أول مكان قصده هاجين بعد أن استعاد شيئا من طاقته كان الحمام
جسد هاجين كان كما تركه بالأمس تماما، نظيفا بعد الاستحمام وقبل النوم. لكن ما يشعر به هاجين "الحقيقي" لم يكن كذلك.
"……."
اغتسل جيدا وبدل ثيابه. أعاد ترتيب تفاصيل يومه "الأصلي" واحدة تلو الأخرى، تلك التفاصيل التي كان يتجاهلها وهو يفكر: بما أنني سأعود مجددا فلا داعي للاهتمام. حتى وجبة الإفطار التي ظل يهملها لأنه لم يكن يملك طاقة للأكل، أجبر نفسه عليها.
وحين انتهى، كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة صباحا.
'الان….'
اليوم الذي تكرر مرات لا تحصى يسير اليوم أيضا كما اعتاد، لأنه لم يتخذ بعد أي اختيار مختلف ليغيره.
'إذن لا يزال… أمامي ساعة تقريبا.'
يوغون، الذي حبسه سيوو معه في الغرفة بحجة تهدئة رأسه، كان في كل مرة لا يُؤخذ فيها قرار انسحابه على محمل الجد، يجمع أمتعته ويغادر السكن في ذلك التوقيت تحديدا. وقت الغداء، حين يغيب المتدربون والموظفون عن أماكنهم.
ماذا يفعل خلال ساعة؟
هل ستأتي هذه الساعة أصلا؟
ماذا لو تغير المسار لأن أحدا فعل شيئا؟
وماذا لو عاد كل شيء من جديد؟
فكرة واحدة أنجبت أخرى، وتتابعت كسلسلة لا تنتهي حتى استولت على عقله. أفكار التفت حوله كأفعى، ثم صارت قيودا تطوق جسده وتضغط عليه.
وفي تلك اللحظة، لا يدري لماذا تذكر تلك العبارة.
جدتي كانت تقول لي: إذا كثرت أفكارك حتى تخيفك، فقط توقف عن التفكير.
لكن من قال له ذلك؟ وقبل كل شيء، هل التوقف عن التفكير ممكن أصلا؟
هاجين شخص لا يستطيع إلا التفكير. أن يفهم كل شيء، يقلق بشأن كل شيء، يستحضر كل الاحتمالات. لذلك كان هذا الوضع لا يُحتمل. هناك أشياء كثيرة جدا عليه أن يفكر فيها.
'متى… متى تمكنت من التوقف عن التفكير؟'
ومجددا، فكر.
ثم تذكر لحظات من أيام لا تُحصى، كان فيها قادراً أكثر من غيرها على تصفية ذهنه من الضوضاء.
نهض واتجه إلى مكان ما.
"……."
وصل إلى إحدى قاعات التدريب في الطابق الخامس.
<♥قاعة تدريب فريق كاندي كراش المليئة بالحب♥>
ورقة بخط طفولي مزخرف ملأت الباب بعبارات لطيفة لا تتناسب مع الجو العام. طرق هاجين الباب.
ثلاث طرقات واضحة.
طرق، طرق، طرق.
بعد لحظات، سُمعت خطوات مسرعة من الداخل.
"من…؟ اه؟ هاجين هيونغ؟"
"هارو."
"نعم؟"
"قل لي شيئا مضحكا. هيونغ مكتئب."
هارو رمش بعينيه الواسعتين. فجأة يطرق الباب ويطلب منه أن يضحكه. ما هذا؟
تايهيون خرج خلفه.
"هاجين هيونغ يقول لي أضحكه!"
"ماذا؟ …تنهد. كنت أعرف. ادخل أولا."
تايهيون، الذي كان قد سمع القصة باختصار من أونتشان ويوغون، أدخله إلى الداخل. كان التدريب جاريا، فبادر المتدربون من الفريق ذاته بالتحية.
"يا رفاق، لنري هاجين هيونغ عرضنا مرة. موافقين؟"
"حقا؟ هاجين هيونغ مخيف."
"مخيف؟ هل هاجين مخيف؟"
"لا! ماذا لو كان جاسوسا!"
كما توقع، فريق الغرفة الثانية الذي شكله تايهيون كان صاخبا ومفعما بالحيوية. جلس هاجين مسندا ظهره إلى المرآة. البرودة التي لامست جسده جعلته يشعر بأنه حي.
عرض فريق كاندي كراش كان لطيفا وممتعا. ربما أرادوا إبراز أن متوسط أعمارهم هو الأصغر، إذ كانت الطاقة المنعشة واللطيفة تتفجر في كل مقطع.
'عرض فريقنا ممتع أيضا.'
تذكر عرضهم هم.
الرقصة التي أكملها وونهو بمساعدة يوغون كانت رائعة حتى بعينيه.
