“أنا… لماذا أشعر بالتعب أصلًا من الان….”
“لأنك أهدرت كل طاقتك في السخرية من أونتشان هيونغ.”
“…….”
لم نبدأ اجتماع “إزالة القنبلة” الفعلي إلا بعد مرور ساعتين كاملتين على وصولنا البيت. منذ لقائنا الأول، كنا نتدرب بلا توقف حتى جف اللعاب في أفواهنا، فلم أكن أدرك ذلك، لكن يبدو أن الانسجام بيني وبين هذين الصغيرين، اللذين يصغراني بعشر سنوات، أفضل مما توقعت.
‘هل هذا أمر جيد؟’
منذ أول عودة وحتى الآن، نادرًا ما ضحكت بهذه الطريقة دون تفكير. كنت أعلم بعقلي أن الوقت غير مناسب، لكن جسدي كان، على ما يبدو، ينجذب غريزيًا إلى الطاقة المشرقة والممتعة.
“حسنًا، الآن لندخل في صلب الموضوع فعلًا.”
“نعم.”
“نحتاج أولًا إلى معيار.”
“معيار؟”
“نعم. معيار. من سنطيح به أولًا، وإلى أي حد سنطيح.”
جملتي التي دخلت دون أي تمهيد جعلت جو أونتشان ودان هارو، اللذين كانا ينزعان اللحم عن الدجاج، يلتزمان الصمت وكأنهما عضا ألسنتهما.
“ما الذي تريدانه؟ إقصاء المدير التنفيذي و الواسطة التي فوقه؟ أم ظهورًا أولًا عادلًا بلا واسطات؟”
“…….”
“قد لا يبدو الفرق كبيرًا، لكنه فرق جوهري. الهدف يحدد الوسائل، ففكّرا جيدًا قبل أن تجيبا.”
راقبت الاثنين وهما يغوصان في التفكير. وبغض النظر عن جوابهما، كنت أنوي أصلًا إخراج ذلك المدير من هذه الشركة. فهذا هو المطلوب في المهمة.
‘لكن البحث عن الواسطة قصة أخرى.’
ولهذا كان علي أن أسمع رأيهما أولًا. فهما، على أي حال، هما شريكان في مشروع إقصاء المدير.
“أنا….”
وسط الصمت، انفتح فم أحدهما أخيرًا. كان جو أونتشان، الذي ظل يعبث بكأس الكولا طوال الوقت.
“أنا فقط… أتمنى أن يُعامل من يملك الكفاءة معاملة عادلة.”
“إن كنت غير مؤهل للظهور الأول، أو لست من النوع الذي تبحث عنه الشركة، فلا بأس بألّا أظهر.”
“لكن أن يُسحق حلم شخص ما قسرًا لأسباب أخرى… هذا ليس صحيحًا، أليس كذلك؟”
كلام مليء بالأحلام والمُثل.
لكن تعبير جو أونتشان كان جادًا وصادقًا أكثر من أي شخص آخر.
“حتى تايهيون هيونغ… هو كذلك. ذلك الأخ يعمل بجد فعلًا.”
“سيو تايهيون؟”
“لقبه ‘المفتاح’. لأنه دائمًا من يطفئ ويشغّل أضواء قاعة التدريب الخاصة. لكن رغم ذلك، هو دائمًا الوحيد الذي يُستبعد من مزايا الصف الخاص.”
“…….”
“فقط لأن مدير القسم لا يحبه، يُحرم من الفرص هكذا. أليس هذا غير معقول؟”
كان هاجين في وقت ما يفكر بالطريقة نفسها.
كان يؤمن بعالم يهزم فيه الخير الشر، وتنتصر فيه العدالة، وتعود فيه الأفعال على أصحابها.
بعالم تُغيره القيم، وتُكافأ فيه الجهود.
لكن كيم هاجين، في التاسعة والعشرين، كان يعرف أن الواقع لا يعمل دائمًا بهذه الطريقة.
ولهذا لم يستطع أن يجيب بسهولة بأن كلام جو أونتشان صحيح.
بل كان يميل إلى كره هذا النوع من المثاليين. أولئك الذين لا يرون الواقع ويحلمون فقط، بدوا له أحيانًا ساذجين ومحبِطين.
