مرت ساعة وربع تقريبًا.
كانت الشمس تميل ببطء نحو الأفق، والهواء أصبح ألطف من حرارة النهار.
بدأت الظلال تطول فوق الشوارع، وبدت الأبنية المدمرة أكثر قتامة مع اقتراب المساء.
توقف أكاتسوكي أمام مبنى صغير نصفه منهار.
كان المبنى قديمًا، وربما كان في الماضي متجرًا أو مكتبًا صغيرًا.
الواجهة الأمامية كانت مغطاة بالغبار، وإحدى النوافذ محطمة بالكامل.
تفقد المكان بحذر.
نظر إلى المدخل.
ثم إلى النوافذ.
ثم إلى السطح.
لم يرَ أي حركة.
قال:
"سنبيت هنا."
صعد إلى الطابق الثاني.
فتش الغرف واحدة تلو الأخرى.
فتح الأبواب ببطء، ونظر خلفها وتحت الطاولات.
كان حذرًا من أي مفاجأة.
ثم عاد إلى مارلين.
كانت تنتظره عند الدرج.
"المكان آمن."
قالها باختصار.
ابتسمت وهي جلست قرب النافذة.
"إذن هذه آخر ليلة لنا في هذه المنطقة؟"
أومأ.
"نعم."
"غدًا سنكمل الطريق."
سألته وهي تضم ركبتيها إلى صدرها:
"إلى أين؟"
نظر إلى السماء التي بدأ لونها يتغير مع اقتراب الغروب.
"لا أعرف الطريق كاملًا."
توقف لحظة.
"لكن أعرف هدفي."
ثم أضاف:
"وسأواصل البحث عنه."
لم تسأله أكثر.
كانت تشعر أن بعض الأسئلة لا يحتاج الإنسان للإجابة عنها الآن.
جلست قرب النافذة.
كانت الرياح تمر من الزجاج المحطم وتحرّك شعرها قليلًا.
أما أكاتسوكي فبدأ يرتب المكان.
وضع حقيبته قرب الحائط، ثم تفقد سيفه.
تأكد من أن النصل نظيف، ثم أعاده إلى غمده.
بعد أن أشعل نارًا صغيرة للطهي، فتح إحدى علب الطعام ووضع نصفها أمام مارلين.
تناولت بضع لقيمات.
ثم قالت مبتسمة:
"اليوم لم يكن سيئًا."
رفع حاجبه.
"رغم أننا وجدنا رجلًا كاد يطلق النار علينا؟"
ضحكت.
"لكن لم يطلق."
تنهد أكاتسوكي.
"هذه ليست طريقة جيدة لقياس سوء الأيام."
ضحكت مرة أخرى.
وكانت تلك الضحكة كافية لتجعل المكان أقل وحشة.
حلّ المساء.
واختفت آخر خيوط الشمس خلف الأبنية البعيدة.
أصبح الهواء أبرد.
أخذ أكاتسوكي يراقب النافذة بين حين وآخر.
أما مارلين فكانت جالسة بالقرب منه.
كانت صامتة.
ثم رفعت رأسها قليلًا، كأنها تشعر بدفء الغروب على وجهها.
قالت بهدوء:
"أكاتسوكي..."
"همم؟"
"هل يمكنك..."
ترددت.
"...أن تجلس بجانبي قليلًا؟"
نظر إليها للحظة.
ثم تقدم وجلس إلى جانبها بصمت.
كان الغروب قد بدأ يبتلع آخر خيوط الشمس، بينما أخذت الرياح الباردة تمر بهدوء بين الأبنية المهدمة.
ساد الصمت.
لم يكن صمتًا محرجًا...
بل صمت شخصين أنهكهما هذا العالم.
تنفست مارلين بعمق.
كانت أصابعها تتحرك فوق طرف معطفها، وكأنها تجمع شجاعة لتقول شيئًا ظل حبيس قلبها سنوات.
ثم قالت بصوت هادئ:
"أتعلم يا أكاتسوكي..."
"كنت أنام أحيانًا وأنا مفتوحة العينين."
