الفصل 83: العثور على الشيء المثالي
سار نوح وليونارد عبر الطريق المدمر، مبتعدَين عن القاعدة بوتيرة هادئة.
كانت المدينة من حولهما محطمة بالكامل؛ إذ جثمت المباني على جانبي الطريق في حالات متفرقة من الانهيار، فنهارت الجدران، وتفتتت الواجهات، وتناثرت الأنقاض عبر الرصيف في أكوام غير منتظمة. وتمتد الشقوق عبر الأسفلت تحت أقدامهما كخريطة لأضرار قديمة، بعضها واسع بما يكفي لتخطيه، والبعض الآخر مجرد خطوط رفيعة تفصل الخرسانة. وكان الغبار يعلق في الهواء بشكل خفيف.
لم يكن هناك شيء يتحرك، ولا صوت يُسمع سوى وقع أقدامهما:
طرق...
طرق...
تمتم ليونارد وهو يمسح الشارع ببصره أثناء سيرهما: "لا شيء حتى الآن، مجرد ركام والمزيد من الركام".
رد نوح وهو يلمح الطوابق العليا لمبنى شبه منهار أثناء مرورهما به: "واصل البحث، وسوف نجد مرادنا".
واصلا التحرك، وانعطفا نحو شارع آخر، ثم قطعا ساحة مفتوحة تتوسطها نافورة جافة تصدّع حوضها الحجري من المنتصف. تفحصا بضعة طرق جانبية؛ أدى أحدها إلى طريق مسدود بسب جسر علوي منهار، بينما فتح آخر على شارع أوسع يبدو أكثر تطوراً وتنتشر فيه المتاجر الشهيرة والضخمة.
وبحلول الوقت الذي مرت فيه حوالي ثلاثين دقيقة، بدأ ليونارد يشعر بنفاد الصبر. ثم رصده نوح أخيرًا:
"هناك".
رفع ليونارد رأسه ليُنظر.
كان هناك مبنى ضخم يقع على بعد حوالي ثلاثة كيلومترات من مكان قاعدتهم. نعم، لقد قطعوا كل هذه المسافة بالفعل، ولكن في الوقت نفسه، لم تكن مسافة بعيدة على الإطلاق بالنسبة لخارقين مثلهم، وهو ما جعل حقيقة استغراقهم كل هذا الوقت للعثور عليه أمرًا محرجًا بعض الشيء، وإن لم يقل أي منهما ذلك بصوت عالٍ.
كان المركز التجاري ضخمًا بحق؛ إذ تجاوز ارتفاعه سبعة طوابق، وبني على شكل دائري عريض، وهو نوع المباني الذي صُمم لِيُرى من مسافة بعيدة. وحتى في حالته المتضررة الحالية، فقد كان يسيطر على الشارع من حوله، جالسًا في نهاية الشارع كمعلم يرفض الانهيار الكامل.
سارا باتجاهه.
تعرضت المنطقة المحيطة بالمبنى لأضرار جسيمة؛ فكان الرصيف خارج المدخل مكسورًا ومرفوعًا إلى الأعلى في بعض الأماكن، وألقيت قطع خرسانية جانباً كالعدس. وتصدعت بضع أعمدة خارجية على طولها، بينما انحنت الحواجز المعدنية الصدئة التي كانت تصطف في ساحة المدخل وسقطت.
كان المبنى نفسه مغطى بالشقوق التي امتدت على الجدران الخارجية في خطوط متعرجة، بعضها ضيق والبعض الآخر واسع بما يكفي لإدخال يد فيه. وكل نافذة زجاجية مرئية من الخارج كانت تحطمت. كانت الإطارات الفارغة تحدق كأنها أعيُن جوفاء، وتتشبث بها أحيانًا شظايا زجاجية تعكس الضوء الباهت.
مع اقترابهما، جاء ووميض خفيف من مكان ما بالداخل؛ إذ إن نظام الإضاءة في المركز التجاري كان لا يزال يعمل جزئيًا، يئز بضعف ويومض بإيقاع غير مستقر.
اختفت أبواب المدخل أيضًا، ولم يتبقَ سوى فتحة واسعة تؤدي إلى الداخل.
نظر ليونارد إلى الارتفاع الكامل للمبنى وأصدر صوتًا منخفضًا: "هذا المكان كان ليكون مذهلاً لو كان في العالم الحقيقي".
قال نوح وهو يخطو عبر المدخل: "ربما كان مكتظًا في عطلات نهاية الأسبوع".
دخلا إلى الداخل.
فتحت الطابق الأرضي الرئيسي أمامهما، واسعًا وشاسعًا بطريقة لا يمكن إلا لمبنى مثل هذا إدارتها. كانت الأرضية عريضة ومسطحة تمتد في كل اتجاه، وقد تصدع بلاطها وغطته طبقة من الغبار والحطام. واصطفت واجهات العرض المكسورة والأثاث المقلوب للمتاجر على الجدران، بعد أن اختفت محتوياتها أو دُفنت تحت الركام.
في منتصف الطابق الأرضي، كان السقف مفتوحًا.
نظر نوح إلى الأعلى؛ كانت الطوابق العليا مصممة على شكل حلقة دائرية، كل مستوى يلتف حول المركز المفتوح مثل شرفة واسعة، فوق بعضها البعض حتى أعلى المبنى. ومن مكانه في الطابق الأرضي، كان بإمكانه النظر مباشرة عبر كل مستوى حتى القمة تمامًا.