لكن.
“أنا فقط… أريد أن يظهر من يستحق الظهور الأول. أريد أن أُقيم بقدراتي وحدها.”
لكن هاجين، في العشرين من عمره، كان يعرف على نحو غامض أن هذا العالم لا يسير أحيانًا بشكل صحيح إلا بوجود مثل هذه “المُثل”.
“…حسنًا. فهمت قصدك.”
“…….”
“إذًا، ليس من الضروري أن يكون ظهوركما الأول مضمونًا؟”
“نعم. إن كانت الفرص عادلة فقط، فأنا واثق.”
بعد أن حصلت على الإجابة مجددًا، أنهيت الحسابات في رأسي على عجل، ثم التقطت قطعة دجاج وعضضت منها. ربما لأن الحي راقٍ، حتى الدجاج البارد كان لذيذًا.
دان هارو كان يحدق بي بوجه يقول: لماذا يأكل هذا الأخ أجنحة الدجاج وسط حديث مهم؟
لكن، في الحقيقة، هذا كان كل ما نحتاج إلى قوله اليوم.
“…لكن، ماذا ستفعل؟”
“لا أدري. ما زلت أفكر. حين تتضح الأمور أكثر، سأخبركما. في الوقت الحالي، أعطوني معلومات إضافية.”
“معلومات؟”
“المعارك تُحسم بالمعلومات. هذا أهم شيء في عصر الثورة الصناعية الرابعة.”
“أفهم أنك تمزح بطريقة مبتكرة.”
كنت أطلب منهما أن يرويا بعض “القصص”. لم أكن أتوقع أن يعرفا كل أسرار الشركة، فموقعهما بين المتدرّبين كان حساسًا.
ثم إن القصة التي أريد سماعها كانت مختلفة.
“لماذا ذهب تشا مينسوك إلى رينيه؟”
“آه.”
مثلًا، قصة انتقال تشا مينسوك التي يُشاع أنها بسبب الإصابة.
“نحن في القارب نفسه الآن، أليس كذلك؟ عليك أن تخبرني بكل شيء. أحتاج معلومات لأضع الخطة.”
“…أدق التفاصيل ستسمعها من تايهيون هيونغ. نحن سمعنا الأمر فقط.”
سيو تايهيون؟ عاد الاسم المشبوه للظهور.
تشا مينسوك وسيو تايهيونغ… تركيبة لم أسمع بها من قبل.
“أصلًا، تايهيون هيونغ جاء إلى ميرو بسبب مينسوك هيونغ. هو من دعاه.”
“كانا يعرفان بعضهما؟”
“سمعت أنهما تدربا معًا طويلًا في الأكاديمية نفسها. ثم شارك تايهيونغ هيونغ في ‘مملكة الفتيان’، ودخل مينسوك هيونغ ميرو.”
لكن كيف انتهى أحدهما مركزًا في رينيه، والآخر عالقًا في ميرو بلا ظهور أول؟
“مينسوك هيونغ كان أصلًا ضمن تشكيلة ظهور أندرواي. ثم بسبب إصابة في الظهر أُبعد إلى التشكيلة التالية… ولهذا دعا تايهيون هيونغ ليظهرا معًا.”
“وفي تلك الأثناء ظهرت الواسطة، فتفككت التشكيلة، وانتقل تشا مينسوك إلى رينيه؟”
“هناك حديث أن المدير التنفيذي هو من ربط مينسوك هيونغ برينيه. على أي حال، التفاصيل يعرفها تايهيون هيونغ فقط.”
“دان هارو، إن كنت ستنام، فاذهب ونظف أسنانك.”
“نعم.”
بدا أن النعاس غلبه، فكان يهز رأسه كدجاجة مريضة. ناولته فرشاة الأسنان.
حقًا، هذه الدراما أكثر تشويقًا مما توقعت.
“بعد انتهاء ‘مملكة الفتيان’، تايهيون هيونغ عمل كثيرًا. شارك في فعاليات، وصعد مسارح….”
“طبيعي.”