التفت إليها باستغراب بسيط.
أكملت وهي تبتسم ابتسامة صغيرة تخفي وراءها سنوات من الألم:
"لأنني كنت أعلم... أنني في كلتا الحالتين لن أرى شيئًا."
خفضت رأسها قليلًا.
"وكنت أقول لنفسي كل ليلة..."
"ربما عندما أستيقظ سأرى شيئًا."
"ربما شعاعًا صغيرًا يتسلل من النافذة..."
توقفت.
ثم قالت:
"...أو حتى وجه الشخص الذي يجلس بجانبي."
بقي أكاتسوكي صامتًا.
لم يقاطعها.
كانت نبرة صوتها مختلفة.
لم تكن تتحدث فقط عن الماضي.
كانت تعود إليه.
إلى طفولتها.
إلى الأيام التي لم يكن الظلام فيها مجرد غياب للضوء، بل كان شيئًا عاشت داخله كل حياتها.
قالت:
"لكن في كل مرة كنت أفتح عيني..."
"...كان الظلام نفسه ينتظرني."
خفضت رأسها.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة.
"في المدرسة، كان الأطفال يسألونني أحيانًا..."
توقفت قليلًا.
"ما لونك المفضل؟"
ضحكت بخفة.
"كنت أختار لونًا عشوائيًا."
"مرة قلت الأزرق."
"ومرة قلت الأحمر."
"ومرة قلت الأخضر."
نظر إليها أكاتسوكي بصمت.
أكملت:
"لم أكن أعرف أي واحد منها."
"لكني كنت أجيب بسرعة حتى لا يسألوني لماذا."
وضعت يدها فوق الأخرى.
"لم أكن أريد أن ينظروا إليّ وكأني مختلفة."
ساد الصمت للحظة.
ثم قالت:
"الغريب أنني لم أكن أحزن كثيرًا لأنني لا أستطيع رؤية الأشياء."
رفعت وجهها قليلًا.
"كنت أحزن لأن الجميع كانوا يتحدثون عنها وكأنها أشياء بسيطة..."
"وكأن رؤية السماء أو الأشجار أو البحر شيء لا يستحق التفكير فيه."
أخذت نفسًا عميقًا.
"كنت أحاول كل يوم..."
"...أن أتخيل السماء."
"وفي كل مرة كانت تبدو مختلفة داخل رأسي."
ابتسمت بحزن.
"لا أعرف كيف يبدو البحر."
"ولا كيف تبدو الأشجار عندما تتحرك مع الريح."
"ولا كيف يبدو المطر."
ثم سكتت.
بدا صوتها أضعف.
"ولا أعرف حتى كيف يبدو أبي..."
توقفت.
لم تستطع إكمال الجملة.
خفضت رأسها.
وسقطت دمعة على يدها.
بقي أكاتسوكي صامتًا.
لم يحاول إيقافها.
قالت بصوت خافت:
"كنت أسمع صوته فقط."
"وأحفظ خطواته."
"وأعرف من طريقة تنفسه إذا كان متعبًا."
ابتسمت وسط دموعها.
"كنت أعتقد أن هذا يكفيني."
ثم تشبثت بذراع أكاتسوكي.
"لكن عندما فقدته..."
توقفت.
"...أدركت أنني كنت أتمنى لو كنت أستطيع رؤيته ولو لمرة واحدة."
كان أكاتسوكي ينظر إليها.
لم تتغير ملامحه كثيرًا.
لكن عينيه أصبحتا أكثر هدوءًا.
أكملت:
"أحيانًا كنت أبكي بصمت."
"وأحضن وسادتي لكي لا يسمع أبي صوتي."
توقفت.
"لكن ما الفائدة من البكاء إذا كان قدري مكتوبًا من البداية؟"
ساد الصمت.
لم يكن لدى أكاتسوكي جواب.
ربما لأنه لم يكن هناك جواب.
بعض الأشياء تحدث دون أن تمنح الإنسان فرصة لفهمها.
وبعض الخسارات لا يمكن إصلاحها.
رفعت مارلين وجهها نحوه.
