انتظر أرلدير لبعض الوقت عند باب الكوخ الخشبي، والسيف الذي استلّ به روح ليبو قبل قليل، مستند على جدار الكوخ، والدماء المتبقية عليه من آثار الجريمة تسيل ببطء، لتنحدر إلى الأسفل وتختلط بالعشب والطين.
وبعد ما يقارب النصف ساعة، فتح أرلدير عينيه، ليلفت انتباهه عودة كل من رڤار وأرشر، حيث قدم كلٌّ منهما من جهة مختلفة، وكل واحدٍ منهما كان يجرّ خلفه شيئًا ثقيلاً... كانت جثثًا، ويمكن تمييزها بسهولة. أرلوم، الذي تشوّهت ملامح وجهه، والدماء تغمر جسده، كما لو أنه سقط في شجيرة ذات أشواك حادّة كالسكاكين، وكان من يسحبه هو أرشر، الذي بدا مغطى بالدماء هو الآخر.
"كان من الصعب التعامل مع هذا الوغد... لقد كان عنيدًا ورشيقًا، لا أصدق أننا من نفس العِرق"، تمتم أرشر تحت أنفاسه، بينما يجرّ جثة أرلوم من قدميها فوق العشب القصير، الذي اكتسب لونًا قرمزيًا داكنًا.
وعلى الجهة الأخرى، كان رڤار يجرّ جثة ترين بدوره، لكنه بدا مرهقًا بشكل ملحوظ، كما لو أن جسد ترين أثقل مما يحتمل. بالكاد كان قادرًا على سحبها بكلتا يديه معًا. كانت الجثة مثخنة بالطعنات العشوائية في الصدر، والبطن، والرقبة... لكن الوجه لم يُمسّ. أما حال رڤار، فكان مغمورًا بالدماء، دون أن تظهر عليه إصابات واضحة، وإنما شيء آخر... شيء مختلف.
اقترب الاثنان من الكوخ، حيث كان أرلدير ينتظرهما بفارغ الصبر، حتى وصلا بالجثث إلى عنده.
"تأخرتم..." قال أرلدير مبتسمًا.
"يا رجل، ألا تعرف أرلوم؟ إنه رشيق رغم قلة خبرته، وقد رميته عليّ؟ بالكاد تمكنت من الإمساك به وقتله. كان أمرًا معقّدًا ومرهقًا!" تحدث أرشر بنبرة تذمّرية، وكأنه كان ينتظر فقط الإذن ليفرغ كل ما في قلبه.
"..."، لم ينطق رڤار بأي كلمة. فقط جرّ الجثة وقربها من باب الكوخ، حيث يقف أرلدير.
نظر أرلدير بتمعّن إلى رڤار، مدركًا أنه يخفي شيئًا ما، لكنه تجاهله، وقرّر التركيز على ما هو أهم بكثير: الجثث التي جلباها، جثتا أرلوم وترين، أتباع والده سوفريك.
وفجأة، قاطع أرشر صمتهما، قائلًا بحذر، ولكن بإصرارٍ واضح:
"أرلدير... هل كان هذا جزءًا من خطتك؟ قتل هذين الاثنين؟"
ابتسم أرلدير، واستدار قليلًا، ثم أشار بيده إلى داخل الكوخ بخفة، وقال:
"ليسوا اثنين... بل ثلاثة."
وكانت نفس الابتسامة، التي تعكس جماله الآسر، لا تزال مرسومة على ملامحه.
تفاجأ الاثنان من قوله، مما دفعهما للنظر إلى داخل الكوخ، فرأيا جثة ليبو ممددة فوق حطام الطاولة الخشبية. حينها فقط، تراجع رڤار خطوةً إلى الوراء، بينما بقي أرشر مصعوقًا في مكانه، عاجزًا عن النطق.
