لم يخرج سوى ثلاثة اشخاص اضافيين، ومع ذلك بدا السكن اوسع من اي وقت مضى. بل كاد يبدو موحشا.
ولكي لا يركز على المقاعد الفارغة، قرر هاجين ان أركزانتباهه على ما يحدث امامه. في الردهة تجمع المتدربون العشرة الذين بقوا، وكل واحد منهم يحمل حقيبة سفر تحتوي اغراضه.
ففي هذا الصباح، ابلغهم جي سوهو بضرورة حزم الامتعة استعدادا للانتقال الى سكن اخر.
“حسنا، الجميع هنا؟ حتى لو نسيتم شيئا، المديرون سيتفقدون المكان لاحقا، فاخبرونا فورا اذا تذكرتم شيئا.”
“نعم.”
“المكان الذي سننتقل اليه هو سكن مؤقت ستقيمون فيه حتى النهائي. سنقسمكم الى شقتين، خمسة منكم مع مدير في كل منزل. لن يكون واسعا او مجهزا كما هنا، لكننا حاولنا توفير كل ما يلزم. فلنبذل جهدنا في الايام المتبقية.”
كان للانتقال سبب منطقي.
فالطابق الذي يقيمون فيه كان في الاصل جزءا من المبنى الجديد لميرو، جرى تعديله مؤقتا ليصبح سكنا. وبعد انتهاء النهائيوبدء التحضيرات الجدية للترسيم، كان من المخطط نقل المكاتب، لذلك كان موعد اخلاء الطابق مناسبا تقريبا.
كما ان سوهو وصف السكن الجديد بالمؤقت، لكن بنسبة كبيرة سيصبح ذلك المكان سكن الفرقة الجديدة التي سيحددها النهائي.
بعد اسبوع واحد فقط.
سيبقى بعضهم هناك، يحصلون على اسم فرقة جديد ويستعدون للترسيم.
وسيحزم بعضهم امتعتهم مرة اخرى ويغادرون.
‘إنها منافسة قاسية حقًا.‘
تذوق هاجين مرارة الواقع من جديد.
“حسنا، لننطلق.”
ومع ذلك، عليه ان يبقى.
فالترسيم ليس سوى البداية.
ومع هذا العزم، تحركت عدة حقائب، وصدر صوت احتكاك عجلاتها بالارض.
***
ما ان وصلوا الى السكن الجديد ووزعت الغرف، حتى ادرك كانغ هاجين انه نسي امرا بالغ الاهمية.
‘متى سينتهي هذا العالم الظالم؟‘
[اشعار النظام: يقدم النظام تعزية، قائلًا إنه ربما يكون من الأسهل الان أن تستمتع بالأمر فحسب.]
يا له من عزاء مريح فعلًا.
حدق هاجين في النافذة الزرقاء الشفافة، بنظرة باردةا. ارتبك سيبسام للحظة، ثم خفض درجة شفافيته واختفى تدريجيا.
“هيونغ. هيوني هيونغ(تايهيون) قال ان من يرغب بالذهاب الى قاعة التدريب ينزل بعد عشر دقائق.”
“حسنا.”
ما ان انتهت الفكرة حتى ظهر صاحب المرتبة الاولى في هذا “العالم الظالم” الجديد، زميله في السكن، دان هارو، يقفز نحوه بخفة. كان قد تراجع الى المركز الثامن في حفل الاقصاء الاخير.
ورغم خروجه من نطاق الترسيم، لم يبد عليه الانكسار. بل بدا هادئا…
‘يبدو كبطل أرنب صغير في فصل الحياة اليومية بعد أن هزم ملك الشياطين وأعاد السلام….’
ان يكون بطل الارنب هذا هو العائد بالزمن.
الفكرة ما زالت صادمة، لكن بما ان الابطال والفرسان والامراء يظهرون كثيرا في هذا النوع من القصص، فقد يمكن قبولها كسمة من سمات هذا النوع ادبي.
ربت هاجين على المقعد بجانبه، فجلس هارو فورا. نظر اليه لحظة، ثم شد خده الطري كالعادة.
“دان هارو.”
“اوو؟”
“انت بخير؟”
“ماذا تقصد؟”
“ترتيبك انخفض.”
“اه.”
اه؟ مجرد اه؟
لقد كنت انا الذي اقفز صعودا وهبوطا قلقا بسبب ترتيبك، فكيف يكون ردك مجرد “اه”؟
حين رأى هاجين رد فعل العائد المختار – على ما يبدو – وهو يتصرف بهدوء غير مبال، غير مدرك لما يجول في خاطر العائد الثابت، شعر بشيء من الضيق، فزاد قوة اصابعه التي تقرص خده. تحولت “اه” التي بدأ بها هارو كلامه الى “ااااه…!” في لحظة.
