في يوم كانت فيه الشمس تميل إلى الغروب بلون أحمر كثيف على نحو لافت، وبدأ المطر الخفيف يتساقط.

أدرك دان هارو شيئًا.

“…إنه ثقيل جدًا.”

ربما… كان قد بدأ يرهق قليلًا من مواصلة العيش.

حمل عبء الزمن، الذي تكرر مرارًا بلا نهاية، كان أشد إرهاقًا وأقسى مما ظن.

“…….”

أن يواجه خطوطًا زمنية كثيرة أفسدها بيده— كم كان ذلك ثقيلاً.

“سامحني، هيونغ.”

مع أن كل ما حدث لم يكن ذنبه، إلا أن دان هارو كان مثقلاً.

“أنا اسف….”

في عينيه المحطمتين الخاويتين تمامًا، لم يبق حتى ما يتسع لدمعة.

تلك العينان العميقتان الصافيتان اللتان قيل يومًا إنهما تشبهان الغروب— انطبقتا ببطء. وبعد لحظة، حين فتحهما من جديد، كان فيهما بريق وحيوية لم يكونا موجودين من قبل، وهما تواجهان خيوط الشمس الخفيفة وظلالها المتسللة الى غرفته.

“هارو يا، الهيونغ ينادونك يقولون حان وقت العشاء.”

“آه،اون تشان هيونغ.”

“ماذا تفعل وحدك في الغرفة؟ هل أنت مريض؟”

هزّ هارو رأسه عند سماع كلمات اون تشان الذي دخل الغرفة.

“لا، لا. فقط في الاونة الأخيرة… أجدني اشرد كثيرًا.”

“أنت متأكد أنك لست مريضًا فعلًا؟”

“مستحيل، أنا في قمة صحتي!”

“لم يظهر شيء في الفحص الطبي، صحيح؟”

“نعم. قالوا إنني لا أستطيع أن أكون أكثر صحة.”

لم يظهر على وجه دان هارو أي ظل وهو يبتسم ويتحدث بنبرة مشرقة.

توجه الاثنان إلى الكافتيريا وهما يتبادلان المزاح، فاستقبلهم بقية المتدربين الجالسين. بعد أن أخذ طعامه، اندمج هارو تلقائيًا مع اون تشان على الطاولة.

“جايدن هيونغ، لماذا تأكل كثيرًا اليوم؟”

“يجب أن اكل جيدًا. قد لا أتمكن من أكل هذا غدًا، وسيكون ذلك خسارة.”

“…آه، هذا الهيونغ فعلًا. يقتل الشهية.”

عند ذكر جايدن لنتيجة الإقصاء الثانية، أنزل شين كيونغهو الجالس إلى جواره عيدانه بعصبية وحدق فيه. لكن أحدًا لم يشعر بالتهديد من تصرفه.

بارك جاييونغ، الجالس قبالة جايدن، راقب الهيونغ بحذر قبل أن يسأل بتردد

“لكن… إذا أُقصينا. …ماذا ستفعلون أنتم، هيونغ؟”

مع سؤال بارك جاييونغ، ساد الصمت الطاولة فجأة.

من بين المتدربين الثلاثة عشر، كان أول من أجاب هو يوغون، الذي كان يلتقط لفائف البيض عند طرف الطاولة.

“أفكر في العمل في مصنع.”

“مصنع؟”

“أحتاج إلى المال. عندما أخرج من الشركة، سيتوقف بدل الإعالة.”

وأضاف بهدوء أن هناك أماكن رشحها له معارف جده. مضغ لفافة البيض دون اكتراث. لم يسأله أحد إن كان يشعر بالأسف أو إن كان يتخلى عن حلمه.

الجميع يعلم أن واقعه أثقل من حلمه، وأن حلم الايدول لم يكن يائسًا لديه كما هو لدى الاخرين.

التالي الذي تكلم كان غونغ سوك.

ثم تحدث غونغ سوك.

“أنا… ربما أعود للدراسة.”

“الجامعة؟”

“نعم. ربما ليست مثل مدرسة سيوو، لكن ما زال هناك الكثير لأتعلمه. أفكر في إعادة التسجيل أو الانتقال.”

“إلى مدرسة فنون أخرى؟”

“همم… لست متأكدًا.”

في كلمات سوك كان معنىً ضمني بأنه ربما يفعل شيئًا غير الغناء، فارتعش سيوو الجالس بجواره قليلًا. لكنه لم يضف شيئًا، واكتفى بالأكل بصمت.