"أعلم، أعلم... أنتما تتساءلان عن السبب الذي جعلني أقتل ليبو، أليس كذلك؟" قال أرلدير مبتسمًا، ثم تابع بنفس النبرة الهادئة:
"رغم أنه كان يعيش على الفطرة، إلا أنه كان مزعجًا للغاية... دائمًا ما يتصرف بسذاجة، وينطق بما لا ينبغي قوله. ولهذا السبب، قررت أن أقتله وأتخلّص من عنصرٍ قد يسبّب لنا المشاكل."
وأضاف:
"وأيضًا... ليبو لم يكن يومًا مفيدًا، ولن يكون كذلك. كان ضعيفًا، أقرب إلى طفلٍ في جسد شاب. وعزفه على المزمار؟ حسنًا، لأكون صريحًا... لطالما كرهت ما كان يقدّمه."
كانت طريقة أرلدير في الحديث قاسية، رغم نبرته الهادئة وابتسامته العريضة، التي كانت تزيد من سحر مظهره. بالنسبة لرڤار وأرشر، كانت كلماته كصاعقة تضرب شجرة في قلب عاصفة، تشعلها وتحوّلها إلى رماد. ولم يكن هذا الوصف عبثًا... بل كان شيئًا مدروسًا.
ثم قال : " و الأن لننتقل للجزء المهم ، ادخلوا الجثث الى الكوخ ، و ضعوها بجانب جثة ليبو ، او أي مكان ، لا يهم بصراحة "
وبدون أي كلمة أخرى، سحب الاثنان جثتي أرلوم وترين إلى داخل الكوخ الخشبي ، تنفيذاً لأوامر أرلدير ، وتراجعا إلى الخلف، بينما تقدّمهم أرلدير. أخرج من جيبه كيسًا قماشيًا صغيرًا، يحتوي على مادة أشبه برذاذ لامع. نثره أرلدير داخل الكوخ بدقة، حتى غطى كل زاوية تقريبًا، ثم أخرج زجاجة صغيرة بداخلها سائل أبيض شبه شفاف، مغلقة بسدادة محكمة.
"رغم أني بالكاد أتحمّل أبناء أوربيل... لكن لا يمكنني إنكار أنهم يمتلكون إمكانيات مذهلة في صنع أشياء غريبة ومثيرة للاهتمام." قال أرلدير بنبرة إعجابٍ مقتضبة، ثم تراجع خطوة إلى الخلف حتى خرج من الكوخ، ورمى الزجاجة الصغيرة إلى داخله.
في تلك اللحظة، كان كل من رڤار وأرشر واقفَين، متفرّجَين، لا قول لهما ولا فعل. يراقبان أرلدير، ويركزان على ما في يده، على تلك الزجاجة الصغيرة... وخلال ثوانٍ معدودة، اشتعلت النيران الأرجوانية بسرعة مدهشة، لتلتهم الكوخ بالكامل في لحظات، وتحرق كل ما فيه من أغراض وكتب... وجثث.
"النيران الأرجوانية... جرعة سحرية معقّدة غير مدمجة، تُستخدم لحرق وتدمير الأماكن المستهدفة دون أن يلاحظ أحد وجودها. مصنوعة من مستخلص عنصر النار، والمعدّل ليتفاعل مع المياه كمحفّز، ما يعني..."
وضع أرلدير يديه خلف ظهره، ليكمل قوله بصوت مملوء بالارتياح: "أنها نيران شبه خالدة. فالمياه، التي تُعد العدو الطبيعي للنيران، لا يمكنها سوى أن تكون وقودًا لهذه النيران ذات الهيئة الفاتنة."
اشتعلت النيران الأرجوانية في الكوخ خلال لحظات، وحوّلته إلى رماد. أما الجثث التي كانت بداخله، فقد احترقت تمامًا، ولم يتبقَ منها سوى بقايا متفحمة. وكان من الممكن تمييز رائحة اللحم وهو يُشوى، ثم يُحترق ويتفحّم. وحدها تلك الرائحة كانت كفيلة بأن تثير الغثيان وتقلبات المعدة، وهذا ما حدث مع رڤار، الذي تقيّأ فور أن شمّ رائحة احتراق لحمٍ من بني جنسه.