كانت الدموع تملأ عينيها.
وقالت بصوت مرتجف:
"أخبرني يا أكاتسوكي..."
توقف للحظة.
ثم قالت:
"كيف يبدو شكل السماء؟"
رفع أكاتسوكي نظره نحو الأفق.
كانت الشمس تختفي ببطء، تاركة خلفها ألوانًا دافئة امتزجت بزرقة المساء.
بقي صامتًا لثوانٍ.
وكأنه يبحث عن كلمات تكفي لوصف شيء اعتاد الجميع رؤيته...
إلا هي.
ثم قال بهدوء:
"السماء واسعة."
"واسعة لدرجة أنك تشعر أنها تحتضن العالم كله."
ابتسم ابتسامة باهتة.
"وفي هذا الوقت..."
نظر نحو الشمس.
"تبدأ الشمس بالاختفاء ببطء."
"فيصبح لونها دافئًا..."
"وكأنها تودع الجميع قبل أن ترحل."
استمعت مارلين لكل كلمة.
وكأنها ترسمها داخل قلبها.
أكمل بصوت هادئ:
"ثم يأتي الليل."
"وتظهر نجوم صغيرة..."
"كأن أحدهم نثر نقاطًا مضيئة فوق قطعة قماش سوداء."
همست مارلين ودموعها لا تتوقف:
"إذن..."
"السماء... أجمل مما كنت أتخيل؟"
نظر إليها.
ثم ابتسم ابتسامة صادقة، نادرة.
وقال:
"أجمل."
توقف لحظة.
ثم أضاف:
"لكن..."
"لو استطعتِ رؤيتها يومًا..."
"...فأنا متأكد أنها ستكون أجمل مما أستطيع وصفه."
أغلقت مارلين عينيها.
وكأنها تحاول أن ترى ذلك المشهد في خيالها.
حاولت أن تتخيل السماء التي وصفها.
اللون الدافئ.
الشمس وهي تختفي.
الليل.
والنجوم الصغيرة التي تشبه النقاط المضيئة فوق قطعة قماش سوداء.
ثم، دون تردد...
ارتمت بين ذراعيه.
كانت تبكي بصمت.
ليس لأنها يائسة...
بل لأنها شعرت، ولأول مرة، أن أحدًا منحها صورة للسماء التي بحثت عنها طوال حياتها.
تردد أكاتسوكي للحظة.
لم يكن معتادًا على مثل هذه اللحظات.
لكنه هذه المرة لم يتراجع.
رفع يده ببطء.
ووضعها برفق على رأسها.
وربت عليها بخفة.
لم يقل شيئًا.
ففي بعض اللحظات...
كانت الكلمات أقل قيمة من الصمت.
استمرت مارلين في البكاء لدقائق.
ثم هدأت أنفاسها قليلًا.
وبقيت مستندة إلى صدره.
أما أكاتسوكي...
فرفع نظره نحو السماء مرة أخرى.
ولأول مرة منذ زمن طويل...
لم ينظر إليها بعينيه وحدهما.
بل حاول أن يراها...
كما كانت مارلين تتمنى أن تراها.
نظر إلى آخر خيط من الضوء.
ثم إلى السماء التي بدأت تتحول إلى اللون الداكن.
وفي مكان بعيد، ظهرت أول نجمة.
ظل يراقبها.
ثم خفض نظره إلى مارلين.
كانت قد أغلقت عينيها، لكنها لم تكن نائمة.
قالت بصوت خافت:
"أكاتسوكي..."
"ماذا؟"
ابتسمت.
"أعتقد أنني أستطيع تخيلها الآن."
لم يجب.
لكن يده بقيت فوق رأسها.
وخارج المبنى، استمر العالم في الموت ببطء.
أما في الداخل...
فقد كان هناك شخصان فقط.
فتاة لم ترَ السماء يومًا...
ورجل بدأ يكتشف أن إنقاذ شخص واحد قد يكون أكثر أهمية من النجاة وحده.
وبقي الاثنان جالسين تحت ضوء الغروب الأخير.
حتى اختفت الشمس