13 - اليوم الاول في سولاريس

دخلوا سولاريس عند الغروب.

لم تكن بوابات عظيمة ولا أبراج تلامس السماء، بل جدران حجرية عالية بلون الشمس القديمة، متآكلة من الزمن، لكنها واقفة بثبات يشبه العناد. خلفها، امتدت المملكة كجسدٍ حيّ يتنفس ببطء بعد سنوات من الحروب التي لم تصلها بعد. حين خطت أقدام اللاجئين داخل الأسوار، لم يعلُ هتاف، ولم تُقرَع أبواق نصر. كان الدخول صامتًا، ثقيلًا، كأن الجميع يخشون أن يُلفتوا انتباه المصير.

آرثر كان يسير في المقدمة، أو بالأحرى… يُساق. جسده يتحرك، لكن ذهنه بقي عند النهر، عند تلك اللحظة التي توقف فيها الزمن للحظات، ثم استأنف سيره دون أن يسأله إن كان مستعدًا. لم يشعر بالراحة حين عبر البوابة، ولم يشعر بالأمان. كان يشعر فقط بالانفصال، كأنه دخل مكانًا لم يعد ينتمي إليه بالكامل.

خلفه كانت أمه تمسك بيد أخته، خطواتهما مترددة، أعينهما تتحرك في كل اتجاه. لم يكن الخوف وحده في نظراتهما، بل شيء أقرب إلى الحذر المتعب، ذلك النوع من الحذر الذي يتكوّن حين ينجو الإنسان كثيرًا أكثر مما يجب. كانت البيوت الحجرية مصطفّة على الجانبين، نوافذها مضاءة، وأناس سولاريس يقفون على مسافة، يراقبون القادمين بصمت. لم يكن في وجوههم عداء، لكن لم يكن فيها ترحيب أيضًا. مجرد فضول ممزوج بحسابات صامتة.

اللاجئون كانوا كثيرين… أقل مما كانوا عليه قبل النهر، وأكثر مما تستطيع أي مدينة أن تستوعب بسهولة. بعضهم جلس فور دخوله، كأن قدميه فقدتا القدرة على حمله. آخرون ظلوا واقفين، كأنهم يخشون أن الجلوس اعتراف بالنهاية. الأطفال ناموا حيث وقفوا تقريبًا، على الأرض الحجرية، رؤوسهم على أفخاذ أمهاتهم أو على أكياس قماشية حملت كل ما تبقى من حياتهم السابقة.

صدر الأمر سريعًا من حرس سولاريس، ليس بصرامة، بل بنبرة عملية. ساحات داخلية فُتحت، مخازن قديمة، أبنية مهجورة قريبة من النهر الداخلي للمملكة. لم تكن أماكن مريحة، لكنها كانت جدرانًا وسقفًا، وهذا وحده كان كافيًا لتنهار بعض الركب من الارتياح.

آرثر ساعد في توزيع الناس دون أن يُطلب منه ذلك. حمل طفلًا نام من الإعياء، أعان رجلاً مسنًا على الجلوس، سحب بطانية وألقاها فوق كتفي امرأة ترتجف. كان يتحرك بلا تفكير، كأن الجسد وجد وظيفة يختبئ فيها من العقل. لكن كلما توقف لحظة، عاد الثقل إلى صدره، ذلك الفراغ الذي لم يعد فراغًا، بل حضورًا غير مفهوم.

حين استقرت عائلته في إحدى القاعات الحجرية، جلس آرثر عند المدخل، ظهره إلى الجدار، وسيفه بين قدميه. لم يكن يريد النوم. النوم يعني أن يرى النهر من جديد، أن يسمع صوت داريو، أن يشعر بالضغط يعود أقوى. فضل البقاء مستيقظًا، يراقب الضوء وهو يخفت تدريجيًا.

عندها سمع صوته.

— ما زلت تجلس هكذا إذًا.

