًا. لم يتحرك داركن، ولم يتحرك الذئب، فقط صوت أنفاسهما المتلاحقة يملأ الأجواء، وكأن كلًا منهما ينتظر الآخر أن يكون البادئ. عندها، حنى الذئب رأسه قليلاً، دون أن يبعد عينيه عن داركن الواقف بثبات، كأن عينيه تترصدان أي زلة، أي حركة خاطئة، لينهش جسده بأسنانه الحادة ويمزقه إلى نصفين.

' تنتظرني أن أتحرك؟ لا عليك... يمكنني البقاء هكذا إلى الأبد. ' قال داركن في نفسه بثقة، سرعان ما انكسرت حين تسللت إليه الحقيقة.

' آه... مهلاً. إلى الأبد؟! هذا محال، محال... محال! '

في هذه الأثناء، كان الملك كازلير يراقب الموقف بتمعّن، ينظر إلى داركن والذئب بعين فاحصة، يترقب بصمتٍ أي حركة، أي اندفاعة. ورغم خطورة الوضع وحدته، بقي الملك هادئًا كمن تعوّد على رؤية الحافة دون أن يطرف له جفن.

كسر توريل الصمت أخيرًا، قائلاً بنبرة محسوبة: "أيها الملك... هل جئت لتشاهد ما سيفعله داركن؟ لتأكيد الثقة، أو ما شابه؟ أم أن في نفسك أمرًا آخر يستدعي تواجدك هنا كشاهد؟" اختار كلماته بعناية، حذرًا من إثارة غضب كازلير في موقف كهذا.

أجابه الملك بهدوء: "كلاهما سبب... تأكيد الثقة، ورؤية ما سيقوم به ذاك البشري. لكن هناك سببًا آخر جعلني أقف هنا."

"وما هو؟" سأل توريل، وعيناه تتنقلان بين الملك والمشهد المحتدم أمامه.

تأمل الملك قليلًا، غارقًا في صمته، قبل أن يرد بنبرة عميقة:

"يصعب علي قول هذا... لكنني هنا لأشهد على نهاية ذلك الذئب... الذئب الذي يعاني الآن لأنه قرر أن يحميني."

وقبل أن يهمّ توريل بطرح سؤال آخر، دوّى صوت انفجار عنيف من جهة داركن، فالتفت بفزع، ليرى أن القتال قد بدأ — وبدأ بعنفٍ مروّع. اندفع كل من داركن والذئب بشراسة، كأن كلا الطرفين لا يحمل نية سوى القتل أو الهيمنة... أو ربما شيئًا أعمق من ذلك بكثير.

انقضّ الذئب بسرعة خاطفة، ملوّحًا بمخالبه الحادة التي مزقت صخرة مجاورة إلى شظايا، وتبعثرت الحجارة من حوله كأنها أوراق متناثرة بفعل إعصار. مراوغة هجماته لم تكن سهلة، بل كانت أقرب إلى المستحيل. فحركة الذئب غير منتظمة، عشوائية ظاهريًا، لكنها مميتة بدقة خفية تجعل من التنبؤ بها أمرًا شاقًا، مما جعل الدفاع عنها أصعب من اتخاذ قرار بالهجوم.

ومع كل ثانية تمضي، كانت وتيرة الذئب تزداد شراسة. لم يكن يهاجم بمخالبه فقط، بل كان يندفع برأسه الضخم كالثور، أو يفتح فكيه الواسعين بنيّة الافتراس، وأنّيابه تقطر دماءً كاللعاب، في مشهدٍ لا يترك مجالًا للشك أن كل هجمة تحمل نية القتل الصريح.

' يجب أن أجد وسيلة للهجوم... الدفاع وحده محاولة بائسة للبقاء. لا معجزة ستحميني هذه المرة. '

لكن التفكير بعقلانية في وسط هذا الجحيم كان ترفًا. فالتركيز يتشتت مع كل زئير، وكل شرارة ألم، وكل ثانية تأخير. وكان يعلم جيدًا أن لحظة شرود واحدة قد تكون كفيلة بتهشيم عظامه... وهذا إن لم يقرر الذئب أن ينهش أحشاءه على الفور.

وبين زخم الهجمات، لمح داركن ثغرة صغيرة في دفاع الذئب. فرصة ضئيلة، نعم... لكن هل كان سيهتم لذلك؟ إطلاقًا. اندفع بشراسة، ممسكًا بالسكين التي قدمتها له أدينيس، وانقضّ بطعنة خاطفة نحو جانب العين اليسرى للذئب.