لأنه يعلم أن من يتصدر المراتب العليا كأنه قد حُسم أمر ظهوره، لا ينبغي له أن يتدخل في هذا الحديث بتهور.

“جيدن، هل ستعود إلى شيكاغو؟”

“May be? I'm not pretty sure. (ربما؟ لست متأكدًا.)”

“لا أريد الوداع….”

“يوكي، تعلم الكورية أولًا من جديد.”

“كيونغهو هيونغ. لا تتكلم هكذا.”

“ماذا فعلت أنا؟”

شين كيونغهُو الذي كان يستفز يوكي بسبب لغته الكورية الضعيفة، اتسعت عيناه غيظًا عند تدخل تايهيون. بدا أكثر حساسية لأنه يعرف أن إقصاءه بات شبه محسوم بعد فضيحة المواعدة السرية.

“بصراحة، لمن هذا الكلام؟ ما معنى ‘إذا أُقصينا’؟ إذا كنت لا تعرف حتى الان من سيُقصى، فأنت أحمق.”

“كيونغهو هيونغ!.”

“أليس هذا صحيحًا؟ من تظنون سيُقصى هنا؟ حقًا، كأنكم تسخرون منا منذ قليل….”

“شين كيونغهو. كفى.”

كيونغهو الذي ركل ساق الطاولة بعصبية، تجمد عند سماع صوته يُنادى.

كان صوتًا منخفضًا ومخيفًا كأنه يُسمع لأول مرة. حتى دان هارو توتر ونظر إلى صاحب الصوت.

هاجين، الجالس عند طرف الطاولة، أنزل كوب الماء الذي كان يشربه بصوتٍ حاد على الطاولة، وحدق في كيونغهو.

“أنت الذي واعدت، فلماذا تفرغ غضبك في مكان اخر؟”

“…….”

أطبق كيونغهو فمه بضيق.

هاجين، كأن الأمر لا يستحق، رفع ملعقته وأخذ يرتشف الحساء، وقال بنبرة ماكرة.

“لنغيّر السؤال. لو استطعتم العودة إلى ما قبل بدء ميرو ميز، هل كنتم ستشاركون مجددًا؟”

عند سؤال هاجين، تعالت الهمهمات. اون تشان، الجالس بجوار هارو، أجاب دون تردد.

“طبعًا.”

“حتى لو لم تنم جيدًا، وتعرضت للانتقاد، وربما لم تترسم؟”

“نعم. كسبت أكثر مما قد أخسره.”

تعالت أصوات الإعجاب حوله. ارتبك اون تشان من الأنظار، ومرر الدور إلى لي دوها الجالس بجانبه.

“دوها هيونغ، وأنت؟ حتى لو عدت، ستشارك في ‘ميرو ميـز’، صحيح؟”

دوها، الذي كان يأكل بصمت للمرة الثانية، أومأ دون تردد.

“نعم. سأشارك.”

“هاه؟ هذا غير متوقع.”

“ألا كان عليك المشاركة في ‘SPR-it out’ بدلًا من هنا؟”

“لماذا؟ أنا متدرب ايدول.”

“هذا أكثر ما يثير الدهشة.”

لم يرد دوها، أنهى طعامه بهدوء، وضع عيدانه بنظام على الصينية النظيفة، ثم نظر إلى وونهو الجالس أمامه.

“وأنت، وونهو؟”

“هاه؟ اسف، لم أسمع. ماذا؟”

“لو عاد الزمن، هل ستشارك مجددًا؟”

نظر يوغون وهاجين وتايهيون إليه في ان واحد. كان وونهو شاردًا نصف الوقت، فبدا عليه الحرج، حك رأسه وتراجع قليلًا، ثم هز رأسه ببطء.

“…لا أدري. ربما خمسون بخمسين؟”

ابتسم بخفة وعاد يدفن وجهه في الطعام.

ثم—

“إذًا، ماذا عنك يا هارو؟”

رفع هاجين رأسه وسأل هارو الجالس في الطرف المقابل تمامًا.

“هارو، لو استطعت أن تعيد الزمن، ماذا تريد أن تفعل؟”

تبدل السؤال قليلًا، لكن أحدًا لم يلاحظ.

من طرف الطاولة إلى طرفها.

تلاقت عينا هارو اللامعتان الصافيتان مع هاجين.

“أم، أنا….”

فكر هارو.

لو أمكن إعادة الزمن؟

أشياء كثيرة.