أما أرشر، فرغم صلابته الظاهرة، لم يتحمل ما رأته عيناه، فتقدم نحو أرلدير غاضبًا، وقال بنبرة حادة: "أرلدير! بحقك يا رجل، هل كان هذا ضروريًا؟! على الأقل كان يمكنك دفن ليبو بدلًا من... حرقه معهم. حتى لو لم يعجبك وجوده، إلا أنه كان رفيقنا في النهاية، وكان عليك احترام ذلك!"
كان أرشر غاضبًا وحزينًا، وكأنه هو من ارتكب الفعل، لا أرلدير الذي ظلّ مبتسمًا ببرود قاتل.
"أرشر، ابن عائلة تومالور... العائلة التي تسعى دومًا، وبشدة، لنيل منصب قوي ومرموق في البلاط الملكي، ليتمكن أبناؤها من التحرك بحرية خارج أراضيهم."
استدار أرلدير كليًّا لمواجهة أرشر، وقال بوضوح: "لقد قدمت لك كلمتي، ووعدتك بأني سأضمن لعائلتك مكانًا في النظام الجديد الذي أسعى لبنائه."
"وتريد الإطاحة بالملك وعائلته... لتتولى حكم الأراضي؟ لكن كيف..." تحدث رڤار وهو يلهث بعد تقيّؤه الشديد، ثم تابع: "كيف ستتعامل مع عائلتك؟ فكل من فيها يكنّ الولاء لوالدك سوفريك، وبدوره... يكن الولاء للملك توراس. هل ستـ..."
وقبل أن يُكمل، قاطعه أرلدير بنفس الابتسامة الهادئة: "نعم... سأقتل والدي أيضًا. وبهذا، أكسب دعم أبناء تامريول والموالين لها." قالها ببساطة، وكأنها مسألة محسومة.
لم يصدّق رڤار ما سمعه، وكذلك أرشر. لكن، ماذا يمكنهما أن يفعلا؟ أرلدير أقوى منهما، وإن لم يكن الأقوى بدنيًا، فإنه يتمتع بإمكانات عالية، تجعله خصمًا لا يُستهان به، بل عدوًا لا يُرغب في مواجهته.
"أراضي الإيلف الشرقيين... الوضع هناك أصبح مثيرًا للشفقة منذ أن تولّى توراس الحكم. تساهل مع الغرباء، رحمة غير مستحقة... والأسوأ؟ أنهم يريدون تنصيب فتاة لحكم الأراضي. وتلك الفتاة هي إيرل." ضحك أرلدير ضحكة منخفضة، بينما يسير متجاوزًا أرشر ورڤار.
"كان من الممكن ألا تتعقّد الأمور... فقط لو حاول توراس إقناع ابنته بالزواج مني. لكن للأسف، هم من جنوا على أنفسهم. والآن... خطتي في السيطرة على الحكم تُنفَّذ. وقد وصلنا إلى اللمسات الأخيرة... وكل هذا، بفضل ذلك الغريب، داركن."
كانت نبرة أرلدير هادئة على نحوٍ غير مألوف، وكأن الانفعال أمر لا يعرفه. أما ابتسامته، فقد بقيت حاضرة، كأنها الوجه الوحيد الذي يعرفه.
حينها، كسر أرشر الصمت الثقيل، وقال بصوت مرتفع: "لم أعد أفهمك، يا أرلدير! كيف يمكن أن تكون هذه خطة؟! إنها عشوائية تمامًا! لا يمكنني فهم أي شيء!"
توقف أرلدير، لكنه لم يلتفت. بقي على حاله، ثم قال: "اسمع جيدًا، يا أرشر... وكذلك أنت، يا رڤار، أنتما من نالا الفرصة لتكونا إلى جانبي."
