12 - لم يكن انسحاب الألف تراجعًا

لم يكن انسحاب الألف تراجعًا.

كان تعليقًا.

عندما ابتعدت صفوفهم عن ضفة النهر، لم يتنفس أحد الصعداء. الهواء بقي مشدودًا، كأن خطوة واحدة خاطئة قد تعيدهم دفعة واحدة. حتى الماء، الذي عاد إلى جريانه الطبيعي، بدا وكأنه يتحرك بحذر، يجرّ معه صدى المعركة بدل أن يغسله.

آرثر لم يرَ الانسحاب.

كان قد سقط على ركبتيه، رأسه منخفض، وسيفه مغروس في الطين كأنه آخر شيء يربطه بالأرض. الضغط في صدره لم يتلاشَ، بل تغيّر. لم يعد انفجارًا، ولا اندفاعًا. صار ثِقَلًا ثابتًا، صامتًا، يراقبه من الداخل.

حاول أن يقف.

فخانته ساقاه.

سقط على جانبه، والبرد تسلل إلى جسده دفعة واحدة. هذه المرة، شعر به. شعر بكل جرح صغير، بكل ارتعاشة، بكل وخزة في عظامه. لم يكن الألم جديدًا… لكنه كان أعمق.

اقتربت أمه أولًا.

لم تركض. مشت بخطوات قصيرة، حذرة، كأنها تخشى أن يختفي إن أسرعت. ركعت بجانبه، وضعت يديها على وجهه.

— آرثر… — همست.

فتح عينيه ببطء.

نظر إليها، لكنه لم يرَ ملامحها كاملة. كانت صورتها تهتز، تتضاعف، كأن وعيه لا يزال يحاول اللحاق بجسده.

— هل… عبروا؟ — سأل بصوت بالكاد خرج.

— نعم. — قالت، ودمعة سقطت على خده. — كل من بقي… عبر.

أغلق عينيه.

لم يشعر بالراحة.

شعر فقط بأن شيئًا ما انتهى، وشيئًا آخر بدأ دون أن يسأله.

في الأيام التالية، تحرك اللاجئون ببطء داخل أراضي لم يعرفوها. الغابة خفّت كثافتها، والطرق صارت أوضح، لكن الوجوه ازدادت شحوبًا. لم يكن النصر ما يسير معهم، بل الفقد.

نصفهم تقريبًا لم يصل.

الأسماء لم تُعدّ. لم يكن أحد يريد أن يعرف الرقم الدقيق.

آرثر كان يسير بينهم كظل. جسده تعافى جزئيًا، الجروح أُغلقت، لكن يده كانت ترتجف أحيانًا دون سبب، ورأسه كان يمتلئ بصداعٍ مفاجئ، حاد، كأنه تذكير بأن ما فتحه لم يُغلق.

في الليل، كان يحلم.

ليس بالمعركة.

بل بالفراغ الذي شعر به عندما اندفع ذلك الشيء من داخله. كان يرى نفسه واقفًا أمام باب أسود، لا مقبض له، لا مفصلات، فقط سطح أملس، نابض، كأنه حي. وكل مرة يقترب، يشعر بأن الباب لا ينتظر أن يُفتح… بل أن يُسمح له بالدخول.

كان يستيقظ مذعورًا، يده على صدره، أنفاسه متقطعة.

— لا تخف. — قال له الرجل المسن ذات مرة، عندما رآه جالسًا وحده عند الفجر. — الخوف الآن طبيعي. الخطر هو حين يختفي.

لم يسأله آرثر كيف يعرف.

في الجانب الآخر من الغابة، بعيدًا عن طرق البشر، كان إيلثارين يقف أمام مجلسه.

لم يكن المجلس دائريًا، ولا مرتفعًا. مجرد مساحة مفتوحة بين الأشجار، يقف فيها القادة دون دروعهم، دون رايات. الألف لا يحتاجون للرموز عندما يكون القرار واضحًا.

— لمَ انسحبنا؟ — سأل أحدهم، صوته مشدود بالغضب المكتوم. — كان يمكننا سحقهم عند النهر.

إيلثارين لم يلتفت.

— كان يمكننا، نعم. — قال بهدوء. — لكن ليس دون ثمن لا نريده الآن.

— شاب واحد؟ — قال آخر. — شاب بشري؟

عندها التفت إيلثارين.

نظر إليهم واحدًا واحدًا.

— ما رأيتموه ليس شابًا. — قال. — هو فجوة.

ساد الصمت.

— ما فعله لم يكن استخدامًا. — تابع. — كان استجابة. شيء تحرّك لأنه وُجد ظرف يسمح له بذلك. لو ضغطنا أكثر، لفتحنا ما لا نعرف حدوده.

اقترب أحد القادة خطوة.

— وماذا نفعل؟

ابتسم إيلثارين ابتسامة صغيرة، بلا دفء.

— نطاردهم. ببطء. نتركه يعتقد أن النجاة كانت قراره. — توقف لحظة. — ونراقبه وهو يتآكل من الداخل.

في تلك الليلة، وصلت أولى الأخبار إلى اللاجئين.

كشافة سولاريس ظهرت على التلال. رايات الشمس البيضاء رُفعت. الجنود فتحوا الطريق، والأسوار البعيدة بدأت تظهر كخط حجري يفصل السماء عن الأرض.

بكى البعض عند رؤيتها.

آخرون لم يستطيعوا.

آرثر وقف بعيدًا، ينظر إلى الأسوار، ولم يشعر بشيء. لا أمان، لا راحة. فقط إحساس بأن هذه الجدران لن تحميهم مما جاء معهم.

— سنكون بخير الآن؟ — سألته أخته، وهي تمسك بطرف ردائه.

نظر إليها.

كاد أن يقول نعم.

لكنه تذكر النهر. وتذكر نظرة إيلثارين.

— سنحاول. — قال أخيرًا.

وعندما دخلوا سولاريس، استقبلتهم الأبواب الثقيلة بصوتٍ عميق. المدينة لم تهلل. لم تحتفل. كانت تعرف معنى هذا العدد من الناجين، ومعنى غياب البقية.

في إحدى الزوايا المرتفعة من المدينة، وقف رجل مسن آخر، مختلف عن ذاك الذي رافقهم. نظر إلى آرثر من بعيد، طويلاً، ثم أدار ظهره.

— إذن… وصل الأثر قبل الشرح. — تمتم.

في تلك الليلة، بينما نامت المدينة على خوفٍ جديد، جلس آرثر وحده في غرفة ضيقة أُعطيت له قرب الأسوار. نظر إلى يديه طويلًا.

ارتجفتا.

ثم هدأتا.

لكنه عرف.

ما استقر في داخله لم يكن قوة.

كان وعدًا.

وعدًا بأن ما بدأ عند النهر… لن ينتهي عند الأسوار.

وانتهى الفصل الثاني عشر.

2026/02/02 · 9 مشاهدة · 718 كلمة
Halmat
نادي الروايات - 2026