ساد الصمت البارد أرجاء المكتب. لم يستطع سوهو أن يفتح فمه بسهولة. لم يكن هاجين ليمزح بشأن أمر كهذا، والأهم أن سيل الديجافو الذي كان يلمع في رأسه كان يؤكد كلامه.
“إذن، إذا لخصتُ كلامك… ظهرت مهمة تفرض عليك إنهاء الجولة الثالثة مع يوغون بسلام… وحتى عرض الحلقة الثالثة لم يكن هناك أي مشكلة، لكن بسبب هذه القضية انسحب يوغون من البرنامج، أليس كذلك؟ لذلك عدت إلى الماضي، ومع ذلك لم تستطع منع انسحابه، وتكرر الأمر…”
أطلق هاجين زفيرا عميقا وأومأ برأسه ببطء. بدا أنه استعاد بعض توازنه بعد أن أفرغ مشاعره دفعة واحدة.
“الشيء الوحيد الذي يمكن اعتباره محظوظا… أنني أعود دائما إلى صباح اليوم نفسه. لا أعلم إن كان يجب أن أسمي ذلك حظا…”
من وجهة نظر سوهو، بدا هاجين وكأنه فقد قدرته على الحكم العقلاني بالكامل. كان مترددا في إضافة أي تعليق، لكنه كان متأكدا من أمر واحد: هاجين الآن غير قادر على النظر إلى الأمور بموضوعية.
“هاجين.”
“لا يتغير شيء. مهما فعلت، مهما كررنا الحوار نفسه، أستيقظ فأجد نفسي في صباح اليوم ذاته. يمر يوم، يمر أسبوع، وبمجرد أن ينسحب يوغون أعود إلى هذا الصباح. ذلك العائد المجنون، إن التقيته سأقتله―.”
“هاجين! كانغ هاجين! انظر إلي. تنفس. أنت لا تتنفس جيدا!”
أمسك سوهو بيده بقوة عندما لاحظ أنه بدأ يغرق مجددا في أفكاره.
[تحديث ن^ام… ج#ارٍ الاس$تع%ادة…]
[نظ&ام ال)عناية النفس&ية 001… إعادة! التشغيل…]
[معدل استجاب%ة جي سو^هو في ازدياد…]
[حالة العائد رقم 2غير مس@تقرة…]
[ترقية نظام ا#لرعاية النفسية إجباريا…]
[العقوبة 003: استهلاك كامل الرصيد النقدي]
تبدلت العبارات واختفت بسرعة أمام عيني هاجين. فجأة ارتجف جسده كما لو أنه استفاق من حلم.
“هل أنت بخير؟ يجب أن نذهب إلى المستشفى… لا، لا. الذهاب إلى المستشفى لن يحل―.”
تعامل سوهو سابقا مع ايدول أصيب بنوبة هلع، لكنه لم يتعامل قط مع ايدول فقد عقله بسبب عودة زمنية لا نهائية. بينما كان يشعر بالعجز، سمع صوت هاجين وقد استعاد وعيه.
“أنا اسف. …أفزعتك، أليس كذلك؟ أنا بخير الان.”
“بخير؟ هل تعرف كيف كنت قبل لحظة؟”
“كالمجنون. أعلم.”
مرر هاجين يده على وجهه مرارا، وكأن شخصيته السابقة قد تبخرت. لم يبق أثر لذلك الانفجار العاطفي.
“من الصعب شرح الأمر بالتفصيل. سيبدو الأمر وكأنني فقدت عقلي.”
“منذ اللحظة التي قلت فيها إننا أجرينا هذا الحديث أكثر من اثنتي عشرة مرة، كان ينبغي أن أتخلى عن فكرة أنك تمزح. لقد أنهينا هذا الحديث في مرة سابقة، أليس كذلك؟ تحدث. لي الحق أن أعرف حالتك.”
صمت هاجين للحظة، ثم بدأ يشرح بهدوء.
“عندما ظهرت لك تلك القدرة أول مرة، قلت إنك ظننت نفسك مجنونا وذهبت للاستشارة النفسية، أليس كذلك؟”
“نعم.”
“الأمر مشابه. لو تقبلتُ تكرار العودة كما هو، لفقدتُ عقلي تماما. لذلك… قمتُ عمدا بإغلاق جزء من مشاعري وعقلي. لكن هذه الحادثة سببت خللا في ذلك التوازن. لذلك أفقد السيطرة أحيانا.”