ثم تابع: "والدتي من الإيلف الغربيين. تزوجها والدي بعد أن تم القبض عليها بتهمة التجسس. وبعد الزواج، ولمدة عشر سنوات، تمّت معاملتها معاملة ظالمة... إلى أن هربت، وتركتني خلفها."
"لم تتم معاملتي كغربي، بل كشرقي. ومع ذلك، كرهت الشرقيين. بسببهم، هربت أمي... أمي التي كانت أقرب إليّ من والدي. ولهذا السبب، أريد حكم أراضي الإيلف الشرقيين بأي وسيلة. لأقدمها للغربيين."
توقف قليلًا، ثم قال: "لكن هذا ليس من أجل أمي فقط ... فهي قد رحلت. ما سأفعله سيخدم مصلحتي الأن ."
"وكيف ذلك، بالتحديد؟" سأل أرشر، ولا يزال الانزعاج يعلو صوته.
فرد أرلدير: "هذا ليس من شأنك. فأنت لم تثبت ولاءك الكامل لي بعد. ربما، حين تساعدني في إسقاط الملك وعائلته... سأُخبرك. ومن يدري؟ قد تحصل على أكثر مما تتخيل."
لم يجد أرشر ما يقوله. كل شيء بات معقّدًا. أما رڤار، فلم ينطق بحرف، واكتفى بالصمت. لم يكن أرلدير كما عرفاه من قبل. بل بدا لهما وكأنهما يريان وجهًا جديدًا له... وجهًا لم يُكشف إلا اليوم.
"لنذهب إلى أراضينا. يبدو أن الوقت قد حان للبدء بمرحلة إسقاط توراس وعائلته." قال أرلدير وهو يكمل سيره مبتعدًا عنهما.
ولم يكن أمام الاثنين سوى أن يتبعاه. فلا مجال للتراجع، فعلى اي حال ، لقد تعمّقوا في ما هو أخطر من مجرد المؤامرة.
في تلك الأثناء، كان الملك توراس جالسًا على عرشه، وبجواره زوجته، الملكة إيرلسيا. كان الجو خانقًا، لا ينبعث منه سوى الرهبة والثقل.
كانت الملكة تتحدث إلى الملك، وفي صوتها بعض التوتر: "لِمَ أرسلت ابن سوفريك ورفاقه في مهمة استطلاعية؟ نحن نعرف بالفعل أن الفتى داركن ليس الفاعل. فلماذا نبحث عن معلومات وأدلة إضافية؟ أم أنك... تخطط لشيء آخر؟"
رد الملك توراس بنبرة حازمة، لكنها لطيفة: "كل ما في الأمر أنني أريد أن أُسرّع الأمور على أرلدير. يبدو أن خطّته قد طالت أكثر مما ينبغي."
تفاجأت الملكة من كلامه. بدا غامضًا، لكن مع ذلك، كوّنت فكرة شبه واضحة عمّا يقصده، فسألته بتحفّظ: "وما الذي تقصده بالضبط؟"
فأجاب دون إطالة: "أرلدير... هو من تسبّب في كل ما حدث. من الاضطرابات الأخيرة في الأراضي، إلى ما حصل مع إيرل... كل شيء كان من فعله هو."
وفي لحظة مفاجئة، شعر الملك بشيء يهز جسده... بل يهز الشجرة العظيمة نفسها. سقط من عرشه على الأرض، في مشهد أربك الملكة و أصابها الذعر .
"عزيزي! ما خطبك؟! ماذا حدث؟!" صرخت الملكة بذعر، وهي تهرع إليه.
كان الملك يرتجف، وعيونه توحي بجزء من السبب، لكن لسانه أفصح عن البقية، قائلاً: "شيء ما قد استيقظ... شيء يُشعرني بشيء لم أحسّ به منذ عقود. لأكون صادقًا... لم أشعر بشيء كهذا منذ أكثر من مئة عام."
كان صوته خافتًا، لكنه وصل إلى مسامع الملكة بوضوح.