“ااه! يؤلمني!”
“انا الذي يؤلمني رأسي بسببك.”
“لماذا؟”
“من يدري….”
ما ان ارخى هاجين قبضته حتى احمر خد هارو الطري لثوان، ثم عاد كما كان. ولانه تعمد ضبط قوته، لم يبالغ هارو في الشكوى، واكتفى بفرك خده وهو ينظر الى هاجين.
“هارو.”
“نعم.”
“هل سيحضر والداك النهائي؟”
حاول هاجين ان يسأل وكأنه الامر عابر. لم يكن الامر صدفة مثلما حدث في لعبة الحقيقة مع يوغون سابقا، بل كان يتعمد ان يختبره، وهذا الاسلوب لا يناسبه ابدا.
رمش هارو لحظة، ثم هز رأسه.
“لا. كلاهما خارج البلاد.”
“وماذا عن جدتك؟ اليست في الريف؟”
“جدتي ليست بصحة جيدة… قالت إنها ستشاهده من البيت عبر التلفاز لأن السفر إلى سيول سيكون مرهقًا.”
اي ان لا احد سيأتي.
قالها ببساطة وهو يبتسم، فشعر هاجين بشيء ثقيل في صدره.
لو كانت حياة هذا الفتى منسوجة من كذبة، فربما كانت تلك الكذبة مكونة من امنياته الصادقة.
ربت على رأسه.
“…إذا لم يكن لديك خطط بعد النهائي، هل تود أن تتناول الطعام مع عائلتي؟”
“مع والديك؟”
“نعم. امي ستشتري لنا غالبي.”
“حقا؟ سيكون ذلك رائعا…”
قرص خده مجددا.
“لن اجعلك تدفع شيئا. ان كنت موافقا، تعال.”
“نعم. شكرا.”
ضحك هارو بخفة وهو يفرك خده. كان يبدو كفتى في السابعة عشرة نشأ دون شوائب، فازداد اضطراب هاجين.
“من سيذهب الى التدريب، لننزل الان.”
خرج رفيق السكن الجديد الآخر، جونغ سيوو، حاملاً حذاء التدريب.
باعتباره الأكبر سنًا، كُلف بدور مسؤول السكن لأسبوع. تفقد رسالة—على الأرجح من المدير—ثم طرق الأبواب لإبلاغ الاخرين.
رفع هارو يده فورا.
“انا ذاهب! هاجين هيونغ، ستأتي؟”
“لا. سأرتب اغراضي اليوم.”
“حسنا! سيوو هيونغ، لنذهب!”
نهض هارو حاملا اغراضه. في تلك اللحظة انفتح باب اخر، وخرج يوغون – زميل السكن الثالث والقنبلة الموقوتة الاخرى – وهو يرتب ملابسه,سأله سيوو.
“سننزل حالا. لا شيء تحتاج الى اخذه؟”
“لا.”
بعد فريق بلو فلير خمدت حدة التوتر بين الاثنين، لكن ذلك لم يقربهما.
‘ليست مسألة صراع. هما ببساطة غير مقربين.’
جونغ سيوو لا يسعى لتكوين العلاقات، ويوغون ليس من يقترب ممن لا يقترب منه. وفوق ذلك، مع صعود ترتيبه مؤخرا، بدا ان رأس يوغون ممتلئ بالافكار.
[اشعار النظام: لماذا…؟]
[اشعار النظام: اليس الترسيم أمرًا جيدًا؟]
[اشعار النظام: النظام في حيرة من يوغون!]
[اشعار النظام: @◇@?]
‘الترسيم يبدو رائعًا، لكنه في الجوهر عمل حر بلا أجر.’
تستمر الشركة في دعم الدراسة حتى التخرج من الثانوية، لكن مصروف المعيشة المخصص للمتدربين يُقطع، وهو أمر منطقي لأن السكن والطعام والنقل تُغطى.
لكن يوغون رب أسرة، لديه شقيقان في الإعدادية. قطع المصروف سيؤثر على عائلته. لا يستطيع العمل الجزئي أثناء الاستعداد للترسيم، وحتى بعد الترسيم سيحتاج وقتًا قبل تحقيق دخل فعلي بعد خصم تكاليف الاستثمار.
‘وحتى ذلك غير مضمون. متى سيأتي؟ وكم سيكون؟ من الطبيعي ان يقلق.’
