الفصل مائتان وثمانية وعشرون: أورك، أورك مرة أخرى
"صرير.. طقطقة.. أزيز—"
قبل أن يفتح عينيه، غمرت أذنيه ضوضاء غريبة ومزعجة. ومع اهتزاز جسده يميناً ويساراً وبشكل غير منتظم، شعر "شين مينغ" بالغثيان والرغبة في التقيؤ. وبمجرد أن راودته هذه الفكرة، اقتحمت رائحة العفن والقذارة أنفه، لتعيث فساداً في قصبته الهوائية.
"ما هذا المكان؟ هل الجثة التي استعرتها ماتت بسبب هذه الرائحة الكريهة؟"
حرك شين مينغ أطرافه، ثم فتح عينيه وجلس.
"أورك؟" (Orc).
نظر إلى ذراعيه المغطاة بالحراشف، وذهل قليلاً. لقد مر وقت طويل منذ آخر مرة تحول فيها إلى "أورك". عادة ما يهبط في جثث بشرية، وأحياناً في أشباه بشر، ومن النادر جداً أن يبعث في جسد أورك.
تذكر أنه قبل ثلاث سنوات، عندما تجسد في أورك لأول مرة، كان مجرد "زاد للطريق" لدى أحد تجار العبيد. كانت تلك الذكرى بشعة لدرجة أنه لا يريد تذكرها.
تفحص المكان؛ كان داخل قفص عملاق يتأرجح باستمرار، يمتلئ بالأوركس المستلقين في وضعيات مزرية. كان هناك مصباح صغير خافت معلق في زاوية القفص يتأرجح مع الحركة، مسلطاً ضوءه الهزيل على الأجساد المتراكمة. خارج القفص، كانت هناك جدران حجرية غريبة لا تبدو كالحجارة العادية، بل كانت ملساء وتتحرك بحركات موجية (تمعجية).
كان هذا "الجدار" المتحرك هو ما يحتك بزوايا القفص محدثاً ذلك الصرير المزعج والغثيان الشديد.
"ما هذا المكان؟ حزام ناقل في منجم؟"
لم يستطع شين مينغ التخمين، لكنه نظر إلى هؤلاء الأوركس الشاحبين المستلقين وسط قيئهم وفضلاتهم، وخطرت له فكرة.
مدينة الفجر لا ترفض الأوركس. هو يتذكر أن هناك متجراً للمنسوجات خاصاً بالأوركس تديره فتاة ماهرة، وكان اللاعب "قطة شيويه" يتردد عليه دائماً.
"بما أن القدر أتى بي إلى هنا، سأرسل هؤلاء إلى مدينة الفجر قبل أن أغادر."
نظر شين مينغ إلى "الجدار" المتحرك، وألقى عليه مهارة "الصمت" (Silence). لدهشته، توقف الجدار عن الحركة فعلاً.
ابتسم، ثم استدعى "الثقب الأنفي العظيم"، وفعل "لحظة الحقيقة" و"تنفس التنين"، ليتحول إلى عملاق سريع الحركة، وبدأ بإلقاء كل الأوركس الأحياء داخل الثقب، بينما امتص الثقب جثث الموتى مباشرة.
بعد انتهاء العملية، مسح شين مينغ يديه بارتياح، وغير وجهة الثقب الأنفي، ثم خطى داخله متجهاً إلى "مدينة الدفء" (Warm Wind City). كانت هذه زيارته الأولى منذ سيطرة "بيرل" عليها، وأراد استكشاف ينابيعها الدافئة التي يتحدث عنها اللاعبون دائماً.. طبعاً، كل ذلك من أجل "زيادة قوة الوعي"، فالإله دائماً ما يكون جاداً ورزيناً.
فوضى في مركز الهجرة
لم يدرك شين مينغ أن تصرفه هذا سبب إرباكاً هائلاً لمركز الهجرة في مدينة الفجر.