غاصت الشفرة في اللحم، وتبعها عواء مرعب، دوّى في أرجاء الوادي المدمر كصرخة وحش من الجحيم . "إصابة مباشرة!" صاح داركن، والسعادة تتسلل إلى داخله كنسمة دافئة وسط العاصفة.

لكنه لم يدع النشوة تطول. تراجع بسرعة، محاولًا تنظيم أنفاسه، وتقدير النقطة التالية للهجوم. غير أن شيئًا ما أثار قلقه فجأة.

' حين طعنته بجانب عينه... شعرت وكأنني أخترق كتلة طين بدأت بالتصلب. كنت محظوظًا لسحب السكين في اللحظة الأخيرة قبل أن تعلق هناك. '

أدرك داركن أن جلد الذئب أشبه بدروع طبيعية، لا تخترق بسهولة. سكين أدينيس بالكاد فعلت شيئًا... وهذا وحده إنذار مخيف لما قد يواجهه لاحقًا . وبينما هو غارق في التفكير، باغتته مخالب الذئب — تمزقت بها صدره بوحشية، رغم أنه كان في قمة الحذر.

"غـاه!!" صرخ داركن بصوت يكاد يمزق الحجارة، سقط على ركبته اليسرى، ممسكًا بصدره، والألم ينهش روحه كما تنهش الوحوش الجيف . شعر وكأن صدره قد تمزق بالكامل، كأن معدته تلاشت تحت سكين خفية.

' اللعنة... لا توجد بقعة سليمة... لكن كيف؟! كيف حدث هذا؟! '

كان يحاول التفكير، رغم أن كل خلية في جسده تصرخ بالألم، لكن تفكيره كاد أن ينهار... كأن الإدراك نفسه أصبح عدوًا آخر يفتك به.

وبدون سابق إنذار، شعر بهجوم آخر قادم من الخلف. حاول المراوغة، لكنه لم ينجُ. الضربة جاءت بنفس وحشية سابقتها، مزّقت ظهره كأن فأسًا هوت عليه بكل غضب الأرض.

رغم كل شيء، ظل وعي داركن حاضرًا، يُقاتل كي لا يُغشى عليه، وفهم حينها ما جرى له تمامًا: لم يخسر بسبب سرعة الذئب... بل بسبب شروده. لقد تشتت... وها هو يدفع الثمن.

على الجانب الآخر، كانت أدينيس برفقة لارو على ظهر لارفيو، يشقّون طريقهم عبر الأرض الملعونة، يبحثون عن موقع التعويذة الأول. لم يكن الطريق وعراً فحسب، بل كانت الطبيعة نفسها تأنّ تحت وطأة السحر الفاسد. ومع أنهم انطلقوا بثقة نحو النقاط المحددة، إلا أن شعورًا خفيًا بالتوهان كان يلاحقهم كظل ثقيل... كأن الأرض تغيّر ملامحها، وتعيد تشكيل دروبها لتضلّهم.

وما عمّق قلقهم، هو صدى الصراع في الأفق... كان صوت داركن يجلجل، لا كصرخة بشر، بل كهدير مخلوق يتحلل تحت الضغط — واضح، وحاد، كأنه يمزق السماء نفسها.

"أليس هذا صوت ذاك البشري؟" قال لارو، وتوتر حاد خيّم على ملامحه.

أجاب لارفيو بنبرة مشدودة: "يبدو أنه يواجه ما يفوق الاحتمال... يجب أن نجد أول موقعين قبل أن تبتلعهم هذه الأرض. إن تأخرنا، لن يكون هنالك من يحتاج لإنقاذ." ومع هذه الكلمات، تسارع خطى لارفيو، لكن فجأة... توقف، وعيناه تضيئان بالحذر.

"ما الخطب؟" سألت أدينيس، لكنها لم تنتظر ردًا — لأنها شعرت به أيضًا. تلك الهالة... ذلك التقلص في الهواء، كأن شيئًا خبيثًا يستنشق الحياة من حولهم.

"آه... أغه!" تأوهت، وركبها ترتطم بالأرض، وجسدها يرتجف كمن دخل في موجة برد قارس وسط حريق. لارو بدوره بدأ يلهث، يمسك حلقه، وجهه يكتسب زرقة خفيفة كمن يغرق في الهواء.

شعرت أدينيس أن شيئًا ما يحاول تمزيق إرادتها من الداخل، لا جسدها فقط. رغبة مفاجئة بالتخلي، بالانهيار... وكأن وجودها ذاته قد أصبح بلا جدوى.

