الفصل السادس والأربعون: الحادثة الأولى (10)
بوم!
اصطدمت شفرة فأس الحرب بالشارع المرصوف بالحجارة، ممزقةً الطريق ومطيرةً الحطام في الهواء. وانتشر غبار الطريق متصاعدًا في الجو.
تمكّن "بيتريك" من تفادي الضربة؛ إذ انحرف إلى الجانب بخطوة خاطفة قبل أن تهوي عليه. وفي تلك اللحظة بالذات، اندفعت مطرقة ضخمة نحوه، فاستقبل خنجره السطح المستوي لمطرقة الحرب.
كلانغ!
كان هذا "ريغنار"، الذي بات يقاتل باستعمال مطرقته الآن.
سخط "بيتريك" بتذمر: «تَبًّا لهذا الجسد الضعيف!».
زمجر "ريغنار" بغضب عارم ممّا حدث: «إذن أنتَ من يقف خلف كل هذا!».
لم يرد "بيتريك"؛ بل اندفع إلى الأمام واشتبك مباشرة مع "ريغنار".
كلانغ! كلانغ! كلانغ!
تلاحمت المطرقة والخناجر مرارًا وتكرارًا، وتطاير الشرر في كل مرة تتصادم فيها الأسلحة.
وفجأة، فتح "ريغنار" كفه اليسرى. وبينما كان يواصل الضغط بمطرقته، ظهرت دائرة سحرية أمامه، واندفعت اهتزازات غريبة...
(دوي الانفجار الصوتى).
انحرفت فأس الحرب أفقيًا باتجاه خصر "بيتريك". انحنى "بيتريك" إلى الخلف مانحًا جسده مرونة خاطفة لتفادي الشفرة بفارق أعشار من السنتيمتر، ثم استدار وركل "درايفن" في جانبه. انزلق "درايفن" بضع خطوات إلى الخلف، لكنه سرعان ما استعاد توازنه.
الآن يمتد الوقوف جنبًا إلى جنب؛ "درايفن" و"ريغنار".
أحكم "ريغنار" قبضته على مطرقته، بينما رفع "درايفن" فأسه القتالي، وبدأت المانا (الطاقة السحرية) تدور بحرارة حول الشفرة. أخذت الرياح تتجمع حول الفأس بدوران يشبه العاصفة الصغيرة، ملتفة حول الشفرة لتجعلها أكثر حدة وسرعة.
هاجم كلاهما في الوقت نفسه. أهوى "ريغنار" بمطرقته إلى الأسفل، بينما ضرب "درايفن" بقطعة مائلة من الجانب.
تحرك "بيتريك" بسرعة خاطفة، حابسًا مطرقة "ريغنار" بخنجر، وصادًّا فأس "درايفن" بالخنجر الآخر.
كلانغ!
على الرغم من قتاله لشخصين في وقت واحد، كانت الابتسامة لا تزال ترتسم على وجه "بيتريك".
كان جسد "بيتريك" خاضعًا لسيطرة شخص آخر؛ إذ كان "بيتريك" نفسه ضعيف المستوى، ولم يكن بمقدور العدو الحقيقي الذي يتحكم به استخدام قوته الكاملة أو إطلاق تعاويذ سحرية عالية المستوى؛ لذا كان كل ما يمكنه الاعتماد عليه هو خبرته القتالية ومهاراته العالية. ومع ذلك، كان يتعامل مع الشابين، "درايفن" و"ريغنار"، بكل أريحية.
أرجح "ريغنار" مطرقته مجددًا وهي مغطاة بمانا كثيفة، فضربت بقوة على خنجر "بيتريك". أُجبر "بيتريك" بفعل قوة الصدمة على التراجع خطوة إلى الخلف، لكن في تلك اللحظة بالذات ظهر "درايفن" خلفه وأهوى بفأسه رأسيًا.
عوت الرياح حول الشفرة أثناء هبوطها.
تدحرج "بيتريك" على الأرض إلى الأمام متفاديًا الفأس بصعوبة، ووجه ضربة بركبة من الأسفل أجبرت خصمه على فقدان توازنه لبرهة، ثم أتبعها بضربة سريعة نحو "درايفن"، مزقت كُمّه قليلاً قبل أن يقفز للوراء.
