الفصل العاشر: النهر الذي ابتلع القادة
استفاق داريو على ألمٍ لم يعد يشبه الألم.
لم يكن وجع الجسد، بل الفراغ.
فتح عينه اليمنى ببطء، فرأى سقف السماء الرمادية فوقه، تتخللها فروع أشجار مكسورة، وقطرات دم يابسة علقت على جلده. حاول أن يتحرك، لكن جسده لم يستجب. وعندما حاول رفع ذراعه اليسرى… لم يحدث شيء.
الصمت هو ما أخبره بالحقيقة قبل أن يراها.
أنزل نظره ببطء، فوجد كتفه ملفوفًا بخرقٍ سوداء، مشدودة بإحكام، لكن الذراع… الذراع لم تكن هناك. لا دم يسيل، فقط بتر نظيف، قاسٍ، وكأن العالم اقتطع جزءًا منه دون تردد.
ابتسم داريو ابتسامة ضعيفة.
— إذن… هذا ثمن القيادة.
حاول أن يضحك، لكن السعال خرج ممزوجًا بالدم. اقترب منه آرثر بسرعة، ركع بجانبه، وملامحه شاحبة أكثر من ضوء الفجر.
— سيدي… لا تتحرك. الجرح لم يلتئم بعد.
نظر إليه داريو طويلًا. كان يرى في عينيه شيئًا مختلفًا. لم يعد ذلك الشاب المرتبك الذي حمل الرمح أول مرة. هناك شيء انكسر… وشيء آخر بدأ يتشكل.
— كم بقي؟ — سأل داريو بصوت مبحوح.
تردد آرثر.
— من اللاجئين… أقل من أربعمائة. ومن الجنود… سبعة وثلاثون قادرون على القتال. البقية… — ابتلع ريقه — ماتوا أو ضاعوا في الغابة.
أغمض داريو عينه.
كانوا أكثر من ثلاثة آلاف.
فتحها مجددًا، ونظر نحو الشرق، حيث كان النهر يختبئ خلف الأشجار، كأنه يعرف أن الدم قادم إليه.
— الطريق إلى سولاريس… — قال ببطء — مغلق.
— نعم، — قال آرثر — كشافتنا عادوا. الألف والوحوش يسيطرون على الممر الحجري. آلاف منهم.
سكت الجميع. بعض اللاجئين كانوا جالسين حول نار خافتة، يأكلون بقايا خبز مبلل، يشربون ماءً عكرًا، وعيونهم لا ترفع عن القائد.
نهض داريو بصعوبة، بمساعدة جنديين. عندما وقف، اهتز جسده، لكنه لم يسقط.
— إذن، — قال — نذهب إلى النهر.
ارتفعت همهمات.
صرخ رجل مسن: — هذا جنون! النهر عميق والتيار قاتل!
امرأة تضم طفلها: — سنغرق قبل أن نصل!
تقدم داريو خطوة، رفع صوته رغم ضعفه: — إن بقينا هنا، نموت جميعًا. إن عدنا، نموت. الطريق الوحيد الذي لا يتوقعه الألف… هو الماء.
صمت ثقيل ساد المكان.
وفي الظل البعيد، بين الأشجار، كانت عيون أخرى تراقب.
قائد الألف الجديد، إيلثارين، وقف على صخرة عالية، درعه الفضي يعكس ضوء القمر. ابتسم بهدوء بارد.
— البشر أذكى مما ظننت… — قال — لكنهم متأخرون.
أشار بيده. — حرّكوا الكتائب. دعوهم يصلون إلى النهر. هناك… سننهيهم.
لم يكن هذا أمرًا، بل تقرير مصير.
في الليل، بدأ التحرك.
اللاجئون ساروا بصمت، الأطفال محمولون، الجرحى يُسحبون، والجنود يشكلون دائرة حماية. داريو كان في المقدمة، رغم ذراعه المبتورة، يسير وكأنه لا يشعر بشيء.
اقترب منه آرثر. — سيدي… إذا وصلت المعركة—
قاطعه داريو بهدوء: — أنت ستعبر.
— ماذا؟
— أنت، وعائلتك، وكل من يستطيع. مهمتك لم تعد القتال… بل البقاء.
اهتز صوت آرثر: — وأنا أتركك؟
ابتسم داريو. — القائد لا ينجو. القائد يفتح الطريق.
وصلوا إلى النهر قبل الفجر بقليل.
كان عريضًا، مظلمًا، والتيار يزأر كوحش مستيقظ. بعض اللاجئين سقطوا على ركبهم من الرعب.
ثم… بدأ الهجوم.
صرخة الألف مزقت الهواء، ليست صرخة صوت، بل ضغطٌ على العقول. بعض البشر سقطوا فورًا، يتقيأون الدم.
تحرك الألف كالمدّ، آلاف الأجساد الرشيقة، سيوفهم لا تلمع فقط، بل تنحني حولها المساحة نفسها. لم يكن سحرًا كما يعرفه البشر، لم يكن نارًا أو برقًا… كان إرادة مضغوطة، تتجسد.
رفع أحد الألف يده، فانحرفت ضربة رمح دون أن يلمسها.
صرخ جندي: — هذا… هذا مستحيل!
داريو تقدم خطوة، رفع سيفه بيد واحدة. — شكّلوا الصف! احموا النهر!
اندلعت المعركة.
البشر يقاتلون بالحديد والدم، الألف يقاتلون بشيء لا يُرى. كل حركة لهم كانت مسبوقة بلحظة صمت، وكأن العالم يتنفس معهم.
سقط اللاجئون بالعشرات. نساء، أطفال، جنود.
آرثر قاتل بجنون، لم يعد يعد الضربات، لم يعد يسمع الصراخ. رأى أمه تُدفع إلى الماء، أخته تُسحب، لكنه استمر.
ثم رأى داريو.
محاطًا بالألف.
جسده ينزف، ذراعه المبتورة تنزف مجددًا، لكنه يقاتل. ضربة، ضربة، صرخة.
صرخ داريو: — الآن! اعبروا!
قفز الجنود المتبقون إلى النهر، دافعوا، دفعوا اللاجئين. التيار ابتلع الكثيرين.
إيلثارين تقدم. — انتهى الأمر، أيها القائد.
نظر إليه داريو، وابتسم. — لم يبدأ بعد.
اندفع نحوه، ضربة أخيرة، فتح بها ثغرة، ثم سقط.
سيف إيلثارين اخترق صدره.
وفي لحظته الأخيرة، رأى داريو الشمس تشرق فوق النهر، ورأى اللاجئين يعبرون.
— هذا… كافٍ.
وسقط.
صرخة آرثر مزقت الفجر.
مع شروق الشمس، توقف الهجوم. الألف لم يطاردوا أكثر.
على الضفة الأخرى، بقي أقل من مئتي إنسان.
آرثر جثا على ركبتيه، يحدق في الماء، وداخله شيء جديد يتحرك… ليس غضبًا، بل فراغًا ينتظر أن يُملأ.
وفي مكان بعيد، الرجل الحكيم أغمض عينيه. — مات القائد… وولد الطريق.
انتهى الفصل العاشر.