“لكن بعد انتقال مينسوك هيونغ إلى رينيه، صار يتدرب فقط. هو في الصف الخاص، لكنه لا يحصل على أي امتياز. يبدو أنه حدث أمر ما بينه وبين مدير القسم، لكنه لا يحب التحدث عنه.”
كان جو أونتشان يفرك عينيه وهو يحدثني، وصوته بدأ يثقل من التعب.
وحين فكر في سيو تايهيون، خفَتَ حاجباه حزنًا.
“هيه، لا تبكِ. لا طاقة لدي لمواساتك. اذهب واغتسل بسرعة.”
“…تايهيون هيونغ هو أكثر من اعتنى بي منذ دخولي ميرو.”
“حسنًا، فهمت مدى تعلقكما.”
“لكن بعد حادثة الحفل الأخير، صرنا متوترين. هو يقول إنه بخير، لكنني أشعر بالخزي والغضب.”
“نعم، مفهوم. دان هارو، إن انتهيت من تنظيف أسنانك، فاذهب للنوم. وأنت، اذهب واغسل وجهك بالماء البارد.”
“حسنًا.”
دفعت دان هارو إلى الفراش في غرفة المعيشة، ثم دفعت جو أونتشان بقدمي ليقف. نظر إلي بعينين تقولان إنني قاسٍ فعلًا.
“وماذا؟ ماذا تريدني أن أفعل؟”
“أليس لديك مشاعر أصلًا؟”
“هو قال إنه بخير.”
“لكن ذلك…”
“لا تعتذر بسهولة.”
“…….”
“كلما اعتذرت، لن يستطيع سيو تايهيون إلا أن يقول 'لا بأس'.”
وذلك كان أكثر ما أكرهه.
بعد أن عاد جو أونتشان إلى غرفته، ساد الصمت أخيرًا في الصالة الواسعة.
“…هيونغ.”
“ماذا؟”
“…أنت تبدو بالغًا حقًا.”
كان دان هارو، الذي ظننته نائمًا، يتمتم بصوت خافت.
“هل تسخر من سني؟”
“أريد أن أصبح مثلك.”
“مثلي كيف؟”
“…تبدو متماسكًا، هيونغ.”
صوته الصغير، وهو يناديني “هيونغ”، ذلك الصوت الذي لم يكتمل بلوغه بعد، جعلني أتذكر كل حياتي عبر كل الجولات، وشعرت بوخز خفيف في ضميري
‘اذا فكرت بالامر، فهو في عمر ابن أخي تقريبًا… لا، أنا عدت عشر سنوات فقط، إذًا نحن في العمر نفسه….’
أوقفت تلك الأفكار بالقوة.
تذكر يا كانغ هاجين. أنت في العشرين. ليس تسعة وعشرين. ولا تسعة وعشرين زائد شيء. عشرون، بدم يغلي.
“هذه أول مرة أقول هذا… وأنا سعيد لأنني تحدثت معك.”
“توقف عن الكلام ونم.”
“نعم….”
حين عاد جو أونتشان بملابس نومه الحريرية، أُطفئت الأنوار.
راقبتهم وهم ينامون في الصالة بدل أسرتهم، ثم أغمضت عيني أنا أيضًا.
ربما بسبب التعب الشديد، غفوت فورًا، رغم أن المكان كان غريبًا.
***
‘هؤلاء الحمقى…’
في عصر احد الايام، بينما كان المطر يهطل بغزارة، توجه رئيس القسم سون هيونغو الى منطقة التدخين وهو يبتلع الشتائم في داخله.
في اجتماع التخطيط الذي عُقد اليوم، تم تخصيص وقت لطرح افكار فريق الدفعة القادمة للتجهيز للترسيم ، على ان تُقدَّم الافكار بشكل مجهول ويتم تبادل التقييم. كان ذلك اقتراح المدير العام، بحجة خلق بيئة افقية اكثر وفتح المجال لعصف ذهني حر. يقدم الجميع خططهم بنفس الصيغة، ويتم تداولها جماعيا للحصول على آراء اكثر صراحة.
لكن خطة سون هيونغو اليوم حصلت على 13 صوت رفض من اصل 15!
