الممر الثالث بدا طبيعيًا للوهلة الأولى، لكنه لم يكن كذلك.

لا أضيق، ولا أوسع، ولا أكثر ظلمة من السابق.

لكن كل خطوة فيه شعرت بأنها ثقيلة، لا وزنها الجسدي، بل كأن الهواء نفسه يضغط على صدره.

الصمت هنا مختلف.

الصوت اختفى.

لا صدى للخطوات، لا حركة للهواء، حتى أن تنفسه بدا مخنوقًا بطريقة غريبة.

توقف الشاب في المقدمة فجأة.

لم يرفع يده، لم يتحرك.

فجأة شعر بأن كل شيء حوله، كل مساحة الممر، يتوقف معه.

توقف الاثنان خلفه فورًا، من تلقاء أنفسهم، بلا أوامر، بلا حاجة للكلام.

لم يشعر بالخطر بعد.

بل بشيء أبسط… غياب.

فراغ يلتهم كل شيء، شعور غير ملموس، لكنه مزعج إلى حد يجعل كل خلية في جسده تترقب.

حرك أصابعه ببطء، يختبر وزنها، إحساسه بها.

رفع قدمه، أنزلها، خطوة واحدة، ثم أخرى.

كل حركة سهلة أكثر من اللازم، وكأن الأرض نفسها لا تريد التفاعل معه، أو ربما لا تستطيع.

شدّ قبضته على العصا في يده اليمنى.

الوحيد الذي بقي يربطه بشيء ملموس في هذا المكان، كما لو كان طوق نجاة غير مرئي.

اقتربت الفتاة نصف خطوة، دون أن تنظر إليه، وهمست بصوت منخفض:

«لا تتحرك وحدك.»

تردّد لحظة، ثم أكملوا التقدم.

الشاب في المقدمة خطا خطوة واحدة فقط، ثم توقف ثانية.

مرّت ثانيتان.

ثم ثالثة.

وفجأة، تغيّر الإحساس.

ليس في المكان… بل في رأسه.

شعور بارد زحف من الخلف، وكأنه فكرة دخيلة لم تدخل بالكامل، لكنها تركت أثرًا واضحًا على عقله.

لا صورة، لا صوت، لا شكل… مجرد إدراك مفاجئ بأن شيئًا ما قريب جدًا،

وأنه يُراقبهم منذ بداية الممر، لكنهم لم يلاحظوه بعد.

استدار بسرعة.

لا أحد.

الممر خلفهم فارغ، لكن الشعور لم يخف.

كان يلاحقه، يلتصق به مثل ظل ثقيل لا يزول.

الفتاة جلست على حجر قريب، تحدق في نقطة بعيدة أمامها، لم ترمش.

قالت أخيرًا، بصوت خافت:

«لا تكثر الالتفات.»

سألها، بصوت بالكاد خرج:

«لماذا؟»

تأخرت لحظة، ثم قالت:

«لأن بعض الأشياء… لا تظهر إلا عندما تتأكد أنك تبحث عنها.»

شعر بقشعريرة تسري في عموده الفقري.

تقدموا مرة أخرى، خطوة بحذر، خطوة خطوة، كل حركة محسوبة، كل حركة تجربة.

في منتصف الممر، شعر بأن العصا في يده أصبحت أثقل.

لم يكن وزنها حقيقيًا، بل شعور داخلي بأن الإمساك بها لم يعد كافيًا.

شدّ قبضته أكثر، وكأنها تمنحه شعورًا بالسيطرة، شعورًا بالوجود.

ثم بدأ الضوء يخفت تدريجيًا.

ليس دفعة واحدة، بل كسلسلة خيوط تتلاشى ببطء.

الظلال تمددت، وامتدت الحواف حولهم، كأنها تحاول ابتلاعهم تدريجيًا.

بعد لحظات، انطفأ الضوء تمامًا.

الضوء الذي كان يعطيهم إحساسًا بالمسافة، بعمق المكان، بالوجود… اختفى فجأة.

في الظلام، سمعه.

نفس.

هادئ، متقارب، لكنه حاضر بطريقة لا تسمح بالخطأ.

قريب جدًا.

جسده تجمّد.

لم يتحرك، لم يلتفت.

الشاب في المقدمة شدّ قبضته على العصا.

الفتاة تراجعت نصف خطوة، وكأنها شعرت بشيء لم يره أحد.

ثم جاء الصوت.

هادئ، ثابت، ثقيل…

«…أنت جديد.»

فتح فمه ليتحدث—

وفي اللحظة نفسها، انفرجت أصابعه دون إرادته.

سقطت العصا من يده.

لم يسمع ارتطامها بالأرض.

السبب لم يكن بعيدًا:

لأن الأرض إختفت.

2026/02/08 · 3 مشاهدة · 466 كلمة
Luxero
نادي الروايات - 2026