لم يتوقف السقوط فجأة.
هو فقط… خفّ.
الإحساس بالاندفاع إلى الأسفل تلاشى تدريجيًا، كأن قوة غير مرئية أمسكت به وقررت ألا تتركه يختفي، ولا تسمح له بالارتطام.
فتح عينيه.
لم يكن هناك ظلام كامل،
ولا ضوء حقيقي.
مساحة رمادية واسعة، بلا اتجاه واضح.
لا أعلى، ولا أسفل.
جسده كان معلقًا للحظة، ثم شعر بشيء صلب تحت قدميه.
هبط.
ليس سقوطًا،
بل إنزالًا متعمّدًا.
تراجع خطوة لا إراديًا، محاولًا الحفاظ على توازنه.
الأرض تحت قدميه ثابتة، باردة، لكنها مختلفة عن كل ما وطئه من قبل.
ليست حجرًا، وليست ترابًا.
تنفّس.
الهواء موجود.
ثقيل قليلًا، لكنه قابل للتنفس.
مدّ يده أمامه بحذر.
لا جدار.
لا عائق.
خطا خطوة واحدة.
لم يحدث شيء.
خطا ثانية.
ثم ثالثة.
كل شيء هادئ على نحو مريب.
التفت خلفه.
لا ممر.
لا حفرة.
لا أثر للسقوط.
المكان بدا وكأنه لم يكن قبل لحظة،
وكأنه لم يُنشأ ليستقبله…
بل سُمِح له أن يكون فيه مؤقتًا.
جلس على الأرض دون تفكير طويل.
لم يكن التعب هو السبب،
بل الحاجة إلى التوقف قبل أن يخطئ.
وضع كفّه على الأرض.
لم يشعر ببرودة حقيقية،
بل بإحساس أقرب إلى المقاومة الهادئة،
كأن السطح لا يمنحه نفسه بالكامل.
رفع يده ببطء.
شيء هنا يراقب الحركة،
لكنه لا يتدخل فورًا.
نهض من جديد.
هذه المرة، تحرك ببطء أكثر.
خطوة…
توقف.
خطوة أخرى…
توقف.
لا ضغط.
لا اختبار واضح.
وهذا كان أسوأ.
سمع صوتًا خافتًا.
ليس كلامًا.
ولا نفسًا.
احتكاك خفيف،
كأن شيئًا تحرك بعيدًا، ثم قرر أن يبقى خارج مجال الرؤية.
التفت فورًا.
لا شيء.
لكن الإحساس لم يختفِ.
قال بصوت منخفض، أقرب إلى تثبيت نفسه:
«…أنا هنا.»
لم يجب أحد.
مرت لحظات طويلة.
الهدوء لم ينكسر،
لكنه لم يعد مريحًا.
ثم لاحظ التغير.
الضوء الرمادي حوله لم يخف،
بل بدأ يتجمع ببطء،
كما لو أن المساحة قررت أن تعطيه مركزًا.
توقف عن الحركة.
لم يكن خوفًا،
بل حدسًا.
التجمع ازداد وضوحًا.
ليس هيئة،
ولا ظلًا.
مجرد اختلاف في الكثافة.
شيء ما…
يتشكّل.
لم يقترب.
لم يتراجع.
أنتظر.
وبينما كان الضوء يواصل تغيّره البطيء،
فهم أمرًا واحدًا بوضوح هذه المرة:
السقوط لم يكن فخًا.
ولا عقوبة.
كان انتقالًا.
وهذا المكان…
ليس نهاية ما حدث في الأعلى،
بل بداية شيء لم يبدأ بعد.
ظل واقفًا،
ينتظر أن يحدث الشيء التالي،
دون أن يعرف
هل سيكون عليه أن يتحرك…
أم أن الحركة نفسها
هي الخطأ القادم.