أخرج "نوح" ببطء جرعة استعادة المانا وجرعة شفاء. شرب جرعة المانا أولاً، ثم أتبعها بجرعة الشفاء.
بدأ الدفء يسري داخل جسده، والنواة التي كانت خاوية بدأت تتملأ بالمانا تدريجيًا من جديد. وهدأت تعابير وجهه وهو يراقب المعركة.
أخذت الجروح على جسده بالتئام والإندمال؛ فالجرح الذي في صدره بدأ يندمل، ولكن ببطء شديد لأنه كان عميقًا، وكذلك جرح كتفه كان يلتئم ببطء. لم يكن ليتعافى كليًا لأن الجرعة كانت من مستوى منخفض.
راقب "نوح" المعركة بهدوء.
بوم!
على الرغم من أنه كان يسمع أصوات الاشتباك والانفجارات، إلا أنها لم تكن أمامه مباشرة، بل في مكان أبعد قليلاً.
كان الوحش الذي يقاتله "داميان" والآخرون قويًا بحق، وكانت قوة تحمله على وجه الخصوص عالية للغاية.
كان "نوح" قد أنجز ما أراد فعله بالفعل؛ فكان بإمكانه البقاء مختبئًا في زاوية ما من هذا المكان، أو داخل أي مبنى، تمامًا كما يفعل الكثير من الطلاب الذين لا يزالون مختبئين في أماكن متفرقة.
لكنه لم يفعل ذلك. والسبب كان بسيطًا: لقد أراد التدخل في هذه الحادثة ليتمكن من المساهمة والحصول على مكافأة جيدة من نظامه المعطوب... أو أيًا كان ذلك الشيء.
«...حتى أنني قاتلت الشرير الرئيسي في هذا الفصل... أو السيناريو. أيًا كان... الآن يمكنني الانتظار فقط حتى يقضي عليه "داميان"، ولعلّي أحصل على مكافأة أفضل.»
تنهد ببطء. لقد مات العديد من الطلاب الأبرياء أمامه مباشرة. ومع ذلك، كان يتعامل مع الأمر بنوع من التماسك. ربما لأن القتل صار أمرًا طبيعيًا في هذا العالم، أو ربما لأن "نوح" السابق لم يكن يشعر بالكثير تجاه... هذه الأمور.
ورغم قتال "ريغنار" و"درايفن" معًا، كان "بيتريك" يجاريهما دون مشقة تُذكر.
وفجأة، انبعث ضوء هائل من الاتجاه الذي يقاتل فيه "داميان" والآخرون ذلك الوحش الضخم خلف المباني. أضاء الضوء السماء بأكملها.
غطى "نوح" عينيه عن السطوع الباهر. وحتى "بيتريك" والآخران توقفوا عن القتال لحظيًا وتطلعوا نحو ذلك الاتجاه.
وسرعان ما دوّت صرخة وحش حادة وعالية من هناك، كانت صرخة مليئة بالألم!
سسسكرييييييتش!
ثم تلاها انفجار ضخم في الموقع نفسه.
بۆۆۆم!
أرسل الانفجار موجة صدمة حارة عبر الهواء، وانتشر الغبار والضوء والرياح في كل مكان، فلم يعد بإمكان أحد رؤية ما يحدث هناك.
طاخ!
سقط شيء ثقيل على الأرض في مكان ما على مسافة بعيدة.
ظن "نوح" أن المعركة بين "داميان" والوحش قد انتهت، فتنفس الصعداء مفكرًا أن "داميان" سيصل إلى هنا قريباً.
«..أخيرًا انتهى الأمر.»
لكن فجأة...
وضع "بيتريك" الخنجر الذي في يده اليسرى في حزام وسطه، ثم أخرج شيئًا ما من خاتم التخزين الخاص به.
كان جسمًا معدنيًا بني اللون على شكل هرم، حُفرت عليه بعض الرموز السحرية (الرونات).
وبدأ الجسم يلمع ببريق غريب!
حطّم "بيتريك" الشيء بيده وألقاه جانبًا. كان يبدو من الداخل وكأنه آلة صغيرة.
ثم رفع خنجريه مجددًا واستعد للقتال، والابتسامة العريضة ترتسم على وجهه.
ضيق "نوح" عينيه.
«ثمة شيء ليس على ما يرام...»