فور إتمام الاتفاق بين داركن والملك كازلير، انطلق داركن مباشرة نحو البوابة الحجرية للحصن الكبير. لم يكن هناك وقت للتردد، فالمهمة يجب أن تبدأ حالًا — إذ كان يعلم تمامًا أن الوقت ليس في صالحه. بل هو خصم صامت، لا يوجه طعناته مباشرة، لكنه لا يقل خطرًا عن أي عدو ظاهر.
ما إن خطا خطواته الأولى خارج الحصن، وأبعد قليلاً عن البوابة، حتى أُغلقت خلفه بإحكام. لم يعد هناك مجال للعودة؛ عليه الآن أن يتقدم وينفذ مهمته. كانت مهمته واضحة: إلهاء الذئب الهائج وتشتيت انتباهه عن رفاقه الذين ينتظرون خلفه. أولئك كانت مهمتهم أخطر — إزالة التعويذة التي خيمت على الوادي، وسلبت سكانه قوتهم وأملهم معًا.
في الداخل، كان كل من توريل، وأدينيس، ولارو يقفون بترقب، منتظرين لحظة التحرك الخاصة بهم. إلى جانبهم وقف لارفيو، صامتًا، كأنّ الكلمات خانته أو أنه اختار ألا يقول شيئًا. قطع السكون وصول أحد الذئاب، وكان ذا هيئة نصف بشرية، يحمل على صدره حقيبتين جلديتين. كان من السهل تمييز صناعتهما — فقد صُنعتا بأيادي الإيلف، وهذا منطقي، فالعلاقة التجارية بينهم وبين الذئاب كانت وثيقة.
"كم زجاجة في كل حقيبة؟" سأل لارفيو بنبرة هادئة ظاهرها الصبر، لكنّ التوتر كان يتسرب من عينيه.
أجاب الذئب، الذي بدا أقصر قامةً من لارفيو، بتوتر واضح حاول السيطرة عليه: "سبعة... سبعة في كل حقيبة، أيها القائد."
رفع توريل نظره نحو السماء القاتمة. كان يعرف في داخله أنها ليست سوى حجاب سحري يخفي أراضي الوادي عن الغابة المحيطة. ومع ذلك، لم يستطع أن يمنع نفسه من الشعور بأنها أكثر ظلمة مما ينبغي.
تنهد، ثم قال بصوت منخفض متسائل: "إذًا... هناك أربع عشرة تعويذة مضادة، أليس كذلك؟" كان في عينيه مزيج من الشك والاستفهام.
أجاب لارفيو، بعد أن أدار رأسه ببطء: "بعد عمليات بحث واستقصاء، اكتشفنا ستة مواقع مزروعة بالتعويذة التي بثها أولئك الغرباء. هذه المواقع موزعة بعشوائية مزعجة، مما جعل التنقل بينها بالغ الصعوبة. خسرنا كثيرين في محاولاتنا."
ثم أضاف: "كانت هناك عشر مواقع في البداية. تمكنّا من إزالة أربع منها فقط خلال الأشهر الستة الماضية."
تقدّم لارو وسأل بدهشة: "ستة أشهر؟! لم يصلنا أي خبر. كنا نظن أن وادي الذئاب..." لكنه توقف فجأة، كما لو أن الكلمات خانته، فاختار الصمت حتى لا ينطق بما قد يندم عليه.
لم يعلق لارفيو، بل تابع بصوت هادئ، كما لو أن كلام لارو لم يُقَل: "وجود أربع عشرة زجاجة يعود لتعليمات ذاك الغريب الذي سلّمنا التعويذة المضادة. لقد قال..."
ثم بصوت أكثر جدية: "إن التعويذة الأصلية شديدة القوة. لإبطالها، نحتاج إلى جرعتين من التعويذة المضادة لكل موقع. لقد زودنا بعشرين زجاجة: أربع عشرة لإزالة التعويذات الستة المتبقية، والباقي كاحتياط لمعالجة من يتعرض للمساس بتلك اللعنة. ولكن للأسف، استخدام الجرعة كعلاج له شروط صارمة، ومعظم المصابين لم يستوفوها."
عقدت أدينيس حاجبيها، وقالت بحيرة: "ما هذه الشروط؟ هل هي معقدة إلى هذا الحد؟"
أيدها لارو وهو يومئ برأسه: "نعم، الأمر غير منطقي. ما فائدة الترياق إن لم ينفع مع الغالبية؟ يبدو وكأن في الأمر خطأً ما."