قبل أن تقول شيئًا، ساعدته على الوقوف، وفي اللحظة نفسها، دخل أحد الحراس قائلاً بصوت واضح: "جلالتك... أرلدير بن سوفريك ومَن معه يطلبون الدخول."
"دعهم يدخلون." قالها الملك توراس، وهو يحرك طرف تاجه بخفة.
ثم فكّر بحذر
' يبدو أنه أنهى الأمر أسرع مما توقعت... نصف يوم فقط؟... لدي شعور سيء للغاية. '
وبعد الموافقة، دخل أرلدير وأرشر ورڤار إلى البلاط الملكي، بخطوات ثابتة نحو الملك. وبعدهم بثوانٍ معدودة، دخل سوفريك وأريا، دون حضور سيد عائلة أوربيل، وربما بسبب انشغاله.
"سيدي الملك، لقد عدنا من المهمة"، قال أرلدير وهو ينحني بانضباط أمام العرش، نبرة صوته ثابتة لكن تخفي تحتها ارتجاف كذبة ضخمة لم يدركها أحد... أحدٌ، سوى الملك.
رمقه الملك توراس بنظرة باردة كثلوج الجبال، عيونه تضيء بتوهج خافت . "أخبرني إذن، ما الذي حدث؟ وأين هم الآخرون؟ أرسلتكم ستة، ولم يعود إلا ثلاثة." صوته كان ساكناً، لكن نبرته حملت تهديداً خفياً. كان يعرف الحقيقة، لكنه أراد أن يسمع ما سيحاول أرلدير تلفيقه.
أرلدير، بتقنية ممثل بارع، طأطأ رأسه وارتدى قناع الحزن قائلاً: "يا جلالة الملك... ما رأيناه كان أشبه بكابوس لن ينساه أحد. حين بلغنا الغابة، واجهنا كوخًا خشبيًا متهالكًا، تغلّفه الظلال والسكينة المريبة. في داخله، وبين الكتب القديمة والأثاث المهترئ... وجدت دفترًا يكشف الحقيقة: داركن... كان هو الجاني الذي شوّه سمعة الأميرة إيرل، رغم نكرانه."
سكت لحظة، ثم تنهد تنهدًا ثقيلاً ومضى: "لكن ما صدمني حقًا... أن بعض من وثقت بهم، من أرسلتهم معي، كانوا جزءًا من هذا العبث المشين. ليبو، أرلوم، وترين، انقلبوا علينا كوحوشٍ مفترسة، محاولين قتلنا. المعركة كانت دموية، ونجونا بأعجوبة. أرشر جُرح بشدة لكنه قتل أرلوم. رڤار بالكاد نجا بعد أن قتل ترين. أما أنا..."
قبض على قبضته وكأنما يعتصر وجعه: "اضطررت لقتل من كنت أعتبره أخًا لي... ليبو، الذي أحببت عزفه على المزمار، والذي... والذي لم أتخيل أن أطعنه يومًا."
كانت القاعة صامتة كالقبر. الصدمة خيّمت على الحضور. الملكة شهقت مذهولة، وأريا وضعت يديها على فمها، وسوفريك، الذي دخل بهدوء، تجمّد في مكانه من وقع المفاجأة. لكن الملك لم يحرّك ساكنًا. بل اكتفى بالنظر. نظرته كانت كالسيف، تخترق الطبقات.
ثم قال فجأة، بصوت جليدي وحازم: "كذبةٌ متقنة، يا ابن سوفريك... أقنعت بها الجميع. الجميع... ما عداي."
ارتجت القاعة، وكأن الصمت نفسه جُرِح.
قال سوفريك مدافعًا، وقد تفككت كلماته: "جلالة الملك، بالتأكيد هناك سوء فهم... أنا أعرف ابني، لا يمكن أن يكذب أمامك."
أريا تقدّمت أيضاً، بقلق: "أرجوك يا جلالة الملك... لا بد من تفاصيل لم نعرفها، أخي لم— لم يكذب عليك، أنا لا أقصد إهانة، فقط..."
