توقف أكاتسوكي فجأة.

لم يكن السبب زمجرة زومبي...

ولا صوت رياح.

بل صوت خافت، كأن قطعة معدنية ارتطمت بالأرض في مكان قريب.

طن...

ثم ساد الصمت من جديد.

رفع أكاتسوكي يده أمام مارلين، مشيرًا إليها أن تبقى خلفه.

همس بصوت منخفض:

"لا تتحركي."

أومأت برأسها، وأمسكت بطرف معطفه بقوة.

كانت أصابعها الصغيرة متشبثة بالقماش، بينما كان أكاتسوكي يحدق في المكان الذي صدر منه الصوت.

لم يكن هناك شيء واضح.

الشارع أمامهما كان خاليًا.

الأبنية القديمة تحيط بهما من الجانبين، ونوافذها المظلمة بدت كأنها ثقوب سوداء تراقبهما بصمت.

كان الغروب قد بدأ يقترب، والضوء البرتقالي الباهت ينعكس على الجدران المتشققة.

لم يتحرك أكاتسوكي.

مرت عدة ثوانٍ.

ثم سحب سيفه ببطء.

شششينغ...

خرج النصل من غمده، وانعكس عليه آخر ضوء للشمس.

تقدّم بخطوات حذرة نحو المبنى الذي صدر منه الصوت.

كانت خطواته هادئة.

لم يكن يريد أن يكشف موقعه لأي شخص أو شيء في الداخل.

أما مارلين فبقيت خلفه، تتحرك معه ببطء، لكنها لم تترك معطفه.

توقف أمام الباب.

كان الباب الخشبي مواربًا.

تحرك قليلًا مع تيار الهواء.

دفعه أكاتسوكي بطرف السيف.

صدر صرير خافت، وانفتح الباب قليلًا.

توقف.

ألقى نظرة سريعة إلى الداخل.

كان المكان مظلمًا.

رائحة الغبار والرطوبة ملأت المدخل.

كانت هناك قطع أثاث مقلوبة، وأوراق متناثرة فوق الأرض.

ثم رأى شيئًا.

رجل...

شاب في أوائل العشرينيات، يجلس مستندًا إلى الحائط.

كان يتنفس بصعوبة، وذراعه اليسرى تنزف بغزارة، بينما استقرت بندقية على الأرض بجانبه.

كان وجهه شاحبًا، وشعره ملتصقًا بجبهته بسبب العرق.

رفع الشاب رأسه ببطء.

وما إن التقت عيناه بعيني أكاتسوكي حتى تحرك الاثنان في اللحظة نفسها.

اندفع الشاب محاولًا الوصول إلى بندقيته.

لكن أكاتسوكي كان أسرع.

بخطوة واحدة، وصل إليه، ووضع حد السيف أمام عنقه.

قال بصوت بارد:

"لا تتحرك."

تجمد الشاب.

كانت يده لا تزال ممدودة نحو البندقية.

اقترب طرف السيف من عنقه أكثر.

قال أكاتسوكي دون أن يبعد نظره عنه:

"صحيح أن الرصاصة أسرع من السيف..."

"لكن هل تظن أنك ستتمكن من استخدامه بهذه الذراع؟"

نظر الشاب إلى جرحه.

كانت ذراعه ترتجف، والدم يتساقط منها على الأرض.

أدرك أن أكاتسوكي محق.

لم يكن قادرًا حتى على رفع البندقية بثبات.

أنزل يده ببطء.

ركل أكاتسوكي البندقية بعيدًا، ثم التقطها ووضعها داخل حقيبته.

ابتسم الشاب ابتسامة متعبة.

"والآن؟"

رفع عينيه إليه.

"هل ستقتلني؟"

لم يجب أكاتسوكي.

بقي السيف ثابتًا في مكانه.

كان يراقب عيني الشاب أكثر من سلاحه.

كان يحاول معرفة إن كان يمثل خطرًا حقيقيًا.

وفي تلك اللحظة...

دخلت مارلين من الباب.

توقفت عندما رأت المشهد.

شهقت بخفة.

"أكاتسوكي..."

نظرت إلى الشاب المصاب، ثم إلى الدم الذي يغطي ذراعه.

اقتربت خطوة.

"إنه مصاب."

قال أكاتسوكي دون أن يلتفت إليها:

"ارجعي للخلف."

لكنها لم تتحرك.

بل وقفت بينهما، رافعة يديها الصغيرتين وكأنها تحاول إيقاف السيف.

قالت بصوت مرتجف:

"أرجوك..."

"لا تقتله."

ساد الصمت.

ظل أكاتسوكي ينظر إليها لثوانٍ.

ثم إلى الشاب.

ثم أعاد النظر إليها.

كانت ملامحها جادة.

لم تكن تدافع عنه لأنها تعرفه.

بل لأنها لم تستطع تحمل فكرة أن يُقتل شخص أمامها وهو عاجز عن الدفاع عن نفسه.

زفر أكاتسوكي بهدوء.

وأعاد السيف إلى غمده.

ابتسم الشاب بخفة وقال:

"يبدو أنها صاحبة القرار بينكما."

رفع أكاتسوكي نظره إليه.

"قل نكتة أخرى..."

توقف لحظة.

"...وسأعيد السيف إلى مكانه."

ضحك الشاب رغم ألمه.

"حسنًا..."

"يبدو أنك تفتقر إلى حس الفكاهة."