رفع رأسه ببطء. أمامه وقف شاب في مثل عمره تقريبًا، أطول قليلًا، شعره بني داكن، عيناه حادتان لكن فيهما دفء مألوف. كان يرتدي درعًا خفيفًا يحمل رمز سولاريس، وعلى كتفه سيف لم يُستعمل حديثًا، لكن مقبضه كان مهترئًا من كثرة الحمل.

احتاج آرثر ثانية كاملة ليتعرّف عليه.

— كايل…؟

ابتسم الشاب ابتسامة جانبية، تلك نفسها التي لم تتغير منذ الطفولة.

— توقعت أنك ستحتاج وقتًا. لم نتقابل منذ… — سكت لحظة — منذ أن افترق كل شيء.

وقف آرثر ببطء. لم يحتضنه. لم يضحك. فقط نظر إليه، كأن وجوده حقيقة تحتاج إلى تأكيد.

— ظننتك غادرت الجنوب.

— فعلت. — قال كايل — ثم عدت. سولاريس كانت دائمًا ملاذًا لمن لا يعرف أين يذهب.

جلس بجانبه دون دعوة، نظر إلى القاعة حيث ينام اللاجئون.

— سمعت عن النهر. — قال بهدوء — وعن القائد الذي لم يعبر.

شدّ آرثر قبضته.

— لا تذكره كخبر.

أومأ كايل، احترامًا لا اعتذارًا.

ساد الصمت بينهما، لكنه لم يكن ثقيلاً. كان من ذلك النوع الذي لا يحتاج إلى ملئه بالكلام. أخيرًا قال كايل:

— القصر سيجتمع الليلة. لن يُعلَن شيء رسمي، لكن… سيُسمح لكم بالبقاء. سولاريس لا تطرد من عبر الجحيم.

لم يبدُ على آرثر الارتياح.

— والبشر الذين يأتون خلفنا؟

نظر كايل إليه بجدية.

— لهذا السبب أنا هنا. الجيش يتحرك ببطء. ليس للهجوم… بل للاستعداد. هناك شيء تغيّر في الحدود، والجميع يشعر به.

نظر إليه آرثر.

— الألف؟

تردد كايل جزءًا من الثانية.

— ليسوا وحدهم.

عاد الصمت. هذه المرة، كان أثقل.

في تلك الليلة، لم تنم سولاريس بالكامل. المشاعل بقيت مضاءة، والحراس ضاعفوا نوباتهم. اللاجئون ناموا كأجساد أُفرغت من كل شيء، بينما بقي آرثر مستيقظًا، يشعر بأن المدينة ليست نهاية الرحلة، بل مجرد استراحة قصيرة قبل طريق أطول.

قبل الفجر بقليل، صعد إلى أحد الأسوار، نظر إلى الخارج. الأراضي الممتدة خلف المملكة بدت هادئة، خادعة. شعر بالضغط في صدره يتحرك، لا يختفي، بل يتخذ شكلًا آخر. لم يعد فوضويًا… بل منتظرًا.

كايل وقف إلى جانبه.

— ستنضم إلى الجنود، أليس كذلك؟

لم يجب آرثر فورًا.

— لا أعرف إن كانوا يريدون ما أنا عليه الآن.

— سولاريس لا تسأل عن الكمال. — قال كايل — تسأل فقط: هل ستقف عندما يحين الوقت؟

أغمض آرثر عينيه.

تذكر النهر.

تذكر داريو.

تذكر اللحظة التي انفتح فيها شيء داخله ولم يُغلق.

فتح عينيه.

— عندما يحين الوقت… — قال — لن أكون قادرًا على الوقوف فقط.

نظر كايل إليه طويلًا، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، ليست مريحة، لكنها صادقة.

— إذًا، مرحبًا بك في سولاريس.

وفي مكان ما، بعيدًا عن الأسوار، حيث لا تصل أضواء المشاعل، تحركت إرادة أخرى، تشعر بأن الطريق لم يُغلق… بل تغيّر اتجاهه فقط.

وانتهى الفصل الثالث عشر.

2026/02/03 · 7 مشاهدة · 826 كلمة
Halmat
نادي الروايات - 2026