‘هل يفهمون شيئا في تخطيط الايدول اصلا؟ A&R *وما شابه. اناس لم يركضوا يوما في الميدان لصناعة الالبومات مثلي.’
في الاونة الاخيرة، لم يسر اي شيء كما يريد، وبدأ كل شيء يثير اعصابه. حسب الخطة، كان ينبغي له ان يكون الان قد اسس شركة باسمه وينادونه بالمدير التنفيذي. لكن هذا التعامل؟
‘يجب ان انهي كل شيء قبل ان ندخل فعليا في تجهيز الدفعة القادمة، اللعنة.’
وقد بلغ الضيق ذروته، فلم يتمالك نفسه وضرب الارض بقدمه بقوة. في ايام كهذه، يحتاج المرء فقط الى شخص يفرغ فيه غضبه.
“…مساء الخير، سيدي.”
على سبيل المثال، متدرب ضعيف صادفه صدفة في منطقة التدخين الخالية.
“هل تدخن؟”
“…لا، جئت لرمي القمامة.”
“تش. لا، حتى لو كنت تدخن، ما المشكلة؟ لم يعد يهم، اليس كذلك؟”
شعر رئيس القسم بالرضا وهو يرى سيو تايهيون، بوجهه الجامد، يعض شفته عاجزا عن الرد. مد يده وازاح مقدمة شعر تايهيون المبللة بالعرق بلا اكتراث، ثم ابتسم ابتسامة دنيئة.
“طالما انا في ميرو، فلن تترسم ابدا. تعرف ذلك، صحيح؟”
“…….”
“لماذا قمت بتصرفات لا داعي لها من الاساس. لو استمعت لكلامي فقط، لما تعذبت هكذا.”
“…سأذهب اولا.”
“تشا مينسوك كان ذكيا. وجد طريقه وغادر. اما انت، فغبي.”
ما ان ذكر اسم تشا مينسوك حتى رأى تايهيون ينتفض غضبا، فشعر رئيس القسم بنشوة نصر خفية. في وقت ما، كان قد استخدم كل الوسائل للامساك بذلك الفتى. اما سيو تايهيون، الذي تعفن ثلاث سنوات في ميرو بلا اي نشاط، فلم يكن سوى نجم برنامج بقاء لمع لفترة قصيرة. لا اكثر ولا اقل.
“اذن، بالتوفيق.”
تعمد ان يربت على كتف تايهيون بقوة، ثم مضى بخطوات اخف نحو مكانه الخاص للتدخين. لم يبق سوى تايهيون، يتحمل كل ذلك الذل وهو يعض شفته حتى كادت تتمزق.
وفي رأسه، بدأت اسوأ لحظاته تعاد تلقائيا، مرة بعد مرة.
-يا تشا مينسوك. ما بك؟
-…….
-اسألك ما بك. هل ستذهب فعلا الى رينيه؟
-لاحقا. سنتحدث لاحقا.
-يا!
هناك ذكريات تزداد وضوحا كلما اغمض عينيه. فتح تايهيون عينيه بعناد.
تذكر اول برنامج بقاء له قبل ثلاث سنوات. ذلك اليوم الذي سلطت فيه الاضواء عليه وحده، والجماهير تهتف بحماس لمسرحه. كلما خطر بباله ان ذلك ربما كان اخر مرة يتألق فيها، كان الامر يفوق احتماله.
“اه… يجب ان اصعد الى غرفة التدريب.”
لا اريد الدخول.
لا اريد الدخول.
…اريد الهرب.
وفي اللحظة التي كان يعض فيها شفته غارقا في هذه الافكار.
“عذرا.”
“؟”
فزع ورفع رأسه عند سماع صوت يناديه. كان المتدرب الجديد الذي تعرف عليه عبر اونتشان في المرة السابقة، يقف امامه مبللا بالمطر ويناديه. لماذا هذا الاخ هنا؟ قبل ان يستوعب، وقبل ان يفكر ان كان قد سمع حديثه مع رئيس القسم…
“هل لديك بعض المال؟”
“ماذا؟”
هل… يتعرض للابتزاز؟
***
*قسم المواهب و ادارة الفنانين
يا ان ذا العجوز ينرفز