توريل لم يعلّق. بقي صامتًا، يترقب إجابة لارفيو، الذي بدا أنه بدأ يفقد صبره ويرغب في إنهاء الحديث بسرعة.
"ليس لدينا وقت لنقاش الشروط. علينا التحرك فورًا لإزالة بقايا التعويذة من أنحاء الوادي. بعدها، سنلتحق بلاركين. فمواجهته مع الذئب الهائج... لن تكون سهلة على الإطلاق."
ثم رمى بكل حقيبة إلى كل من لارو وأدينيس، وابتعد بخطوات واسعة، ثم بدأ تحوّله التدريجي إلى هيئته الكاملة: ذئب ضخم وضارٍ، ببنية عضلية قوية، وفراء رمادي مشوب بالأبيض، وتخترقه خطوط حمراء لامعة.
"رائع!" قال لارو مندهشًا من المظهر.
أما أدينيس، فسألت وهي تربط الحقيبة حول خصرها:
"من أين جاءت هذه الخطوط الحمراء؟"
بلا أي شرح، انخفض لارفيو على قوائمه الأمامية، مهيئًا ظهره لحملهم، فصعد كل من لارو وأدينيس على ظهره دون تردد، بينما بقي توريل في مكانه.
"وماذا عني؟" سأل توريل وقد شعر بانقباض داخلي.
أجابه لارفيو بصوت عميق ممتزج بزئير خافت: "ستبقى إلى جانب الملك فوق جدار الحصن. الملك يريد مراقبة ما سيفعله لاركين."
ثم اعتدل واقفًا وقال: "أراك لاحقًا، يا صديقي القديم." وانطلق بسرعة مذهلة، وقفز فوق جدار الحصن الحجري في مشهد مدهش — لكنّه لم يكن مفاجئًا لتوريل.
'صديقي تقول؟ ... هذا لطف منك،'
فكر توريل، وعيناه تتبعان أثرهم نحو الوادي المظلم.
' لكن... ماذا ستقول، حين تعلم أنني كنت متواطئًا مع من تسبب في الحالة التي وصلت إليها الأميرة إيرل؟ '
أخفض توريل رأسه، يصارع عاصفةً من الأفكار والمشاعر التي لم يفلح وجهه المعتاد على الصرامة في التعبير عنها.
' أرلدير... مع كل ما فعله، بقيت في ظله، كما لو أنني أسانده. كان خطأً أن أثق به، لكن ما جدوى الندم الآن؟ لقد أصبحت إيرل على ما هي عليه... بسببي، وبسبب كل من مدّ يده إليه. '
أخذ نفسًا عميقًا، وما إن همّ بإكمال حديثه لنفسه، حتى سمع وقع أقدام تقترب من خلفه. حين استدار، رأى ملك الذئاب كازلير يتقدم نحوه، يرافقه أربعة من أتباعه، يخترقون الأرض بخطواتهم الثقيلة.
قال الملك بصوته الجهوري العميق: "توريل، ابن مازالور... ابن صديق قديم لي ، كان يرافق توراس في رحلاته في الماضي البعيد . ماذا تفعل هنا وحدك؟ هل رحل رفاقك مع لارفيو وتركوك خلفهم؟"
أخذ توريل أنفاسه بهدوء، ثم أجاب: "كلا، لقد كان اختياري أن أبقى. أردت أن أكون بجانبك، لأشهد ما سيفعله داركن. وأيضًا..."
تردد قليلاً، ثم تابع: "أردت أن أخبرك بأمرٍ ما... ليس الآن، لكن قريبًا."
لم يعلق كازلير، بل تابع سيره بصمت حتى تجاوز توريل، ثم قال بصوت بارد دون أن يلتفت: "اصعد على ظهر أحد أتباعي، فلن تتمكن من بلوغ قمة الجدار وحدك." وتابع خطواته حتى توقف قليلاً.
وفي لحظة صمت مشحونة، ضغط الملك على ساقيه القويتين، مما أدى إلى تشقق الأرض أسفله، ثم قفز بقوة مذهلة نحو الأعلى، متجاوزًا الجدار الحجري بسهولة مهيبة. تبعه أتباعه بنفس الحدة، عدا أحدهم الذي بقي متأخرًا، منتظرًا صعود توريل على ظهره.