كان الجزء العلوي مفتوحًا على الخارج، مما أتاح للضوء الباهت التسلل عبر منتصف الهيكل بأكمله. وتمتد السلالم المتحركة بين الطوابق على الجوانب، ومعظمها متجمد في مكانه، ودرجاتها لا تزال سليمة ولكنها بلا حركة. وكان هناك بضع فتحات للمصاعد مرئية في الخلف، إما محشورة وهي مفتوحة أو مفقودة تمامًا.
كانت الأضواء الومّاضة فوقهما تئز وتومض، وتلقي على التصميم الداخلي وهجًا غير مستقر يتنقل كل بضع ثوانٍ بين المعتم والساطع.
وقف ليونارد بجانب نوح ونظر إلى المنظر نفسه، وقال ببطء وهو يميل رأسه: "يمكنني بالفعل رؤية معركة قادمة في هذا المكان".
رد نوح بهدوء: "نعم، هذا صحيح تمامًا".
تابع نوح: "حسنًا، ما رأيك أن نتحقق مما إذا كان هناك أي طعام هنا؟ يبدو أن وحدة إمداد الطعام لم تصل إلى هنا بعد".
قال ليونارد: "أجل".
قال نوح: "سألقي نظرة حول الطابق الأرضي والقبو السفلي، وأنت تفقد الطوابق العليا".
نظر ليونارد إلى نوح بابتسامة متفهمة: "لا تريد صعود السلالم؟ ولهذا السبب ترسلني إلى هناك، أليس كذلك؟"
ضحك نوح: "هههه! يبدو أنك كشفتني! حسناً، في هذه الحالة، أتمنى أن تتفقد الطوابق العليا".
رد ليونارد ضاحكًا وهو يبتعد: "حسنًا يا رجل! تلك السلالم لا تعني شيئًا لشخص مثلي".
وأضاف نوح: "إذا وجدت طعامًا في حالة جيدة، أبلغ أي شخص في وحدة الاستطلاع".
قال ليونارد وهو يتجه نحو الدرج ويبدأ بصعوده: "حسنًا، أراك لاحقًا".
في هذه الأثناء، اتجه نوح ببساطة إلى أقسام مختلفة في الطابق السفلي. وأثناء تجوله، رأى بابًا يؤدي إلى الأسفل.
دخل نوح، وكانت الدرجات تؤدي إلى القبو: "لنتحقق مما يوجد هناك".
نزل ببطء، وكان المكان يزداد ظلامًا كلما تقدم. ولحسن حظه، كان كشاف هاتفه الذكي يعمل بشكل جيد.
عندما وصل إلى القاع، رأى أن هذا المكان يشبه السرداب أو القبو؛ حيث كُدست الآلات والأغراض القديمة هناك.
وعندما نظر إلى الداخل، اتسعت عيناه:
"هذا... قد يكون مثاليًا! شيء كنت أريد العثور عليه".
كانت هناك غرفة فارغة بنظافة ملحوظة مقارنة بالأماكن الأخرى؛ كانت ضخمة، ويقع فيها هيكل معدني داكن مربع ومغلق يبلغ ارتفاعه تقريبًا ارتفاع غرفة صغيرة. كان سطحه أملسًا ولكن متدرجًا بفواصل خفيفة وألواح مدمجة، تحيط بها أشرطة رفيعة من ضوء أزرق خافت ينبض ببطء مثل نبضات القلب المنتظمة.
تمتد كابلات سميكة وأنابيب مقواة من جوانبه لتختفي في الجدران والأرضية، وتتفرع مثل شرايين تغذي المبنى بأكمله. وفي الجزء العلوي من الهيكل، توجد قبة زجاجية على شكل نصف كروي؛ وداخلها، تطفو كرة مركزة من الطاقة الزرقاء، لا تتوقف بل تتحرك وتدور بلطف كعاصفة محتواة. وينعكس الضوء الساطع على سطحها ملقيًا انعكاسات خفيفة عبر جدران الغرفة، بينما ملأ طنين منخفض أرجاء المكان.
تمتم نوح وهو يقترب منها: "لابد أن هذه هي الماكينة التي تزود الطاقة... أعني الكهرباء في حالة انقطاعها، مثل المولد أو نظام UPS، وربما تستخدم المانا... أو توفر الطاقة كبديل للكهرباء".
كانت الماكينة ضخمة بحق. ضيق نوح عينيه وقال: "إنها لا تزال تعمل! يا رجل، إنها لا تزال تعمل ويمكنها إنتاج الكهرباء!"
تفحص الأنابيب والأسلاك؛ كان كل شيء سليمًا دون أي شقوق أو قطوع.
تمتم وهو يتأملها: "لابد أنها تحتوي على قلب مفاعل ذاتي الاستدامة، ولهذا السبب لا تزال تعمل".
لم يكن هذا مولدًا عاديًا، بل كان مفاعل طاقة مدمج صُمم للتشغيل الذاتي.
كانت الأضواء الومّاضة في الأعلى تُبقي المركز التجاري بالكاد يعمل طوال هذا الوقت؛ إذ قُطعت معظم خطوط الإمداد عن الماكينة ولم يتبقَ سوى القليل، ولهذا السبب لا تزال تزود الطاقة بطريقة ما. كما أن المدينة صُممت وكأنها دُمرت منذ بضعة أيام فقط، لذا كان من المفهوم وجود طاقة داخل هذا المولد الضخم.
تمتم وهو ينظر إلى الماكينة: "إذا كان الأمر كذلك... فهذا يعني أنه يمكن استخدامها من قبل الطلاب بطريقة أو بأخرى... ولدي فكرة بالفعل!"
أومأ برأسه برضا، وكأنه وجد الشيء المثالي لشيء ما في ذهنه...