لم يكن الممر التالي أوسع، لكنه بدا أطول.

الضوء فيه ثابت على نحو مريب، لا يخفت ولا يزداد، كأنه عالق عند درجة واحدة لا تتغير.

تقدّموا بصمت، والخطوات الثلاث لم تعد تتداخل؛ كل واحد يترك مسافة محسوبة بينه وبين الآخر.

الشاب الذي تقدّمهم توقّف أولًا.

رفع يده قليلًا، لا كإشارة تحذير، بل كتنبيه.

توقّف الاثنان خلفه فورًا.

الأرض أمامهم بدت عادية.

حجر مستوٍ، بلا تشققات، بلا ظلال مريبة.

ومع ذلك، لم يخطُ أحد.

انحنى الشاب، وضع طرف قدمه على الحجر، ثم سحبها.

لم يحدث شيء.

أعاد الحركة، هذه المرة مع تحويل بسيط في زاوية الجسد.

عندها تغيّر الإحساس.

لم يسمع صوتًا، لكن الضغط عاد فجأة، مركزًا هذه المرة في الرأس.

كأن فكرة غير مرغوب بها تحاول الدخول بالقوة.

تراجع الشاب خطوة.

اختفى الضغط.

نظر إليه، ثم إلى الفتاة.

كانت تراقب الأرض، لا وجوههم.

قالت بهدوء:

«ليس المكان… الطريقة.»

فهم المعنى دون شرح.

المشكلة ليست أين يضع قدمه، بل كيف يقرر أن يضعها.

تقدّم هذه المرة بنفسه.

توقّف عند حافة الحجر.

تنفّس ببطء، وأفرغ ذهنه قدر الإمكان.

لا استعجال، لا محاولة لإثبات شيء.

خطا.

مرّت الخطوة بسلاسة غير متوقعة.

لا ضغط. لا مقاومة.

تبعته الفتاة، ثم الشاب.

الممر سمح لهم بالمرور، لكن دون أي إحساس بالترحيب.

بعد مسافة قصيرة، انفتح المكان على قاعة أوسع.

السقف هنا مرتفع، تتدلّى منه أعمدة حجرية رفيعة، كأنها نبتت من الأعلى بدل أن تُبنى.

في منتصف القاعة، كانت هناك بقايا معسكر قديم: قطع قماش ممزقة، أوعية معدنية فارغة، وعصا مكسورة عند الطرف.

توقفوا جميعًا.

اقترب بحذر من العصا.

كانت خفيفة، لكنها متماسكة.

قبض عليها بيده.

في اللحظة التي فعل، شعر بشيء مختلف.

ليس ضغطًا، بل وزن.

كأن العصا لم تكن مجرد أداة، بل التزام.

شدّ قبضته قليلًا.

الوزن استقر.

قال الشاب لأول مرة، صوته منخفض لكنه واضح:

«الأدوات تُستخدم… أو تُستخدمك.»

لم يسأله عن المعنى.

كان المعنى حاضرًا بما يكفي.

جلست الفتاة على حجر قريب، وأسندت ظهرها.

«لن نتحرك قبل أن نرتاح. الممر التالي لا يرحم المتعبين.»

جلس على الحجر، وأسند ظهره ببطء.

في اللحظة التي توقف فيها عن الحركة، شعر بالتعب يزحف إليه دفعة واحدة،

كأن جسده كان يؤجل الإحساس حتى يتأكد أن التوقف مسموح.

نظر إلى العصا في يده.

لم تكن مميزة في شكلها، ولا متقنة الصنع،

ومع ذلك، لم يشعر بأنها شيء يمكن رميه بلا تفكير.

شدّ قبضته قليلًا.

الإحساس لم يكن ألمًا…

بل ثِقلًا خفيًا،

كأن الإمساك بها لم يكن مجرد فعل، بل قرار.

الشاب وقف قرب مدخل القاعة، يراقب الظلام.

لم يتحرك، ولم يلتفت.

الفتاة جلست مقابله، وراحت تفك رباطًا قديمًا حول معصمها.

قالت بهدوء، دون أن تنظر إليه:

«لا تُطِل الجلوس. هنا المكان يسمح بالراحة… لكنه لا يحبها.»

لم يسأل لماذا.

في هذا المكان، الأسئلة التي بلا ضرورة تشبه الخطوات الخاطئة.

أغمض عينيه لثوانٍ، ثم فتحهما.

لم تتغير القاعة.

الأعمدة لا تزال معلقة،

الضوء ثابت،

والصمت كما هو.

لكن الإحساس تغيّر.

لم يعد الضغط حاضرًا طوال الوقت.

لم يختفِ…

بل تراجع خطوة.

كأن المكان يراقب فقط،

ينتظر الحركة التالية.

نهض ببطء.

وقف بثبات، لا بسرعة، ولا تردد.

نظر إلى يديه مرة أخرى.

هما كما هما.

لا تشوه، لا تغيّر.

تنفّس بعمق، وأخرج الزفير ببطء.

لم يكن يعرف أين هو.

ولا كيف وصل.

ولا ما الذي يحكم هذا المكان.

لكنه عرف شيئًا واحدًا فقط،

شيئًا بسيطًا بما يكفي ليبقى واضحًا:

طالما خطواته ما زالت قراره،

وطالما جسده يستجيب له،

فهو لم يضِع بعد.

شدّ العصا،

وتحرك نحو الممر التالي.

2026/02/08 · 3 مشاهدة · 538 كلمة
Luxero
نادي الروايات - 2026