نظر توريل بدهشة إلى قفزة الملك — لم يكن حتى في هيئته الذئبية الكاملة، ومع ذلك بلغ تلك القمة كما لو كانت خطوة بسيطة. تمالك نفسه، واقترب من الذئب المنتظر، ثم صعد على ظهره. انطلق الذئب، وقفز بشكل منحرف، لم يرتفع كثيرًا، فقط ما يكفي لوضع قدمٍ فوق الجدار، والارتكاز بالأخرى، ليبلغ القمة.
ومن هناك، استطاع توريل أن يرى الأرض التي مر بها قبل ساعة. بدا له المشهد الآن أشد فظاعة، لم تعد مجرد أرض مدمرة، بل أقرب إلى مقبرة بلا شواهد، حيث الأموات مدفونون تحت الحجارة والأنقاض. وبين تلك الركام، لمح عظامًا ومخالب وأسنان، على الأرجح تعود للذئاب الذين سقطوا أثناء دفاعهم عن أرضهم — أو هكذا اعتقد.
في تلك اللحظات، كان داركن يتسلل بين الأنقاض، يتحرك خطوةً تلو الأخرى بحذر بالغ. لم يكن يخشى الموت قدر ما كان يخشى التمزق بين أنياب الذئب الهائج.
"أين اختفى ذاك الجرو؟"
تساءل داركن، وهو يلتفت يمنة ويسرة، قابضًا على السكين التي أعطتها له أدينيس قبل بداية المهمة. المكان خالٍ، لا أثر للذئب، كأنه تبخر. كان هذا بالضبط ما شعر به توريل كذلك، الذي راقب المشهد من الأعلى، قبل أن يقاطع أفكاره صوت الملك كازلير: "إنه ينتظر..."
فاجأه الصوت، فسأل: "ينتظر؟ تقصد أنه يختبئ حتى يحين وقت الهجوم؟"
أومأ الملك وأجاب: "نعم، كصياد يتربص. إنه ذكي رغم حالته. حتى بعد أن استولت التعويذة على جسده، لم يفقد وعيه تمامًا. حواسه ما زالت تعمل كذئب. كل ما في الأمر... أنه بات أكثر شراسة." ثم توقف فجأة — لقد شعر بشيء.
كذلك توريل، استشعر حركة ما. كان تمييزها سهلاً بالنسبة له، بعكس داركن، الذي تابع تقدمه بين الصخور حتى وصل إلى شق بين صخرتين. هناك وجد قطعة خشبية تحمل نقشًا غريبًا، لكنها كانت مكسورة، فلم يستطع تمييز شكلها.
وما إن انحنى ليلتقطها، حتى شعر بشيء قادم من الجهة اليمنى. استدار فورًا — ليجد الذئب أمامه مباشرة، على بعد متر واحد فقط، قاب قوسين أو أدنى من الهجوم.
"لقد ظهر!" قالها توريل بصوت مرتفع ومضطرب.
بينما التزم الجميع حوله الصمت، وفي موقع آخر، كان كل من أدينيس، ولارو، و لارفيو يشقون طريقهم نحو مواقع التعويذة المشؤومة. وما إن سمعوا صوت الاصطدام الناتج عن هجوم الذئب الهائج، حتى علّق لارفيو دون أن يبطئ خطواته: "لقد بدأ."
ثم أسرع قليلًا: "علينا أن نتحرك بسرعة، فالوضع قد يتدهور بشكل يفوق توقعاتنا."
أدينيس نظرت في اتجاه الصوت، رغم أنهم كانوا داخل ممر صخري شبه مغلق. فكرت في نفسها و قالت : 'إياك أن تموت، أيها البشري... لديك وعد يجب أن تفي به.'
هجوم الذئب الهائج أثار عاصفة من الغبار الكثيف، لكنه سرعان ما بددها بجناحيه القويين، كاشفًا أن داركن لم يعد أمامه. ثم — وبدون سابق إنذار — انطلق داركن من يساره، وسدد لكمة مباشرة إلى فك الذئب.
كانت الضربة قوية، جعلت الوحش يترنح ويتراجع وهو يزأر بغضب ودموية.
"ما الأمر، أيها الجرو؟ لم يعجبك أسلوبك؟... اتفق معك، لم يعجبني أنا أيضًا." قالها داركن وهو يلف كتفه بحركات دائرية، متأهبًا.
