الفصل الأول — قبل أن ينتهي كل شيء
كانت المدينة تحتضر.
لم يعد فيها شيء يشبه الحياة التي عرفها البشر يومًا.
المباني العالية تحولت إلى هياكل إسمنتية متشققة، والنوافذ المحطمة كانت تفتح أفواهها السوداء نحو الشوارع.
السيارات متروكة في كل مكان.
بعضها انقلب على جانبه.
وبعضها احترق حتى لم يبقَ منه سوى هيكل معدني أسود.
كانت رائحة الدخان تملأ الهواء.
وفي الشوارع...
كانت الوحوش تتجول.
أجساد بشرية فقدت كل ما يجعلها بشرًا.
وجوه شاحبة.
ملابس ممزقة.
أصوات متقطعة تخرج من حناجرهم وهم يبحثون عن أي شيء حي.
لم يكن هناك أحد تقريبًا يستطيع الوقوف في وجههم.
لكن وسط ذلك الخراب...
كان هناك شخص واحد يسير.
خطواته كانت ثقيلة.
بطيئة.
لكنه لم يتوقف.
كان شابًا يحمل سيفًا في يده.
ثيابه متسخة بالغبار، وبعض آثار الدماء الجافة كانت تغطي أطرافها.
كان وجهه هادئًا بشكل غريب.
لا خوف.
لا تردد.
ولا حتى دهشة.
ظهر أحد الوحوش أمامه.
اندفع نحوه.
رفع الشاب سيفه.
حركة واحدة.
سقط الوحش.
ظهر آخر من الجانب.
استدار الشاب.
ضربة ثانية.
ثم ثالث.
كان يتحرك بدقة شديدة.
لم تكن ضرباته عشوائية.
كل حركة محسوبة.
كل خطوة لها سبب.
وكل ضربة كانت تهدف إلى إنهاء الخصم بأسرع طريقة ممكنة.
واصل السير.
كان عدد الوحوش يزداد كلما اقترب من وسط المدينة.
لكن ذلك لم يغير شيئًا.
كان يمر بينها وكأنه اعتاد رؤيتها.
وكأن قتلها أصبح جزءًا طبيعيًا من حياته.
ثم توقف للحظة.
رفع رأسه.
نظر إلى مبنى بعيد.
لم يكن واضحًا ما الذي يبحث عنه.
لكنه كان يعرف المكان.
أو على الأقل...
كان يعرف إلى أين يريد أن يصل.
وفي مكان آخر من المدينة...
كانت طفلة صغيرة عالقة تحت الأنقاض.
لم تكن تعرف كم مضى من الوقت.
كانت محاصرة بين قطع الإسمنت والحجارة.
جسدها الصغير بالكاد يستطيع الحركة.
كانت تمسك بيد رجل تحت الأنقاض.
كان والدها.
لكنها لم تكن تعرف إن كان لا يزال حيًا.
حاولت أن تناديه.
"أبي..."
لم يجب.
اقتربت منه أكثر، وضغطت على يده.
"أبي..."
كانت عيناها مفتوحتين.
لكنها لم تكن ترى شيئًا.
كانت تسمع فقط.
صوت الرياح.
أصوات الوحوش البعيدة.
وصوت تنفسها المرتجف.
لم تكن تعرف أين هي.
ولا ماذا حدث.
ولا لماذا أصبح العالم فجأة بهذا الشكل.
لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط...
أنها لا تريد أن تكون وحدها.
وفي مكان آخر...
واصل الشاب السير.
كان السيف لا يزال في يده.
لكن خطواته لم تعد بنفس السرعة.
توقف.
نظر أمامه.
ثم أغمض عينيه للحظة.
وبدون أن نعرف بعد من يكون...
تعود الحكاية إلى البداية.
إلى اليوم الذي كان فيه كل شيء مختلفًا.
إلى اليوم الذي كانت فيه المدينة مليئة بالناس.
إلى اليوم الذي لم تكن فيه الوحوش موجودة.
إلى ما قبل سنتين.
---
كان أكاتسوكي يقف أمام باب المنزل.
حقيبته على كتفه.
وكانت يده على مقبض الباب.
لكن قبل أن يفتحه...
جاءه صوت والده من خلفه.
"أكاتسوكي، توقف."
أغلق أكاتسوكي عينيه بضيق.
ثم التفت.
كان والده واقفًا في منتصف الغرفة.
وبجانبه والدته.
أما هانا، أخته الصغيرة، فكانت تجلس بالقرب منهما وتنظر إلى أخيها بقلق.
قال والده:
"لن تخرج الآن."
أجاب أكاتسوكي:
"لماذا؟"
"لأننا لم ننتهِ من الحديث."
تنهد أكاتسوكي.
"عن ماذا هذه المرة؟"
قال والده:
"عن مستقبلك."
سكت أكاتسوكي.
ثم قال:
"لقد تحدثنا عن هذا."
"ولم نتوصل إلى شيء."
اقترب والده منه.
"أكاتسوكي، يجب أن تفكر بعقلانية."
"أنا أفكر."
"لا."