لكن في وسط هذا الخراب الداخلي، انبثق وجه إيرل من الظلال — تلك الذكرى الوحيدة التي لم تتلوث بعد. رؤيتها وهي تبتسم، تضحك، تقف معها تحت شمس الأيام التي لم تعد موجودة... كانت كافية لتشعل بداخلها نارًا صغيرة ، و رغم في إعادة كل شيء لما كان عليه .

قاومت. قبضت على الأرض، على جذور الذاكرة، ووقفت — رغم الألم، رغم اليأس. وقفت كمن يرفض ما يفرض عليه .

' هذا... لا شيء! '

فكرت بعصبية، وتقدمت نحو المركز الذي تنبعث منه الهالة السوداء، التي تتلوى كدخان غاضب.

اقتربت... فوجدت أمامها صخرة، وخلفها كتلة متضخمة، تنبض بالأرجوان والأسود، كأنها قلب شيطان وُلِد من لعنة.

كان منظرها مقززًا — نبضها مَرَضيّ، ووجودها يبعث القشعريرة في العظام.

أخرجت أدينيس زجاجة حمراء من حقيبتها، فتحَتها، وسكبتها على الكتلة. السائل انسكب مثل دم دافئ، وفي لحظة، بدأ النبض يتباطأ، ثم تكلّس، ثم تحطم، وانهار كأنه لم يكن... تاركًا خلفه فراغًا، وشيئًا آخر في الهواء — شيئًا لا يُرى، لكنه يُحَس.

"هل... نجحت؟" تمتم لارو، صوته مبحوح وعيناه بالكاد مفتوحتان.

رد لارفيو، بصوت منخفض: "نعم. أُزيلت الأولى... الآن—"

لكن انفجارًا مفاجئًا قطع كلماته، صخرة ضخمة هبطت من الأعلى، وتبعها وابل من الحطام، كأن السماء نفسها رفضت ما فعلوه. دون تردد، اندفع لارفيو، أمسك بأدينيس بطرف أسنانه ، وقفز بها بعيدًا، بينما تناثرت الصخور من حولهم مثل الشظايا .

"ما كان هذا؟!" صرخت أدينيس، عيناها متسعتان، لا تزال تحاول فهم ما حدث.

لم يجبها لارفيو... بل كان ينظر إلى الأعلى، إلى اتجاه السقوط، حيث ظهر لهم المشهد — مشهد لم يكن من المفترض أن يُرى ، او ربما كان لابد من ذلك . هناك، في الساحة الملعونة، كانت المعركة بين داركن والذئب قد تحوّلت إلى شيء آخر. شيء غير بشري.

داركن لم يكن يتراجع، بل يهاجم، بجنون لا يحمل من العقل إلا القليل. قفز من بين الصخور، ينقض على الذئب، كأن كلاهما فقدا معنى النجاة. الذئب يقفز، يزمجر، يفتك، يفتح فكيه ليبتلع، بينما داركن يندفع، يراوغ، و يهجم ، لا يهاب الألم ولا ينصاع له.

"هل هذا البشري... بشري فعلًا؟" فكرت أدينيس، وارتجف قلبها وهي تنظر . قبل أن تنبس بحرف، سحبها لارفيو إلى ظهره مجددًا.

"لنسرع! الوضع ينفلت من أيدينا!" قال لارفيو، بينما يركض بجنون : "ذاك الذئب... لا يجب أن يموت. علينا أن نحاول إنقاذه أيضًا..." همس بالكلمات الأخيرة، كأنها ليست له، بل لشخص آخر في مكان آخر... أو ربما لنفسه القديمة.

في الجهة الأخرى، كان داركن لا يزال يشتبك مع الذئب، تصادم جسدي محموم يشبه حربًا بدائية تعود إلى زمن ما قبل اللغة. وهذه المرة... كان هو من يهاجم. حتى دون فرصة، دون ثغرة، كما لو أنه... مستعد لنحت تلك الفرصة بأظافره إن لزم الأمر.

رغم أن لحظات قليلة سبقت، كان بالكاد قادرًا على الوقوف.

'كنت سأموت بالفعل.'

فكر داركن وهو يتابع، بلا تردد، بلا تفكير.

'لكن في لحظة ما... لم أدركها... شعرت بشيء يتحرك داخلي.'

'شيء لا يرحم. لا يسأل. فقط... يدفعني للأمام.'

قفز عاليًا، بتوقيت دقيق كضربة ساعة مكسورة، متجنبًا اندفاعة الذئب التي حرثت الأرض تحتها. هبط على ظهره بثبات مميت، كأنه يعرفه جيدًا، كأن هذه الوحشية كانت منزلًا قديمًا نسيه منذ زمن.

ثم حاول غرس السكين نحو الجمجمة — لكن الذئب ارتجف، هزّ جسده بجنون، وقذف داركن كدمية من القماش، فاندفع بعيدًا، يتدحرج على التراب، ينهض — بلا أنين.