أجابه أكاتسوكي ببرود:

"ويبدو أنك تفتقر إلى حسن التوقيت."

ابتسم الشاب باستسلام.

"اسمي كازو."

"وأنت؟"

لم يرد أكاتسوكي.

بقي واقفًا أمامه للحظات.

قفزت مارلين بحماس وقالت:

"أنا مارلين."

ثم أشارت نحوه بابتسامة.

"وهذا أكاتسوكي."

أغلق أكاتسوكي عينيه للحظة.

"يا غبية..."

"أنت تتحدثين كثيرًا."

وضعت يدها على فمها بسرعة.

"آه..."

"آسفة."

هز كازو رأسه ضاحكًا.

"على الأقل أحدكما لطيف."

اقترب أكاتسوكي من جرحه.

تأمله لثوانٍ.

كان الجرح سيئًا بما يكفي لإضعافه، لكنه لم يكن قاتلًا بعد.

أخرج لفافة شاش وبعض المطهر من حقيبته.

قال:

"ارفع ذراعك."

نظر إليه كازو باستغراب.

"ستساعدني؟"

أجاب وهو يبدأ بتنظيف الجرح:

"لا."

توقف لحظة.

"أنا فقط لا أحب رؤية شخص ينزف حتى الموت أمامي."

تأوه كازو عندما لامس المطهر الجرح.

شد أسنانه وحاول ألا يصرخ.

ابتسم بمرارة.

"كان بإمكانك أن تكون ألطف قليلًا."

رد أكاتسوكي وهو يلف الضماد بإحكام:

"كنت سأكون ألطف..."

"...لو لم تحاول توجيه بندقية نحوي."

ضحك كازو بخفة.

"معك حق."

أنهى أكاتسوكي تضميد الجرح.

ثم وقف.

أخذ حقيبته على كتفه.

وأشار إلى مارلين.

"هيا."

تحركت مارلين نحوه.

لكن كازو رفع صوته:

"مهلًا..."

توقف أكاتسوكي.

"وماذا عن بندقيتي؟"

التفت إليه.

"هل تظن حقًا أنني سأعيد سلاحًا جاهزًا لرجل لا أعرفه؟"

احتج كازو:

"لكنني لست شخصًا سيئًا."

أجابه أكاتسوكي بهدوء:

"الجميع يقول ذلك."

ساد الصمت.

نظر كازو إليه لحظات.

ثم قال بنبرة غاضبة:

"إذن لماذا عالجتني؟"

"لتتركني هنا أعزل؟"

نظر إليه أكاتسوكي نظرة ثابتة.

"أنقذت حياتك."

ثم أضاف:

"أما كيف ستعيشها..."

"...فهذا يعود إليك."

استدار وغادر المكان.

تبعته مارلين بخطوات مترددة.

وقبل أن تخرج، التفتت نحو كازو.

قالت:

"أتمنى أن تكون بخير."

ابتسم كازو.

"وأنا أيضًا."

ثم خرجت.

أغلق أكاتسوكي الباب خلفهما بهدوء.

لم يقل كلمة واحدة.

اكتفى بالنظر إلى الطريق أمامه.

أما مارلين، فكانت تمشي خلفه ممسكة بطرف معطفه، لكنها كانت تلتفت بين الحين والآخر نحو المبنى الذي تركا فيه الشاب.

وبعد دقائق من الصمت...

قالت بصوت خافت:

"أكاتسوكي..."

"همم؟"

"ألن يعود ذلك الشاب ليموت هناك؟"

أجاب دون أن يلتفت:

"ربما."

سكتت لحظة.

"وهذا لا يزعجك؟"

تنهد بهدوء.

"لو حملت همَّ كل شخص أقابله..."

"...فلن أصل إلى هدفي أبدًا."

خفضت رأسها.

"لكن..."

"...لقد عالجته."

رد بصوت ثابت:

"لأن إنقاذ حياة شخص، شيء."

"والسير معه والثقة به، شيء آخر."

ساد الصمت بينهما.

كانت مارلين تفكر في كلماته.

ثم قالت:

"أنت لا تثق بأحد

قال أكاتسوكي

الم اثق بك؟

صمت

تابعا السير.

كانت الشمس تميل أكثر نحو الأفق.

لكن شيئًا ما في حديث كازو ظل عالقًا في ذهن أكاتسوكي.

لم يكن يعرف من أين جاء.

ولا من جرحه.

ولا لماذا كان يحمل بندقية وحده.

كان هناك الكثير من الأسئلة.

لكنه لم يكن مستعدًا لمعرفة أجوبتها.

التفتت مارلين إليه.

"أكاتسوكي."

"ماذا؟"

"هل تعتقد أنه سيبقى حيًا؟"

أجاب بعد لحظة:

"إذا كان ذكيًا..."

نظر إلى الطريق.

"...فسيفعل."

ابتسمت مارلين.

"إذن أنت تهتم."

نظر إليها.

"لا."

"أنا فقط أكره إضاعة الضمادات."

ضحكت.

وللمرة الأولى منذ لقائهما بكازو...

شعر أكاتسوكي أن التوتر في صدره خف قليلًا.

لكن ذلك الشعور لم يدم طويلًا.

لأن المدينة أمامهما كانت لا تزال تخفي الكثير.

ولم يكن يعرف أن تلك المواجهة الصغيرة...

لن تكون آخر مرة يسمع فيها اسم كازو.

2026/08/20 · 0 مشاهدة · 997 كلمة
Bond
نادي الروايات - 2026