"فأس الصخر" (Stone Axe) هو أحد أفراد قبيلة "الجبل الصخري". منذ أن أنقذه اللاعبون، شعر أنه ولد من جديد. لم يعد مضطراً للترحال في البرية أو الجوع، بل أصبح موظفاً في مركز الهجرة بفضل ذكائه.
اليوم كان "فأس الصخر" في نوبته. جرت العادة أن يزيد عدد الموظفين عندما يغادر "رسل الآلهة" (اللاعبون) المدينة، ويقل عند عودتهم. وبما أن الجدول اليومي حدد موظفاً واحداً، فهذا يعني أن الرسل موجودون في المدينة.
بينما كان يصلي بخشوع آملاً في رؤية أحد الرسل، سقط جسد أورك مغطى بالفراء فجأة على الأرض من العدم.
اقتحم جنديان من الحرس المكان فور سماع الضجيج. وقف "فأس الصخر" وسأل الجسد الملقى: "كلمة السر! قل كلمة السر!"
لم يحرك الأورك ساكناً؛ كان ضعيفاً جداً.
"خطة الطوارئ، نحتاج لدعم الحرس!" صرخ فأس الصخر. ركض أحد الجنود لطلب الدعم، بينما صوب الآخر سلاحه نحو الأورك.
لكن قبل أن يكمل سؤاله، سقط أورك ثانٍ، ثم ثالث.. وخلال لحظات، تراكم عشرات الأوركس المرضى فوق بعضهم البعض مكونين "جبلاً من الفراء".
تصبب العرق من جبين "فأس الصخر". كان هؤلاء الأوركس في حالة إعياء شديد لدرجة العجز عن الكلام. بدأ "فأس الصخر" بإزاحة الأوركس عن بعضهم لئلا يختنق من في الأسفل، بينما وقف الجندي عند الباب ممسكاً بقنبلة يدوية، مستعداً للتضحية بحياته لحماية أمن المدينة.
تحقيقات "قلب النعمة"
وصل دعم الحرس بسرعة، وتبعه الفريق الطبي بقيادة "إضراب الكلب الوفي" (Zhongquan Bagong) و"قلب النعمة" (Xinqing).
بدأ الفريق الطبي بنجدة الأوركس، ونجحت "قلب النعمة" في استخدام مهاراتها لاستجواب أحد الأوركس الذي استعاد وعيه جزئياً.
"من أرسلكم إلى هنا؟" سألت "قلب النعمة".
أجاب الأورك ببلادة: "رجل سحلية ضخم."
اندهشت هي و"الكلب الوفي": "رجل سحلية؟ ومن أين جئتم؟"
"من بطن الوحش."
"نحن مديرو مدينة الفجر، لن نؤذيكم. من أنتم؟"
"عبيد.. نحن عبيد قبضت علينا مجموعة 'الدب الأبيض' (White Bear Mercenaries)."
"الدب الأبيض!"
أمسكت "قلب النعمة" برأسها وقالت للكلب الوفي: "يبدو أن هناك حدثاً درامياً (Quest) قد فُعل، ما علاقة الدب الأبيض بهذا؟"
رد الكلب الوفي: "أتذكرين ما قاله 'الرومانسي' عن وحش 'كايتون' العملاق؟ 'بطن الوحش' لا بد أنه يشير إلى ذلك. لكن ألم يمت 'نيدل' وفريقه هناك؟"
فجأة، اتسعت عينا "قلب النعمة": "المبشر المتجول!" (The Walking Priest - تقصد شين مينغ).
أومأ الكلب الوفي: "بالتأكيد، هو الوحيد القادر على فعل ذلك. لنذهب ونبحث عن 'شو كوانغ'."
تحركت آلة الإدارة في مدينة الفجر بسرعة للتعامل مع هذا الموقف المفاجئ، بينما كان "شين مينغ" يستعد للاسترخاء في ينابيع مدينة الدفء، غير مدرك للصداع الذي سببه لموظفيه.
رابكم؟