'وها أنا أتحرك ، وكأن لا شيء بي مكسور. لكن... الألم لا يُحتمل.'

'وهذا جيد. جيد بما يكفي للفوز.'

ثم للحظة — كأن سكينًا باردة انغرست في ذاكرته —

توقّف عقله.

'مهلًا... ما هي مهمتي مجددًا؟'

'ماذا... يفترض أن أفعل بهذا الذئب ... مجدداً؟'

ضاقت عيناه، كأنهما تبحثان في الظلام عن شيء نُسي عمدًا.

لكن جسده لم يتوقف. كان يندفع مجددًا نحو الذئب، والوحش يفتح فكيه كما لو أن الجحيم ذاته يتنفس من خلاله.

'لا أذكر.'

وفي لحظة مفاجئة كصاعقة داخل جمجمة محترقة،

تحرك داركن بحدة، سحب السكين كمن يستأصل كابوسًا من عينه، ومزّق فك الذئب الأيسر بضربة لا رحمة فيها، لا تفكير، فقط قرار... حاد.

صرخة الذئب ملأت الوادي — لا مجرد صوت، بل قنبلة من العويل انفجرت في صمت الطبيعة، والدماء سالت كأن أحدهم نحر الليل نفسه. اندفعت بعضها إلى وجه داركن، وغطّت نصفه... كقناع من الألم.

لكنه لم يرمش.

'رغم ذلك...'

'هذا الشعور...'

'بارد... لكن حي.'

' قتل ... قتل ... قتل ... '

بينما ذلك يحدث، كان الملك كازلير يراقب. صمته... لا يشبه صمت المتفرج، بل صمت جندي سمع صفارة النهاية وهو لا يزال على قيد القتال. قبضته كانت ترتجف، تُطبق على راحة يده حتى نزف الجلد، كأن الدم خرج لا بسبب ما رآه، بل بسبب ما شعر أنه يجب ألا يُرى.

توريل كان يلاحظ، يتأمل ارتجافة الملك . وقد فهم. الملك... لا يخاف على داركن فقط، بل يخشى ما أصبح عليه. يدعي الصلابة، لكنه يشهد ولادة شيء لا يُفترض أن يولد.

وفي لحظة غير مرتقبة، بدأت التعويذة المشؤومة على ظهر الذئب بالتحرّك، كما لو أنها كيان حيّ يزحف على جلده المسلوخ، لتنتفخ كالشرنقة، ثم تتمدد بغشاء داكن يشبه اللعنة المتجسدة، ملتفّة حول جسده بالكامل. كأنها تحتضر، وتمنحه في احتضارها طاقةً شنيعة… طاقة تشفي جراحه بشكل وحشي، وتضخم عروقه وعضلاته، لتزيد من وحشيته حد الجنون.

في تلك اللحظة، كان داركن شارد الذهن، كأن عقله قد انفصل عن جسده. عيناه جامدتان، ونَفَسه يعلو ويهبط بلا انتظام، وكأن شيئاً في داخله قد كُسر… أو تحرّر.

ولأن تركيزه اختفى، لم يصد الركلة المفاجئة، ركلة وحشية من قدم الذئب المتحوّل، التي صدمت جسده بكل عنف، ورفعت جسده في الهواء كما لو أنه دمية بلا وزن.

كانت الضربة أقسى من أي شيء مرّ به سابقًا، إذ طار جسده كخرقة ممزقة، ليصطدم بجدارٍ صخري هائل. قوة الارتطام مزقت طبقات الصخر، فتناثرت قطعها كالسهام، قبل أن ينهار جزء من الجدار فوق جسد داركن، لتغمره الصخور، وتختفي ملامحه أسفل كومة من الحطام الملطخ بالتراب والدماء. صوت الانفجار وحده، كان كافيًا ليُحكم الجميع بأن من تحته... لم يعد موجودًا.

"لقد... أصبح أكثر هيجاناً..." قال توريل، بينما عينيه تتسعان، وكأنهما ترفضان تصديق ما حدث، رغم أن عقله كان يتوقع حدوثه.

" أنجيلو..."

"أوه لا... الذئب اليافع..."

"لا، لا، لا... سيدي الشاب، لا..."

تعالت الهمسات المرتجفة خلف الملك، كأنها مراثي همسها الندم والخوف في آنٍ واحد. سمعها توريل جيدًا، وسمع معها اسمًا لم يكن كغيره، اسمًا محفورًا في ذاكرته منذ زمن، اسمًا اقترن بالقيادة والشجاعة واللطف… اسمًا لم يتوقع يومًا أن يُقال في هذا المشهد.