كان يريد أن يمنع تايهيون من أذى ذلك المدير السيئ، ويريد أن يعود إلى وقت معاناة اون تشان بسبب سونغوو ويوجه له ضربة، ويريد أن يمحو معاناة يوغون من التعليقات الخبيثة، وأن يمحو الاتهامات الزائفة التي لاحقت هاجين. ويريد أن يمنع ما حدث في الحفل المفاجئ الأخير،

ليس الان، لكن… إن لم تعجبه نتيجة الإقصاء المقبلة، فقد يرغب بالمحاولة مجددًا.

“أم، أنا….”

لكن كل ذلك مضى.

والان، دان هارو الذي لا يستطيع إعادة الزمن، فكر بلا قصد.

“حتى لو أعدت الزمن، أريد أن أعتلي المسرح معكم، هيونغ. بأي طريقة كانت. هذا يكفيني.”

مهما يكن— إذا كان معهم، ألن يستطيع تحمل أي شيء؟

هذا ما تعلمه منهم.

كالسماء الصافية بعد المطر.

“…حقًا؟ هذا مؤثر.”

ابتسم هاجين و اخفض رأسه.

ارتفع صوت اصطدام الأواني في القاعة بوضوح لافت.

وحين أوشكت وجبة العشاء الأخيرة بصفتهم ثلاثة عشر على الانتهاء، كان المطر في الخارج قد بدأ يتوقف تدريجيًا.

***

الليلة التي بدت طويلة على نحو غير معتاد مضت، وأشرق الصباح.

فتيان يحمل كل منهم حلمه وواقعه في صدره، خطوا الى داخل الاستوديو المألوف.

“مرحبا، هاجين.”

“اهلا، نونا.”

دخل هاجين الى غرفة الانتظار في الاستوديو حيث جرى تجهيز غرفة شعر ومكياج مؤقتة، وحيا الطاقم الذين لم يعتد عليهم فحسب، بل اصبح بينهم ود ايضا.

ما ان جلس في المكان المعد له حتى اقترب المدير المسؤول عن تصفيف شعره دائما، واخذ يمشط شعره وهو يسأل.

“كيف نرتب شعرك اليوم؟ بما انه لا يوجد عرض، سأفعل لك ما تريد.”

“اممم….”

كان هاجين يتفقد نماذج تسريحات الشعر عبر الجهاز اللوحي الذي ناوله اياه احد المساعدين، ثم اشار باصبعه الى تسريحة كانوا يسمونها عادة تسريحة الفاصلة.

“ما رأيك ان نجرب هذه؟ بما انني ارتدي قميصا اليوم.”

“حسنا، لنفعل ذلك.”

اعاد الجهاز اللوحي الى المساعد، وسرعان ما شعر بالاصابع المتمرسة تعبث بشعره.

الى جانبه كان تايهيون يتلقى المكياج، وخلفه كان يوغون—الذي أنهى لتوه جلسة تفتيح شعر— يتلقى توبيخا خفيفا من مصففة الشعر.

“بالمناسبة، هاجين، هل ستبقي شعرك هكذا حتى النهاية؟”

“عفوا؟”

“غدا النهائي. فكرت انه ربما من الجيد ان تجرب تغييرا في الصورة، شيئا يلفت الانتباه.”

سألت المديرة ذلك بينما كانت تقص اطراف شعره، فيما كان هاجين يراقب بقية المتدربين عبر المرآة.

عادت عيناه الى انعكاسه.

حين فكر في الامر، كانت تسريحته متشابهة في كل مرة. كان يصر على الشعر الاسود لتقليل استهلاك صورته… لكن ربما حان الوقت لملامح جديدة.

لمس شعره بخفة وابتسم.

“اذا نجحت، ما رأيك ان اجرب صبغه؟”

“من الجيد ان تفعل حين تستطيع. يبدو ان الشركة هنا لا تتدخل كثيرا. تواصل مع صالوننا لاحقا وتعال، سأجعلك تبدو جميلا.”

“اذا نجحت اليوم، سافكر في الامر واخبرك.”

“حقا، اتمنى من قلبي ان تنجحوا جميعا. رافقت برامج بقاء كثيرة، ومع ذلك لم اعتد بعد رؤية احد يُقصون.”

في هذا المكان اليوم، سيُقصى ثلاثة اخرون.

“…صحيح.”

شعر كانغ هاجين اليوم بثقل هذه الكلمات اكثر من اي وقت مضى.

2026/02/26 · 80 مشاهدة · 1314 كلمة
Solan
نادي الروايات - 2026