تناغم راب دوها ويوغون بدأ يستقر. وإيماءات يوغون الفطرية، البرية، كانت درسا جيدا لأولئك الذين لا يزال مفهوم "الجرأة" غريبا عليهم. والأهم، يوغون في المنتصف، بالتشوكر، مشعا بطاقة حادة… كان رائعا.
"……."
انتهت الأغنية.
التقطوا أنفاسهم ونظروا إليه بعيون تمزج الترقب والخوف. نظرات تقول: أحسنا، أليس كذلك؟ ومعها قلق من ملاحظاته الحادة التي اعتادوا عليها منذ فريق B.
تأمل وجوههم واحدا واحدا ثم نهض.
"هاجين هيونغ! كيف كان؟"
سأله هارو بعينين متلألئتين.
ارتفعت زاوية فم هاجين بابتسامة جميلة.
"جيد جدا. ستفوزون بالمركز الأول."
"……!"
"حقا؟ شكرا!"
"…لو لم نكن نحن في المنافسة."
"……!!!"
"هيونغ!"
ضحك هاجين، رافعاً حاجبيه بمكر.
"إذا كنتم منزعجين، أظهروا عضلات بطنكم أنتم أيضا."
"كيف نظهرها بهذا المفهوم!"
"ماذا؟ أنتم ستكشفونها؟ هذا غش!"
"إنه جاسوس فعلا! شاهد عرضنا فقط وغادر!"
تجاهل الضجيج وخرج بلا تحية. سار ببطء نحو منطقة السكن.
كان الوقت قد اقترب.
اتجه إلى درج الطوارئ.
صوت عجلات حقيبة تُسحب.
في إحدى المرات، فقد أعصابه عند سماع ذلك الصوت واندفع نحو يوغون، ثم سقط من الدرج. لم تحدث العودة فورا حينها، فبقي ساعات بساق مكسورة.
لكن كل ذلك… لم يعد موجودا الآن.
"تغادر الآن؟"
"…اه."
يوغون، الذي كان يحاول النزول خفية، تراجع خطوة حين سمع صوته. أفلتت الحقيبة من يده وكادت تسقط، لكن هاجين أمسك المقبض بسرعة وأعادها مستقيمة.
"…أنا اسف للجميع. سأشعر بالذنب طوال حياتي. "
لم يكن هاجين قد قال شيئا بعد، ومع ذلك بدأ يوغون بالاعتذار.
والان فقط، راها.
في كل مرة تكررت فيها هذه اللحظة، كانت أول كلمة ينطق بها يوغون دائما: اآسف".
…أدرك ذلك متأخراً جداً.
"يوغون."
"…نعم؟"
"قبل أن تذهب، هل تتناول معي وجبة؟"
وهكذا، قرر هاجين أن يجرب اليوم اختيارا مختلفا.
***
"……."
"……."
لم يكن هذا الصمت محرجا ليوغون,المحرج كان الموقف نفسه.
أنا وهذا الهيونغ؟ وحدنا؟ نتناول الطعام؟ ولحم بطن خنزير أيضاً؟
“لماذا؟ لا تحب لحم البطن؟”
"لا، ليس الأمر كذلك. أنا لا أتحسس من شيء."
"كل بسرعة. إن كنت ستسحب تلك الحقيبة إلى البيت فعلى الأقل تحتاج طاقة."
أشار هاجين بذقنه إلى الحقيبة بجانب يوغون.
ما هذا؟ هل يسخر مني؟
لكن تعبير هاجين بقي هادئاً. لف بخفة ورقة خس كبيرة مع ورقة بيريلا ومخلل الفجل في لقمة واحدة وأدخلها فمه دفعة واحدة. كان يأكل بشهية مذهلة. إلى درجة أن يوغون، الذي فقد شهيته تماما منذ بث الحلقة الثالثة، شعر بالجوع فقط من مشاهدته.
‘…حسناً، إذا قدم لك أحدهم طعاماً فالأحمق فقط يرفض.‘
تحت تأثير هاجين، التقط يوجيون عيدانه. لا يحب الخضار، فاختار قطعة لحم كبيرة ووضعها مباشرة في فمه، لكن قبل أن ينتبه كانت ورقة بيريلا قد وُضعت فوق اللحم. وحين أدرك، كان قد أكلها بالفعل.
"……?"
"لفها وكلها، أيها الأحمق. هكذا يسهل الهضم."
"هل تقلق على معدتي الآن؟"
"أنت تأخذ دواء الهضم دائما. لأنك لا تهضم جيدا."
قالها هاجين بلامبالاة وهو يغرف من حساء معجون الصويا، بنبرة توحي أنه كان يراقبه منذ فترة.
نظر يوغون إليه بوجه يقول: ما شأن هذا الرجل؟ فضحك هاجين وهو يقضم شريحة خيار مغموسة في الصلصة.