"محال..." قالها توريل، وصوته يخفت تدريجياً، كأن قلبه يعجز عن اللحاق بما تدركه عيناه. التفت ببطء نحو الملك، وعيناه ترتجفان وهما تواجهان الحقيقة: "ذاك الذئب... ليس ابنك صحيح؟ ليس الذئب اليافع أنجيلو... أليس كذلك؟"

كان ينتظر النفي. يتوسله.

لكن ما تلقّاه كان…

"نعم." قالها الملك، بنبرة فيها مرارة لا توصف، وعيناه تنظران نحو الوحش كما لو أنه يراه، ويبحث فيه عن وجه قديم ضاع.

ثم أكمل بصوتٍ أجش، ثقيل بالحزن والغضب والخزي المكبوت: "ذاك هو ابني، أنجيلو. وريثي الوحيد. الذي تلقى التعويذة المباشرة من أولئك الغرباء الملاعين… تعويذة كان من المفترض أن تُلقى عليّ أنا، لا عليه."

ثم همس، بكلمات خرجت كأنها جراح تنزف: "بُني... لماذا كل هذا الألم عليك؟ لم تفعل أي شيء خاطئ حتى "

وفي اللحظة ذاتها، عوى الذئب — أو ما تبقى من أنجيلو — عواءً مرعب ، صوتًا حاد ، لا يمت العقلانية بصلة، ولا حتى للحيوانية، وكأن من أطلقه شيءٌ مشوَّه باللعنات.

تراجع توريل خطوة، والذهول يطغى عليه، فيما بدأت قطع الحقيقة تنكشف أمامه كأشلاء ماضي يتفجّر: الملك لم يطلب من داركن قتل الذئب... بل إلهاءه. لم يكن يأمل بالنجاة، بل بالإنقاذ. حلمٌ أخير... لربما... يمكن استعادة وعي الابن.

لكن فجأة... سقط الصمت. وجاء شعور… لا يمكن وصفه.

طاقة مشؤومة و أكثر ، خانقة، زحفت من العدم، وملأت المكان بثقلٍ لا يُحتمل. شعر بها توريل، وشعر بها الملك، وسقط على ركبتيه من الضغط المفاجئ.

"ما... هذا الشعور؟" تمتم توريل، وارتعاش صوته لا يخفي الرعب في داخله. كأن عظامه كلها ترتجف، وكل جزءٍ فيه يقول له: اركض. اهرب. لا تبقَ هنا.

حتى أتباع الملك، سقطوا، أو انحنوا، أو تجمدوا في أماكنهم، وأعينهم تنظر إلى الفراغ، كأن شيئاً مظلمًا يتسرب عبر الهواء نفسه.

أحدهم، الذي بالكاد بقي صامدًا، أشار بإصبع مرتجف نحو الوحش: "أيها الملك... الذئب أنجيلو، يبدو... غريباً."

توجهت أنظار الملك إليه، بصعوبة بالغة، وهناك… رآه.

أنجيلو، الذئب، لم يكن يتحرك… كان جامدًا، صامتًا، لكنه لم يكن هادئًا ، بل كان ... خائفًا.

قال الملك بصوت مُثقل، كأنه يشرح كارثة يعرف نهايتها:

"الذئاب الضارية لا تخاف. لا من الموت، ولا من خصم، ولا من أي مخلوق. لأنها تملك من الشراسة ما يفوق كل ما هو معروف . لكن… إن خاف الذئب؟"

"الخوف؟" همس توريل، وهو يشعر بقشعريرة تمزق جسده.

كأن كلمة واحدة... فتحت بابًا في ذاكرته. بابًا إلى شيء لا يُسمى.

ثم رأى ما رآه الذئب أنجيلو، ذلك الوحش الكاسر، كان يحدّق نحو كومة الصخور التي قُذف إليها داركن... كأن ما بداخلها شيء آخر .

" فهذا أن دل على شيء ، فيدل على أن المخلوق المعني ، ليس شيء عادياً ، بل شيء ... أكثر رعباً مما قد نعرفه ، ببساطة ... مخلوق خارق "

ومن هناك…انبعثت نظرة.

عينان حمراوان، حادتان كحد السيف، تلمعان من بين الغبار والصخور. كأنهما تنظران من الجحيم ذاته. وتحتهما…خرج صوت واحد، لا رحمة فيه، لا حياة فيه، فقط وعدٌ بالدمار.

"علي ... قتل ... كلاريديس..."

2025/08/03 · 138 مشاهدة · 2423 كلمة
Gorox
نادي الروايات - 2026