“في الحقيقة، أثناء تحضيري لهذه الأغنية، كانت لدي أفكار كثيرة جدًا.”
بدأ دان هارو يشارك قصته بهدوء.
“كنت حزينًا جدًا لفكرة الافتراق عن الهيونغ الذين اقصوا، ومع أنني كنت حزينًا، فإن الاستعداد للعرض كان مرهقًا للغاية أيضًا… لكن بعدها وجدت هذه الأغنية. أغنية ‘Where am I’ أوصى بها سوك هيونغ، وأظن أنني أحببت كلماتها حقًا.”
وعندما امتدح دان هارو غونغ سوك بإشارة طبيعية، التقطت شاشة البث مشهد غونغ سوك وهو يضبط أوتار الكمان والقوس. التفت غونغ سوك بدهشة عندما ذُكر اسمه، ونظر حوله بتعبير خجول.
“هناك الكثير من المشاعر التي يمكن التعبير عنها من خلال تلك الأغنية وحدها. ومع إضافة الأغنية الأخرى التي تركها والد سيوو هيونغ، أشعر أن الرسالة التي نريد إيصالها أصبحت أكثر اكتمالًا.”
كان دان هارو يتحدث بطلاقة يصعب تصديق أنها صادرة عن شخص في مثل سنه.
جميع الحاضرين، بما فيهم الهيونغ الجالسون خلفه، أصغوا إلى كلماته باهتمام كامل.
وكأنه مدرك تمامًا لذلك، أمسك دان هارو الميكروفون بثبات، ومن دون أن يرتجف، رفع عينيه اللامعتين بلون الغروب وخاطب الجمهور الذي لا يُحصى عدده.
“قالوا الهيونغ إنهم يريدون إرسال هذه الأغنية إلى العديد من الديستي، لكنني أريد أن أغنيها لنفسي ولهم.”
“للهيونغز؟”
“نعم. لأعضاء فريقي هنا، وللأصدقاء الذين يشاهدوننا من غرفة الانتظار، وكذلك للهيونغ الاخرين. لقد تعلمت القصص الموجودة في كلمات هذه الأغنية من زملائي المتدربين ومن الهيونغ.”
كان صوت دان هارو ثابتًا.
في تلك اللحظة، لم يستطع كانغ هاجين إلا أن يعيد النظر في شكه بأن ذلك الفتى هو العائد المختار.
كيف لطفل بهذه القوة أن يكون خائفًا إلى درجة أنه اضطر إلى الهروب كل ذلك الوقت؟
بينما كان يحدق في ظهر دان هارو، الذي بدا وكأنه مرسوم أمام خلفية الغروب الأحمر، نقش كانغ هاجين علامة استفهام جديدة في قلبه.
وفي الوقت ذاته، تذكر.
الحقيقة الواضحة أن الدعم والمواساة لا يُشترط أن يُعبّر عنهما بالكلمات دائمًا.
‘…سيبسام.’
[اشعار النظام: نعم؟]
‘كيم وونهو، ماذا يفعل الآن؟’
[اشعار النظام: آه… لحظة واحدة!]
بعد وقفة قصيرة، عاد سيبسام، الذي اختفى لبرهة.
[اشعار النظام: وونهو-نيم في غرفة الانتظار! بفضل مساعدة الفريق، يبدو أن مشاعره هدأت قليلًا.]
[اشعار النظام: قال قبل قليل… إنه شعر بالخوف من الغناء للحظة.]
[اشعار النظام: لكن الان يبدو في حال أفضل بكثير.]
[اشعار النظام: ياللراحة… (╯︵╰,)]
وأثناء استماعه لتقرير سيبسام عن وضع وونهو، فكر هاجين بصمت.
من دون أن ينطق بكلمة، وضع أصابعه الطويلة الجميلة برفق فوق لوحة المفاتيح، التي يعزف عليها لأول مرة منذ وقت طويل.
تذكر أول درس بيانو له في طفولته، حين قال مدير أكاديمية البيانو إن يديه مثاليتان للعزف.
كان، أثناء انتظاره لوالديه المنشغلين بالعمل، يمسك أحيانًا بيد أخيه الصغير هاوون ويستمع باهتمام إلى المدير وهو يعزف لهما.
بعض المقطوعات كان يرغب في عزفها بشدة، حتى إنه طلب نوتاتها، وبعضها أراد معرفة اسمها فقط ليعزفه لوالديه.
لكن مع تدهور الوضع المالي للعائلة، اضطر هاجين إلى مغادرة الأكاديمية قبل أن يتعلم المقطوعة التي أرادها.
الان، يستطيع هاجين عزف ذلك الجزء.
حتى وهو بالغ، كلما أتيحت له فرصة للعزف على البيانو، كان يتدرب على تلك المقطوعة.