"إذن من تظن كان يضع لاصقات العضلات ودواء الهضم في غرفة التدريب دائما؟"
"ذلك كان المدير… اه."
الموظف المسؤول عن رعاية يوغون وفريق بلو فلير طُرد بعد الحادثة السابقة.
يوجد الان موظف آخر مؤقتا يشرف على الفريقين معا، لكن حقيقة أن يوغون أحيانا يبحث عن دواء للهضم بعد الأكل لم يكن يعرفها سوى ذلك الموظف المطرود.
"إذن أنت من كان يضعها؟ لماذا؟"
"سيوو هيونغ طلب مني."
"ماذا؟"
"كان يعرف. أنك أحيانا تأخذ دواء الهضم، وأنك ترش لاصق العضلات قبل التدريب. راك خلال مهمة الفريق A والفريق الخاص."
"……."
هذا أيضا غير متوقع.
في نظر يوغون، كان جونغ سيوو المتدرب الأقل اهتماما به داخل الفريق. بل كان يعتبر نفسه محظوظا إن لم يكن مكروها. هو يعرف جيدا أن سمعته السيئة التصقت بسيوو أيضا.
أن يعرف سيوو عاداته، بل ويطلب من هاجين أن يهتم به… كان أمرا جديدا عليه.
“ما نوع الأعمال الجزئية التي عملت بها؟”
“أعمال جزئية؟ فجأة؟”
“عملتُ في مطعم شواء. هل عملت في مطعم شواء؟”
“…هل تحاول منافستي في الأعمال الجزئية؟”
كان يوغون متأهبا لسماع كلمات إقناع، لكن توتر كتفيه انحل فجأة.
ما هذا؟ هل خرج فعلا فقط ليتناول معي وجبة أخيرة؟
كان ذلك مريحا، وفي الوقت ذاته يترك شيئا من الأسف. لكنه في النهاية لم يكن يملك جوابا لعرض البقاء، فكان هذا النوع من الحديث أسهل.
وبمجرد أن انفتح باب الحديث، تدفق بسلاسة.
هاجين كان بارعا في جر المواضيع دون أن يثير نفورا لدى الطرف الآخر.
وفعليا، يوغون لم يكن شخصا يكره الحديث. الناس فقط كانوا يخافون من ملامحه فلا يجرؤون على الاقتراب.
"أنتهيت."
"انا ايضا."
"أليس ألذ عندما تلفها؟"
أصر هاجين على أن يضع الخضار فوق كل قطعة لحم حتى أنهى يوغون صحنين كاملين من الأرز.
عادةً، الشخص يلف بنفسه، لكن يوغون بطريقته العنيدة كان يلتهم اللحم وحده، وهكذا كانت النتيجة.
'يضع لي الخضار فوق اللحم. كأنني طفل في الابتدائي.'
تذكر إخوته الصغار، يوهو ويورانغ، فتباطأت حركته.
بعد وجبة دافئة وحديث عابر عن الحياة اليومية، بدأت الأفكار الواقعية تعود بوضوح.
'إن انسحبت… هل سأحصل على نصف الأجر فقط؟ سأغادر الشركة أيضا، ومصاريف المعيشة… ربما من الأفضل أن أترك المدرسة. كان علي ألا أترك عملي في المتجر. هل أتصل بالمديرة من جديد….'
توالت الأفكار واحدة تلو الأخرى حتى اسودت الرؤية أمامه.
لكن لم يعد من السهل أن يقول الان إنه سيعود عن قراره.
هو ما زال لا يريد الترسيم حياته مرهقة، ولا يثق بأنه سيتغير.
'على أي حال… هؤلاء الهيونغ لا يحتاجونني، بل يقلقون فقط من الفراغ الذي سأتركه.'
هم جميعا موهوبون. بإمكانهم ملء فراغه سريعا. الان فقط يخشون ذلك الفراغ، لكن حين يتدربون خمسة سيجدون الأمر أفضل.
فتح هاجين فمه تماما في اللحظة التي بدأت فيها هذه الأفكار تنهش يوغون.
"يوغون."
هل سيطلب مني ألا أنسحب؟ أن أتحلى بالمسؤولية وأعود للتدريب؟
في الحقيقة، لم يقل هاجين ذلك له قط، لكن يوغون خاف من الكلمات التي قد تخرج من فمه.
"ألن تندم؟"
"……?"
"إن انسحبت الان، ألن تندم؟ على عرضنا؟"
"……."
لكن خلافا لقلقه،
"أنا سأندم جدا. على عرضنا."
كانت كلمات هاجين وصوته دافئين، لطيفين.
وربما كانت تلك المواساة بالذات هي ما كان يوغون يحتاجه أكثر من أي شيء.