قاطعهم توراس بنبرةٍ هادئة، لكنها تحمل قوة الأسلاف:"ورثت عيوني من والدي، الملك السابق. وهذه العيون... لا تمرّ عليها كذبة مرور الكرام."
ارتجف المكان. الكلمات لم تكن مجرد مجاز، بل إعلان عن قدرة خفية طالما خفيت عن الجميع.
في تلك اللحظة، تجمّد رڤار، ثم حرك شفتيه بصعوبة وقال: "نعم... نعم فعلناها..." ثم صرخ فجأة: "قتلناهم! ليبو قُتل على يد أرلدير لأنه... كان يكرهه. أرلوم سقط بسيف أرشر، أما ترين... ترين توسل لي أن أبقيه حيًا! توسل! لكنه... مات على يدي!!"
انهار على ركبتيه، يصرخ من الأعماق: "نحن فعلنا كل شيء! نحن—"
وقبل أن يُكمل، كان قد صمت... إلى الأبد. سيف أرلدير الرفيع لمع كالبرق، وفصل رأس رڤار عن جسده بدقةٍ قاتلة. سقط الرأس أرضًا، يتدحرج ببطء بين دهشة الحاضرين، والدم يغرق البلاط الملكي.
قال أرلدير ببرود قاتل: "كان عليك طلب الموت مبكرًا يا رڤار... كان ليكون ألطف."
تبدّل وجه سوفريك من الذهول إلى الحسم. سحب سيفه متجهًا نحو ابنه، لكن...سقط فجأة، كأن جبلًا انهار فوقه.
ومثله فعل الجميع. الملكة، الحرس، الحاضرين... الجميع خُرسوا تحت قوة ضغط غير مرئي، كأن العالم نفسه صار أثقل.
قال الملك بصعوبة: "ما... هذا؟!"
عندها، أخرج أرلدير شيئًا صغيرًا من جعبته. قطعة ملفوفة بقماش رمادي، فتحه ببطء، وظهر حجر أسود مشع بالأرجواني، ينبض كقلب مظلم.
"هذه نهاية المسرحية، يا جلالة الملك..." قال أرلدير بابتسامة عريضة. "حين تفشل القوة، تتكلم اللعنة."
كان الجميع تحت رحمة أرلدير ، كل شيء مرهون بما سوف يفعله تالياً . سوفريك كان مصدوماً مما يحدث ، و أريا كذلك ، الملكة كانت تتألم من شدة الضغط ، بينما الملك يكافح لكي لا يلامس رأسه الأرض ، لكن فجأة ، شعر الملك بشيء ما ، شيء جعله يترك أرلدير ، و يدير رأسه نحو جدار مبنى البلاط ، الجهة اليمنى ، حيث لا شيء سوى جدار عليه زخرفات قديمة .
" أيها الملك ، النظر جانباً ليس في صالحك ابداً " تحدث أرلدير بتعالي و ثقة .
و في لحظة غير محسوبة ، انفجر جدار القاعة بصوت دوي مرعب، ارتجّت على أثره الأرض، تطايرت الحجارة، وغطّى الغبار الجو. مسبباً صدمة و ذعر للجميع . و خلال ثواني اختفى الضغط الذي كان يتولد من جهة أرلدير فجأة . وتسلل مكانه... خوف. رعب بدائي. إحساس أن شيئًا غير طبيعي دخل القاعة ، شيء أقرب ... لنذير الموت .
رفع توراس نظره من خلال الغبار ، لاحظ فيه هيئة شخص واقف بصلابة ، ظن أنه أرلدير ، لكن خلال ثواني ، أدركت عينه فجأة ، أن شخص آخر كان يقف مكان أرلدير ، و ليس أرلدير نفسه . لا لم يكن شخصاً عادياً ، بل وحش...
رجل مغطى بالدماء، ممزق الجسد، لكن واقف. عيونه تشع بخطر و رعب ... شعره الفضي...هيبته... صمته... البركان النائم في قلبه...
لقد كان... داركن.