قالها والده بحزم.
"أنت تهرب."
رفع أكاتسوكي حاجبه.
"أهرب؟"
"نعم."
"من ماذا؟"
"من مستقبلك."
ساد الصمت.
ثم قال والده:
"لقد حان الوقت لتفكر في دراستك، وفي الجامعة، وفي العمل الذي ستفعله مستقبلًا."
"أنت لا تستطيع الاستمرار هكذا."
شد أكاتسوكي قبضته.
كان يسمع هذه الكلمات منذ فترة طويلة.
كل مرة بنفس الطريقة.
كل مرة نفس النقاش.
دراسة.
جامعة.
وظيفة.
مستقبل.
وكأن حياته يجب أن تكون مرسومة مسبقًا.
قال:
"قلت لكم إنني قررت."
"قررت ماذا؟"
رفع أكاتسوكي رأسه.
"سأستمر في السيف."
ساد الصمت.
نظر والده إليه طويلًا.
ثم قال:
"السيف؟"
"نعم."
"أكاتسوكي..."
"ما الخطأ في ذلك؟"
قال والده:
"لن تستفيد شيئًا من مدرسة السيف القديمة تلك."
تغيرت ملامح أكاتسوكي.
تابع والده:
"صحيح أنني علمتك السيف عندما كنت صغيرًا."
"لكن ذلك كان شيئًا ثانويًا."
"شيئًا تستمتع به."
"لم أقل لك يومًا أن تجعله مهنتك الأساسية."
قال أكاتسوكي:
"لكنني أحبه."
"الحب وحده لا يكفي."
"بالنسبة إلي يكفي."
رفع والده صوته:
"أنت لا تعرف شيئًا عن الحياة!"
رد أكاتسوكي بسرعة:
"وأنت لا تعرف شيئًا عني!"
سكت الجميع.
حتى والدته لم تتدخل.
قال أكاتسوكي:
"كل ما تريده هو أن أعيش بالطريقة التي تريدها."
"تدرس ما تريد."
"وتعمل في المكان الذي تختاره."
"وتصبح الشخص الذي تتخيله."
ثم أشار إلى نفسه.
"لكن ماذا عني؟"
"ماذا أريد أنا؟"
لم يجب والده.
قال أكاتسوكي:
"أنا أريد السيف."
"أريد أن أستمر به."
"أريد أن أجعله شيئًا حقيقيًا في حياتي."
قال والده:
"هذا ليس مستقبلًا."
رد أكاتسوكي بغضب:
"ومن قال إنك من يقرر مستقبلي؟"
استدار نحو الباب.
قال والده:
"أكاتسوكي."
لكنه لم يتوقف.
فتح الباب.
وقبل أن يخرج، ركضت هانا نحوه.
أمسكت بيده.
"أخي..."
توقف.
نظرت إليه.
"لا تذهب."
قالت بصوت صغير:
"أرجوك."
كان أكاتسوكي غاضبًا.
غاضبًا لدرجة أنه لم يعد يرى شيئًا أمامه.
سحب يده منها.
لكنها تمسكت به مرة أخرى.
"أخي، لا تذهب."
صرخ:
"اتركيني!"
ودفعها.
تراجعت هانا وسقطت على الأرض.
تجمد أكاتسوكي للحظة.
نظر إليها.
كانت تنظر إليه بصدمة.
لكنه لم يقل شيئًا.
استدار.
وخرج.
أغلق الباب خلفه.
---
ظل يمشي دون هدف.
لم يكن يريد العودة.
ولم يكن يريد سماع صوت والده مرة أخرى.
كان يشعر بالغضب.
الغضب من عائلته.
من مستقبله.
ومن كل شخص يحاول إخباره بما يجب أن يفعله.
وصل إلى حديقة قريبة.
جلس على أحد المقاعد.
أخرج علبة سجائر من جيبه.
تردد للحظة.
ثم أخرج واحدة وأشعلها.
أخذ نفسًا طويلًا.
ثم أطلق الدخان ببطء.
كانت الحديقة هادئة.
الأطفال يلعبون في مكان بعيد.
أصوات السيارات تمر خلف الأشجار.
والناس يمشون وكأن العالم سيبقى هكذا إلى الأبد.
نظر أكاتسوكي إلى السماء.
كانت زرقاء.
صافية.
طبيعية.
لم يكن يعرف أن هذا المشهد البسيط...
سيصبح يومًا شيئًا لن يستطيع استعادته.
أخذ نفسًا آخر من سيجارته.
ثم أغمض عينيه.
كانت كلمات والده لا تزال تدور في رأسه.
"فكر في مستقبلك."
فتح عينيه.
وهمس:
"هذا مستقبلي..."
نظر إلى السيف الذي يحمله معه.
"أنا من يقرر."
ثم بقي جالسًا وحده.
غير مدرك...
أن العالم الذي كان يرفض الاستماع إلى نصائحه...
كان على وشك أن يتغير إلى الأبد.
وأن هذه اللحظة العادية...
ستكون واحدة من آخر اللحظات التي يعيش فيها أكاتسوكي حياة طبيعية.