أضاف أنه لم يتوقع اثارا جانبية لنظام العناية النفسية هذا. سابقا كان أقصى ما يحدث أنه يبكي بلا سبب، أما الان فالأمر مختلف.
“في العادة لا أصل إلى هذا الحد. الوضع الان استثنائي. عندما تنتهي هذه المشكلة سأضع خطة… فقط، لقد صبرت طويلا، لكن حين يتكرر الوضع ذاته مرة بعد مرة―.”
“هاجين. لا بأس. أنا لا أستجوبك. ولا أحاول أن أقرر إن كنت مؤهلا لتكون ايدول أم لا.”
“…….”
“أحتاج فقط أن أفهم الوضع بدقة لأجد طريقة لمساعدتك. وأيضا… لأنني قلق عليك.”
“…نعم.”
“هل أنت بخير فعلا؟ لا، كلمة بخير لم تعد مناسبة. هل تستطيع الان التفكير بعقلانية؟”
أومأ هاجين. مضغ سوهو قطع الثلج المتبقية في قهوته، ثم لف أكمام قميصه وبدأ يرتب أفكاره.
“سيكون الأمر صعبا، لكن لا بد أن هناك حلا. نحن، سواء أنا أو فريق الإنتاج، لا نريد انسحاب يوغون. الشركة ترى فيه إمكانات كبيرة، و المنتج كوون رفض الاستجابة لهذا الجدل المزيف لأن ذلك سيغذي النار. يبدو أنهم يشعرون بمسؤوليتهم أيضا.”
أي إن انسحاب يوغون قسرا بسبب عوامل خارجية مستبعد، ما دام هو نفسه لم يُصر على الرحيل.
انحنى هاجين للأمام، يضم يديه كأنه يصلي.
“لكن يوغون نفسه يصر على الانسحاب مهما حدث… لم يعد لدي ما أقوله لإقناعه. هل تعلم ماذا فكرتُ أن أفعل؟”
“ماذا؟”
“فكرتُ أن أقف أمامه حاملا سكينا وأهدده. أن أقول له: إن هربت وانسحبت، سأنتحر.”
“ماذا؟ أنت―.”
“مجرد خيال. في اللحظة التي أمسكتُ فيها بالسكين… عدتُ مجددا.”
قالها وكأن الأمر لا يستحق الذكر، لكن لا يمكن أن يكون حقا أمرا بسيطا.
"ألا يوجد… أي شيء آخر يمكن أن نستفيد منه؟ لنفكر مجددا. ربما هناك أمور فاتتك بسبب خوفك من تكرار العودة. بما أنك جربت مرات عديدة، فلا بد أن لديك قدرا مماثلا من البيانات."
"ليس حقا. كل ما عرفته هو ما أخبرتني به الان. أن شخصا ما نشر منشورا ملفقا عن يوغون بسوء نية. وهذا لم أكتشفه إلا بعد أن تكررت العودة نحو… خمس مرات تقريبا."
أدرك سوهو المعنى الكامن في كلامه ونظر إليه بتمعن. رفع هاجين كتفيه بلا مبالاة وجلس معتدلا.
"كل شيء يبدو سريعاً، أليس كذلك؟ فريق الإنتاج، الشركة… هذا نتيجة خبرتي لأكثر من عشر مرات. في مرحلة ما، بدأت الأمور تسير وحدها"
واصل كلامه عن أن بعض الأحداث أصبحت ثابتة بسبب كثرة التكرار، لكن سوهو لم يستطع فهم ذلك تماما. ما كان واضحا له هو أن سرعة التعامل مع شائعات يوغون كانت نتيجة جهود هاجين المتكررة.
هنا لمح سوهو خيطا مهما، شيئا غفل عنه هاجين رغم تكرار "اليوم" مرات لا تحصى.
"هاجين، استمع جيدا. أنا لا أفهم هذه العودة… لكن لننظر إلى الوضع الحالي. الظروف الخارجية ليوغون تكاد تُحل بالكامل."
"……."
"لو كان التعامل مع هذه القضية بطيئا، أو لو لم يُصدر التوضيح في الوقت المناسب، لكان الأمر مختلفا. لكن بفضلك، الوضع الآن ليس خطيرا إلى تلك الدرجة. حتى الشركة تعتبره مجرد فضيحة معتادة."