من منظور عملي بارد، قد يبدو الانسحاب الان والبحث عن مصدر دخل مستقر أفضل….
‘لا بد أنه مثقل بالتفكير.’
ومع ذلك، لم يرى هاجين ان الانسحاب هو الصواب.
لم يكن وضع يوغون خطأه، وهو يعرف اكثر من غيره كم هو موجع ان يتخلى المرء عن حلمه ليتحمل ما ليس ذنبه.
[اشعار النظام: هل مر العائد الثابت بتجربة كهذه؟]
‘ليس انا.’
[ اشعار النظام : اذا من؟]
‘…شخص تخلى عن حلمه حتى يتمكن اولاده من ان يعيشوا بلا قلق مالي.’
حين تذكر والديه، اللذين كافحا بكل ما يملكان ليمنحا ابنيهما فرصة دراسة الفنون رغم ضيق الحال، شعر هاجين بأن الدموع تكاد تسقط دون سبب.
لا يحق له ان يحكم على وضع يوغون او يتدخل فيه… لكنه على الاقل لا يريد ان يصف يوغون الان بانه غير مسؤول او ان حلمه مجرد طمع فارغ.
“حقا… ما هذا السكن الخانق.”
ربما كان السكن المجاور اسهل. هناك، حتى لو انفجر جو اون تشان او جايدن او بارك جاييونغ، يكتفي لي دوها بالمشاهدة و يستنزف سيو تايهيون وحده.
تنهد هاجين واتجه الى الغرفة المخصصة له ليرتب امتعته.وما إن فتح الباب حتى تذكر لماذا بقي ملتصقًا بألاريكة بدلًا من الدخول مباشرة.
“…اه.”
“…….”
“كنت نائما؟”
“لا. يمكنك تشغيل الضوء.”
كان كيم وونهو مستلقيا على السرير السفلي. حين اضاء هاجين الغرفة، اغمض وونهو عينيه من شدة الضوء ثم استدار وغطى نفسه.
‘كيف وصلنا الى هذا الحد.’
منذ الحفل المفاجئ لم يتبادلا حديثا حقيقيا. لا يتجنبان بعضهما، وحتى تايهيون قال ان وونهو حل كثيرا من مشاكله الداخلية، ومع ذلك بقي الجو غريبا.
‘هو من كان يقترب اولا ويناديني هاجين هيونغ.’
لم يكن من الصعب على هاجين ان يبدأ الحديث، لكن التوقيت حساس. لم يكن يحمل ضغينة، لكنه لا يعرف تماما ما في قلب وونهو.
ومع انهما اصبحا يتشاركان الغرفة نفسها، لم يرد ان يبدو الامر محرجا. فتح حقيبته وتكلم بخفة.
“كيم وونهو، شاهدت كواليس الجولة الثالثة؟”
“…لا. ليس بعد.”
“كان لدينا لقطات كثيرة كـ جانغيكمز. ذكرتني باختبار نهاية الشهر.”
“حقا؟ علي ان اشاهده.”
كان يجيب بانتظام، لكن حماسه اخفت من السابق. تجاهل هاجين ذلك.
“كنا نستمتع وقتها.”
“نعم. كان متعبا، لكنه ممتع.”
“لو اخبرك احد حينها اننا سنصل الى فاينل ميرو ميـز، هل كنت ستصدق؟”
“…لا. ابدا.”
عند سؤاله بنبرة مازحة، ابتسم وونهو اخيرا وهز رأسه، ثم استدار نحوه. لم يكن ذلك شيئا كبيرا، لكن هاجين شعر بسعادة خفيفة، فاندفع قائلا ما كان يفكر فيه منذ مدة.
“لو ترسمنا معا وبقينا زملاء غرفة هنا… سيكون افضل، اليس كذلك؟”
في تلك اللحظة، بدا على وجه وونهو تعبير غريب جدا.
لم يكن حزنا. ولا خيبة. ولا فرحا. ولا اعتزازا.
شيء غير واضح.
وفوق وجهه ظهرت نافذة زرقاء شبه شفافة، في توقيتها المثالي المعتاد.
“…نعم. سيكون جيدا.”
أومأ وونهو، لكن هاجين لم يستطع ان يبتسم.
[اشعار النظام: ‘كيم وونهو’ يتفاعل معك. (نسبة التفاعل 37%)]
[اشعار النظام: لا يمكن تجنيده كحليف بسبب انخفاض نسبة التفاعل.]
أسبوع واحد فقط حتى النهائي.
وشعر هاجين ان ذلك الاسبوع سيكون طويلا… ووحيدًا.
*****
جنون ترى كانت بالتسعين