استيقظ وهو لا يعرف كم من الوقت مرّ.
لم يكن هناك ألم حاد، ولا صدمة مفاجئة، فقط إحساس ثقيل يستقر على صدره كحجر رطب.
فتح عينيه ببطء.
السقف منخفض، متشقق، كأن الحجر تعب من حمل نفسه.
الضوء شحيح، لا يأتي من مصدر واضح، بل يتسرّب على شكل خيوط باهتة من شقوق غير منتظمة.
تنفّس. الهواء لم يكن خانقًا، لكنه لم يكن طبيعيًا أيضًا.
كل شهيق يحتاج جهدًا إضافيًا، كأن المكان لا يمنحه الأكسجين مجانًا.
حاول أن يجلس.
استجاب جسده بعد لحظة تأخر، كأن عضلاته تنتظر إذنًا غير مرئي.
الأرضية خشنة وباردة. عندما وضع كفه عليها، شعر بخشونتها حتى داخل العظم.
نهض ببطء.
خطا خطوة واحدة، فتردد الصدى قصيرًا ثم اختفى.
توقف.
أعاد الخطوة، أبطأ هذه المرة. الصدى تغيّر قليلًا، كأنه جاء من عمق مختلف.
رفع حاجبيه دون أن يدري لماذا.
شيء ما هنا لا يتعامل مع الحركة كما ينبغي.
دار حول نفسه.
الغرفة غير منتظمة، لا زوايا قائمة، ولا جدران مستقيمة.
آثار خدوش عميقة تشقّ الحجر في أماكن متفرقة، كأن شيئًا مرّ من هنا مرارًا، وبقوة لا تهتم بما تتركه خلفها.
في إحدى الزوايا، لمحها.
ثلاثة هياكل عظمية، جالسة على الأرض، ظهورها للحائط، رؤوسها مائلة قليلًا إلى الأمام.
ملابسهم ممزقة، لكنها متينة في الأصل. أحزمة جلدية، واقيات ساعدين معدنية، وأحذية مصممة للسير الطويل.
لم يكونوا ضعفاء.
هذا ما فهمه فورًا.
اقترب بحذر.
انحنى قليلًا، ومدّ يده نحو أقربهم.
لمس الساعد… فانهار بهدوء، وتحول إلى مسحوق رمادي ناعم.
سحب يده بسرعة.
حدّق في الغبار الذي علق على أصابعه، ثم مسحه على بنطاله دون تفكير.
شعر بانقباض خفيف في معدته.
ليس خوفًا من الموت، بل من النهاية التي تسبق الموت.
أن تبقى هنا طويلًا بما يكفي لتتحول إلى شيء لا يترك حتى عظمًا خلفه.
تراجع خطوة.
تنفّس ببطء، يحاول تهدئة الإيقاع في صدره.
عندها شعر به.
ضغط خفيف، بالكاد يُلاحظ، يلامس صدره من الداخل.
ليس ألمًا، بل مقاومة.
كأن الهواء نفسه يعترض على وجوده.
التفت نحو الجدار المقابل.
هناك شق رأسي ضيق، أثر باب قديم أُغلق منذ زمن بعيد.
كلما اقترب منه خطوة، ازداد الضغط قليلًا.
توقف على بعد متر.
تقدم نصف خطوة.
ازداد الضغط.
جرّب أن يرفع يده.
الحركة أثقل من اللازم.
خفضها.
تنفّس.
جرّب خطوة جانبية.
الضغط خفّ.
وقف مكانه للحظة، يختبر.
تقدم، يتراجع، يغيّر زاوية جسده.
الضغط يتغير تبعًا لذلك، كأنه يستجيب للطريقة التي يتحرك بها، لا للمسافة فقط.
ابتسم ابتسامة قصيرة لم تدم.
ليس ارتياحًا، بل إدراكًا.
هنا، الحركة قرار.
سمع صوتًا خافتًا خلفه.
استدار بسرعة، جسده مشدود.
لا شيء.
لكن الإحساس لم يختفِ.
هناك من يراقب.
لم يتكلم. لم ينادِ.
بقي واقفًا، يراقب الظلال.
بعد لحظات، تحرّك الظل نفسه.
خرج شاب من العتمة، أطول منه بقليل، يرتدي درعًا جلديًا متآكل الحواف.
وقف على بعد خطوتين، لا يحمل سلاحًا ظاهرًا، ولا يرفع يديه.
نظر إليه بهدوء.
عينان متيقظتان، خاليتان من الفضول.
لم يتحدث.
أدار رأسه ببطء نحو الشق في الجدار، ثم أشار إليه بإصبع واحد.
تردّد لحظة.
ثم أومأ.
تقدم الشاب أولًا، بخطوات بطيئة محسوبة.
لاحظ كيف يضع قدمه، كيف يوزّع وزنه، كيف يتوقف قبل أن يكمل الحركة.
قلّده.
مع أول خطوة خاطئة، شعر بالضغط يزداد فجأة.
توقف فورًا.
خفّ الضغط.
أعاد الخطوة بطريقة مختلفة.
مرّت.
خرجوا من الغرفة إلى ممر طويل، سقفه أعلى قليلًا، لكن الأرضية أكثر اضطرابًا.
الضوء هنا يتغير كل بضع خطوات، كأنه لا يحب الاستقرار.
سمع صوتًا آخر.
خطوات خفيفة.
ظهرت فتاة من جانب الممر، نحيلة، شعرها مربوط بشكل فوضوي.
نظرت إليه نظرة سريعة، ثم ركزت على قدميه.
قالت بهمس:
«لا تسرع.»
كانت أول كلمة يسمعها.
تقدّم الثلاثة.
في منتصف الممر، انخفضت الأرض فجأة تحت قدمه.
سحب قدمه بسرعة قبل أن تكتمل الحركة.
الحجر انهار بعد لحظة، تاركًا فجوة ضيقة.
تنفّس بعمق.
الفتاة أشارت إلى موضع محدد بجانب الفجوة.
«هنا. بخفة.»
نفّذ.
مرّ.
مع كل خطوة صحيحة، كان يشعر بأن الضغط ينسحب قليلًا، كأنه يمنحه إذنًا مؤقتًا بالاستمرار.
ومع كل خطأ صغير، يعود ليذكّره بأن الإذن يمكن سحبه في أي لحظة.
عندما وصلوا إلى نهاية الممر، توقف.
نظر خلفه، إلى الظلام، إلى الغرفة الأولى، إلى الهياكل التي لم تتحرك.
لم يكن يفكر بالعودة.
كان يفكر بشيء أبسط.
أن يخطو الخطوة التالية…
دون أن يخسر نفسه في الطريق.