هناك أمور كهذه.
أمور يمكنك فهمها دون أن تُقال.
أمور تواسيك بمجرد أن تسمعها.
أمور تصبح، في لحظات معينة من الحياة، كأنها موسيقى خلفية لتلك اللحظة.
أمور تجعل يومًا كئيبًا يصبح أفضل قليلًا، فقط بسبب شيء صغير.
“حسنًا، يرجى الاستماع إلى أغنيتنا.”
تمنى هاجين أن تصبح هذه الأغنية شيئًا كهذا لوونهو.
وكذلك لنفسه، ولسوك، ولهارو، ولسيوو.
ولشخص ما قد يكون جاء إلى هنا، تاركًا واقعه المعقد خلفه فقط ليراهم.
ولحسن الحظ، كان كانغ هاجين الان شخصًا يستطيع إيصال هذا النوع من المواساة.
“نعم. والان، لنرحب بمسرح فريق شباب لا يُهزم”
فكر كانغ هاجين أن هذا حقًا…
حظ.
***
يمكن سماع صوت الرياح.
وعلى طرف ذلك النسيم المعتدل البرودة، تمايلت غرة سيوو بلون يشبه اللاتيه.
ومن بين أزرار القميص الأبيض التي فك ازرار اثنين منها براحة، بدا قميص أبيض قصير الأكمام يحمل كتابة صغيرة.
كان يرتدي بنطال جينز رقيق غير ضيق للغاية، وجلس جونغ سيوو على المقعد المرتفع، وهو يضع ساق فوق الأخرى، ويحمل قيتارا بني اللون، الذي ورثه عن والده.
كان يرتدي نظارات بإطار فضي مع سلسلة رقيقة، أكبر قليلاً من وجهه، وكان يبدو مثل شخص خرج للتو من دراما شبابية في السبعينيات أو الثمانينيات.
لكن، بسبب مظهره العصري الذي لا يتناسب مع الصورة القديمة، في كل مرة يظهر فيها وجه سيوو على الشاشة، كان يُسمع من الجمهور أصوات دهشة.
لكن ذلك لم يدم طويلًا، إذ بدأ ذلك “تمثال السبعينيات” يعزف بيده التي تمسك الريشة.
♩♩♬― ♪♪♩♬―
ملأ صوت الجيتار الأكوستيكي، الذي ينبض بالعاطفة، أجواء تلك الليلة.
وفوق ذلك اللحن الذي قد يستحضر مشهدًا دراميًا في ذهن أحدهم، انضم عزف بيانو هاجين.
كما لو كانا ينسقان إيقاع كل منهما، تبادل سيوو وهاجين النظرات ووافقا على سرعة وإيقاع الأداء.
رغم وجود صوت المترونوم*** وإيقاع الآلات المسجلة مسبقًا في السماعات، لم يكن الأمر مجرد ضبط للوقت.
لقد ضبطا تعبيرات العاطفة، وزمن الديناميكيات، وتطابقا معًا لدرجة أن لا شيء يعكر صفو أدائهما.
♬♬♩♪♪―
فوق ذلك، انضم صوت الإكسيلوفون الخاص بهارو مرة أخرى.
نقيًّا وصافيًا كصوته، تجمعت النغمات لتكون لحنا واحدًا.
أحيانًا كان هارو وهاجين يعزفان نفس النغمة، وأحيانًا كان كل منهما يعزف وفق لحنه الخاص.
كان أداؤه الهادئ والراقي، مثل غروب الشمس، يأسر قلوب الجميع.
أمسك غونغ سوك الميكروفون بحذر. كان شعره الأسود منسدلًا بعناية، ويرتدي قميصًا أبيض مغلق الأزرار بالكامل، تعلوه سترة بيج محبوكة.
المقطع الأول كان له.
<لا أعرف.>
كانت هذه الجملة قد جعلت غونغ سوك يبكي بشدة في إحدى الليالي.
لذلك، بينما كان يسترجع مشاعره في ذلك الوقت، نطق سوك بكل كلمة بحذر.
<كيف حالك مؤخرًا؟
عندما يسألني أحدهم،
إجابتي الان هي نفسها.
لا أعرف.>
كان سوك يشعر أن المنافسة كانت صعبة جدًا.
مع أنه في الحقيقة لم يكن لديه حلم عظيم كهذا.
الغناء كان مجرد شيء يستطيع إتقانه، وبالصدفة حصل على عرض للاختيار وانضم إلى تلك الشركة.
وبين متدربين أكثر موهبة واجتهادًا، بدأ يفقد ثقته بنفسه،ا، كان السبب في عدم توقفه هو الخوف.
إذا لم يفعل ذلك، شعر أنه أصبح فاشلًا لم يحقق أي شيء في سنه هذا.