ثم قال في نفسه
'اللكمة كانت قوية، شعرت بذلك. لكن الذئب ما يزال واقفًا... هل يملك قدرة تحمل خارقة؟ أم أنني لست بالقوة التي ظننتها؟ رغم أنني أشعر بالقوة تسري في جسدي... إلا أنني لا أظهرها كما يجب.'
ثم عقد حاجبيه، وركز بنظره على عيني الذئب الذي يترقبه دون حراك، ينتظر اللحظة المناسبة للهجوم.
'هذه أول مرة...'
لم يعرف القتال من قبل. كانت القصص وحدها نافذته إلى العالم الخارجي. ورغم أنها غالبًا كانت ضعيفة الحبكة، أو مشوهة الرواية، إلا أنه كان يصغي لها بشغف.
كان يسمع عن المعارك، عن الاشتباكات... لكنها لم تكن سوى حكايات جوفاء يرويها أتباع جابيلين، وربما لم تكن سوى أكاذيب مختلقة بسخف .
لكن الآن، داركن يقف أمام واقع مختلف. قتال حقيقي، لا مجال فيه للمقارنات أو التخمينات. أي محاولة لتطبيق مفاهيم القصص عليه، ستكون غباءً.
وقد امتلك الآن عقلاً واعيًا، لن يرتكب مثل تلك الحماقات. لن يستهزئ بعدوّه كما يفعل أولئك الذين ادعوا أنهم قاتلوا... بينما كانوا في الحقيقة يرتعدون أمام الفئران.
'كلاب جابيلين... أولائك اللقطاء .' فكر داركن بازدراء.
'لطالما تحدثتم عن معارككم العظيمة، وانتصرتم فيها جميعًا — على الورق فقط. و ماذا ؟ ما أنتم إلا تخافون من ظلّكم .'
تقدم داركن خطوة، ثم انحنى قليلًا دون أن يزيح عينيه عن الذئب الذي يراقب كل حركة منه. مدّ يده والتقط السكين التي تركها قبل لحظات.
' هذه اللحظة... سأعيشها لا بدافع الفضول... بل بدافع شيء أعمق بكثير .'
رفع داركن السكين ببطء، متوازيًا مع خط نظره، حتى بدت — من زاويته — كأنها تقسم جسد الذئب إلى نصفين. كانت تلك اللحظة مشحونة بالصمت، محمّلة بثقل ما سيأتي. خفّض جسده قليلًا، بثبات مريب، مرتكزًا على قدمه اليسرى، بينما تقدّمت قدمه اليمنى للأمام، أربع خطوات... أو أقل، خطوات كمن يكتب مصيره على الأرض حجرًا حجرًا.
' كان بإمكان الملك أن يقدّم دمه ببساطة... فهو يعرف إيرل، ويعرف والدها... ولم يبدُ يومًا كشخص قد يتجاهل معاناة كتلك، حتى وهو ملك الذئاب الضارية.'
ثم أكمل في نفسه، بمرارة: ' انه فقط... لا يثق بي بعد.'
وكان محقًا.
ففي أعلى الجدار الحجري للحصن، حيث يقف توريل وأربعة من الذئاب، كان الملك كازلير يراقب الساحة بعيني صقر. تركيزه لم يكن على الذئب الهائج وحده، بل على داركن — على تلك اللحظة التي تفصل بين الانهيار والانتصار.
'أيها البشري داركن...'
فكر كازلير، وهو يثبت نظراته على من يقف في وسط الميدان: ' أثبت أنك تستحق ثقتي... وثمَن دمي. أمامك فرصة لتكون أكثر من مجرد مغامر غريب — فرصة لتنقذ شعبين معًا... أو تُدفن هنا، في هذا الوادي، كما دُفن من قبلك.'
رغم صلابته الظاهرة، كانت في ملامح الملك رعشة خفيفة، اختبأت خلف تعابير جامدة... لا يلاحظها إلا من عرفه جيدًا.
أما داركن، فكأنه التقط أفكار الملك من الهواء، أو شعر بثقل الترقب المُسَلّط عليه. نظر إلى الذئب أمامه، إلى الموت الذي ينهش الأرض بصمت.
ثم تمتم بصوت خافت، مفعم بالإصرار
"قبلت التحدي..."