عندما انفجرت القضية أول مرة—
في تلك "الأيام" الكثيرة التي لا يعرفها إلا هاجين—
ربما كان الوضع انذاك خطيرا فعلا، إلى حد قد يدفع يوغون للانسحاب.
ربما طالبت الشركة بانسحابه بحجة سلوكه أو تضرر صورته، وربما تأخر بيان التوضيح وضاعت اللحظة الحاسمة.
لكن "اليوم" الذي يعيشه سوهو الان ليس كذلك.
"ما أعنيه أن الوضع ليس بالخطورة التي تدفع يوغون للإصرار على الانسحاب. نعم، ربما صُدم من الهجوم الذي طال عائلته، لكن حتى هذا سيتلاشى بمجرد الحديث عن الإجراءات القانونية."
"قلت له كل ذلك. لكنه إذا اتخذ قرارا، لا يمكن إيقافه. لا أستطيع أن أطلب منه أن يتحمل الشتائم فقط كي لا أعود."
"هذا هو. لنفكر في هذه النقطة."
أشار سوهو إلى جوهر المسألة.
"بما أن الوضع تقلص إلى هذا الحد، لماذا يصر يوغون على الانسحاب؟"
"…ماذا؟"
"قلت إن بعض الأمور أصبحت تتكرر بالطريقة نفسها بسبب التكرار."
"……!"
اهتزت ملامح هاجين المتجمدة.
"ألا يمكن أن يكون انسحاب يوغون نفسه تأثر بذلك؟ أنك في كل مرة تقنعه بالطريقة ذاتها، فتترسخ عزيمته أكثر؟"
"ليست الطريقة نفسها تماما…"
"أقصد أن الدافع الجذري في سلوكك ظل كما هو. سببك لمنع انسحابه. أنت قلت قبل قليل: سأمنع انسحابه لأمنع العودة."
صمت هاجين.
"هل هذا حقا ما تعتقده؟ لو لم تكن هناك عودة، هل كان انسحابه سيهمك أم لا؟"
لأول مرة، أعاد هاجين النظر في موقفه.
كيف كنتُ أتصرف؟ بأي موقف أقنعتُه كل مرة؟
"يوغون، رغم مظهره الخفيف، فطن جدا. أحقا تعتقد أنه لم يلاحظ أنكم، أنت وبقية الفريق، لا تستسيغونه تماما؟"
"……."
كان ذلك صحيحا.
عندما حاول منع انسحابه، لم يفكر هاجين في مشاعر يوغون أو موقفه. كان مدفوعا فقط بالخوف من العودة.
لم يلتفت إلى الجرح أو الخوف الذي قد يكون شعر به يوغون، بل شدد فقط على أن الانسحاب تصرف غير مسؤول ومزعج.
لأن…
نقطة قوة يوغون كانت المسؤولية.
الآن، وقد استعاد هاجين هدوءه وتحاور مع سوهو، انقشع الضباب.
أكان من المنطقي أن يحكم على الناس عبر نافذة إحصائيات فقط؟
نافذة النظام ليست إلا نظاما.
وهو نفسه لم يفهم حتى كل مهاراته بعد.
فبأي غرور ظن أنه فهم يوغون بالكامل؟
وما الذي كان يقذفه نحوه بلا تصفية حين فقد السيطرة على مشاعره؟
"لنحاول مجددا، بهدوء. يبدو أنك استعدت بعض الاتزان. تحدث مع يوغون مرة أخرى بهدوء. وإن شعرت أنك لا تستطيع، يمكنني أنا أن أتحدث معه."
"…حسنا."
"ربما ليس من حقي قول هذا وأنا لا أعرف كم مرة عدت، لكن… ما دمت تعود دائما إلى الان، فهذا أفضل من السابق، أليس كذلك؟"
ربت سوهو على كتفه بلطف ونظر في عينيه.
"لم تخسر كل شيء، هاجين. ما زالت لديك فرصة."
صمت هاجين طويلا. كان يعيد كلمات سوهو في ذهنه مرارا.
فرصة.
نعم، في يوم ما، ظن هو أيضا أنها فرصة لتغيير حياته.
لكن بعد سنوات من التكرار، طوى تلك الفكرة وألقاها في سلة المهملات. ما زال يرى العودة هروبا ولعنة.
"…حسنا. سأحاول من جديد."
أومأ برأسه.
وإن كانت هذه حقا "فرصة" يمنحها له العائد المختار، فإنه هذه المرة لن يفرط بها أبدا. لمع بريق في عينيه وهو يعقد عزمه.