فقط بكونه متدربًا، شعر ببعض الراحة، معتقدًا أنه فعل شيئًا.
<نجمع أيدينا الصغيرة
ونبني قلعة رمل صغيرة بعناية
وعند موجة بيضاء تصطدم بنا
هل انهدم كل شيء؟>
بينما كان يعزف على القيتار، أغلق سيوو عينيه بهدوء وبدأ في أخذ المقطع التالي.
نظر سوك إلى سيوو.
على الرغم من أنهما في نفس العمر، إلا أن سيوو كان رائعًا.
حتى قبل ظهوره، كان شهرة وإنجازات سيوو قد تراكمت بطريقة لم يكن يمكن أن يحلم بها شخص مثل سوك.
لم يكن الأمر متعلقًا بالموهبة فقط؛ سيوو كان أيضًا أكثر نضجًا داخليًا من سوك بكثير.
عندما نظر إلى سيوو، شعر سوك بأنه أصبح أصغر.
حتى وإن كان سوك يعلم أن سيوو يهتم به، إلا أنه لم يعرف كيف يخبئ أو يضغط على شعور الدونية الذي كان ينمو بداخله.
-"سوك اه."
-"ي-يا؟ لماذا؟"
-"هل يمكنك أن ترى كيف أغني هذا الجزء؟"
-"أنا؟"
-"نعم. آخر مرة لاحظت أن نغمتك العالية كانت مريحة ونقية للغاية. أريد أن أتعلمها."
-"لكن... ل-لا، أنت تغني أفضل مني بكثير."
-"كل شخص له أسلوبه الخاص. إذا لم تمانع، هل يمكنك أن تعلمني كيف أغني؟"
لكن، لم يتردد سيوو في طلب أن يعلمه سوك.
عندها اعترف سوك.
أن هذا الطريق ليس طريقه.
وبعد الاعتراف، جاء سؤال جديد.
<لا أعرف،
إلى أين يجب أن أذهب،
إلى أين أنا ذاهب،
بعد أن انهار قصر الرمال،
هل لم نحقق شيئًا؟
ماذا تبقى لي الان؟
"أين أنا؟"
"كنت فقط أجري مع التيار،
ولا أعرف وجهتي
أتوه وأنا أمشي.>
انفجر صوت هاجين وهو يقف هناك، مرتديًا قميصًا مخططًا باللون الأزرق السماوي فوق تي شيرت أبيض مكتوب عليه حروف إنجليزية. من خلال ضخ عواطفه التي انفجرت، أمسك هاجين في تلك الأغنية العجز والخوف الذي مر به.
كانت الكلمات العاطفية من هاجين تتصل بسلاسة مع هارو.
<أين نحن الآن؟
لا يمكن العثور على الطريق للعودة>
أمسك هارو حامل الميكروفون بكلتا يديه، ناظرًا إلى الأمام،
مستمرًا في التحديق وكأنما يسأل العالم، مدخلًا الكلمات إلى فمه. كان السؤال اليائس من هذا الشاب يلمس قلوب الناس.
<في ليلة بلا حلم وبلا نجم،
هل سننتهي هكذا؟>
ماذا سيحدث إذا تم استبعادي من عرض البقاء؟
هل سأصبح فاشلًا؟
هل سينتهي كل شيء هكذا؟
ماذا يجب أن أفعل الآن؟
كان قلق سوك، الذي جعله مستيقظًا عدة ليالٍ، ليس فقط قلقه الشخصي.
كل شخص قد فكر في ذلك على الأقل مرة واحدة.
جميعنا.
<وو― وووو―>
ردد سيوو لحنًا لم يسمعه الجمهور من قبل.
“Where am I” لم يكن سؤال سيوو وحده، بل سؤال والده طوال حياته.
والأغنية التي سيغنيها الان كانت جواب والده بعد تلك السنوات.
غنى سيوو باختيار دقيق للنغمات.
كانت أغنيته التي كتبها والده، أغنيته التي كان يتمنى أن يغنيها.
<في الأيام التي لم أستطع فيها أن أحب نفسي، كان ذلك مؤلمًا،
لكن الزهور الجميلة التي تفتحت في النهاية،
كانت دائمًا جميلة.>
سيوو، الذي كان يغني عادةً بهدوء وثقة، رفع صوته لأول مرة كما لو كان يسكب كل مشاعره.
دون أن يهتم بصوته الذي كان ينكسر،
أو الأوردة التي كانت تظهر على عنقه حتى بدأ رأسه ينبض،
أو التوتر في يديه وهو يعزف على الجيتار،
غنى بحرية، دون أن يهتم بأي شيء.
<في الأوقات التي تألمت فيها لأنني لم أستطع أن أحب نفسي
ذلك النفس الصغير الذي طرز السعادة أخيرًا…>
أغنية والده، الذي طالما اشتاق إليه.