بمجرد أن جلسنا على كراسي المتجر، بادر لي يوغون فورا بتوجيه تحذير لي.

“لا تفعل.”

“…ألا تريد اكل الرامن؟”

نظرت بشوق إلى كوب الرامن الذي ملأت فيه الماء للتو في المتجر، فمزق يوغون غلاف عيدان الطعام الخشبية التي كان يحملها وسلمها لي وهو يجيب.

“قلت لا تتكلم. لا تتكلم. كل الرامن قبل أن ينتفخ.”

“جيني يموت اختناقا إذا لم يتكلم ولو دقيقة واحدة.”

“…هيونغ، انت تحاول العبث بعقلي مرة اخرى، مثل ذلك الوقت، اليس كذلك؟ تجعلني اكل شيئا ثم تثير المشاعر.”

آه، انكشف الأمر.

“لا تظهر تعبير أنك انكشفت. كل الرامن فقط. كل بسرعة ثم ندخل.”

ارتشف يوغون رشفة من قهوة العلبة التي اشتريتها له.

وبينما كان يحول نظره نحو السماء الليلية، ركزت انا على انهاء وجبتي الليلية امامي باستخدام العيدان التي اعطاني اياها، وبدأت التهام الرامن الساخن.

[اشعار النظام: أ، ماذا نفعل؟]

[اشعار النظام: النظام محبط لأن خطة العائد الثابت قد كُشفت…!]

كان سيبسام يثير ضجة بصوت رفرفة، لكنني ركزت بجدية على إنهاء الوجبة الليلية أمامي كما أمرني يوغون.

[اشعار النظام: أ، أتيت لأنك جائع حقا؟]

‘مستحيل. أنا ممتلئ.’

[اشعار النظام: لكنك الآن أكلت كوب رامن واحد، واثنين من كيمباب، وسجق واحد، وايس كريم حليب موز!]

‘بالضبط. في العادة يجب أن اكل كوبين من الرامن وسجقين ساخنين.’

[اشعار النظام: النظام ما زال غير قادر على فهم العائد الثابت ويقع في حالة ارتباك….]

[اشعار النظام: ヾ(。>﹏<。)ノ゙]

قلت لك اصبر قليلا.

أسكت سيبسام المزعج فضغطت Alt+F4، ثم أفرغت حتى آخر قطرة من مرق كوب الرامن المتبقي. لكنني اختنقت فجأة وبدأت أسعل، فسارع لي يوغون الذي كان لا يزال ينظر إلى سماء الليل بفتح زجاجة الماء التي كان يحملها بسرعة وسلمها إلي.

“هل أنت طفل فعلا؟ حتى دان هارو يأكل بهدوء.”

لوحت بيدي شاكرا لي يوغون رغم توبيخه الخفيف، وشربت رشفة من الماء، وعندها فقط هدأ السعال أخيرا.

“واو، الحرارة ضربتني فجأة.”

“أأعطيك منديلا؟”

“نعم. بما أنني انتهيت من الأكل، هل ننهض؟ هل يمكن رمي هذا داخل المتجر؟”

نهضت وكأنني لا أملك أي تعلق بالمكان واقترحت ذلك، فتغير تعبير لي يوغون قليلا. وعندما رأيته لا يرفع ظهره عن مسند الكرسي حتى بعد مرور أكثر من ثلاث ثوان على كلامي، أدركت أن خطتي نجحت.

‘متجر في شارع متأخر من الليل… هذه الأجواء لا يمكن الاستهانة بها.’

لم يكن عبثا أنني في ذلك الوقت كشفت كل معلوماتي الشخصية هنا أمام جونغ سيوو.

بينما أنظر إلى لي يوغون الغارق في مزاج المساء مثلما كنت أنا في ذلك اليوم، رفعت بصري إلى سماء سيول السوداء الخالية من النجوم.

قلت له مازحا بينما هو جالس بصمت.

“بما أنك قلت لي ألا أتكلم، فأنا لا أستطيع.”

“…….”

“لكن إذا شعرت بأنك تريد أن تقول شيئا… يمكنني أن أستمع.”

“…هاه، ما هذا.”

“لأنني هيونغ.”

بايس كريم حليب الموز الذي بقي منه نحو النصف، طرقت علبة القهوة في يد لي يوغون كأنني أرفع نخب.

تحركت عيناه نصف المغمضتين ببطء نحوي. ثم أطلق تنهيدة عميقة ومسح وجهه بيده الجافة.

بعد عدة حركات صغيرة من شفتيه الداكنتين المحمرتين، فتح لي يوغون فمه أخيرا.

“أنا… لست معتادا على مثل هذا.”

“مثل ماذا؟”

“الأمور الجادة. أنا أكره أن تصبح الأمور جدية. …لأن واقعي أصلا مرهق بما فيه الكفاية.”

كانت تلك اللحظة التي اتضح فيها سبب تعامل لي يوغون مع الأمور بخفة.

لم أعلق بشيء، واكتفيت بإسناد ذقني على يدي والاستماع إليه.

“ولهذا أيضا تشاجرت مع سيو تايهيون. بالنسبة لي، الترسيم مسألة تتعلق بحياتي مباشرة، لكنه يواصل القول إنه يجب أن نبذل جهدا أكبر لنحقق النتيجة معا. ويسألني إن كنت سأتخلى عن الترسيم الآن.”

“…….”

“لذلك قلت ذلك في لحظة غضب. قلت إنك محظوظ لأنك تستطيع تحقيق أحلامك براحة.”

“يا للهول.”

“…أعلم أنني أخطأت. أنا أعرف جيدا ماذا يعني ذلك الحلم بالنسبة لتايهيون، لكن في ذلك الوقت خرجت الكلمات هكذا.”

حقا… سبب كافي للشجار.

لسبب ما شعرت بجفاف في حلقي عندما عرفت أن سبب شجارهما أعنف مما توقعت. أغلقت فمي وبدأت العق ايس كريم الموز بصمت، بينما كان ليو غون يراقب رد فعلي قليلا قبل أن يخفض نظره إلى الأرض.

“في ذلك الوقت… في السيارة… أنا اسف على ما قلته.”

كما توقعت، كان الأمر ما يزال يثقله، لذلك اعتذر لي يوغون متأخرا.

اكتفيت بالنظر إليه بصمت.

أنا أعرف الشعور الذي يمر به لي يوغون. لأنني مررت به من قبل.

ذلك الشعور يمكن تعريفه بكلمات كثيرة.

عقدة نقص، الاستياء، الشعور بالعزلة، القلق، الضياع، الاختناق، الاستعجال….

ربما حتى صاحبه نفسه لا يستطيع تفسير كل ما يشعر به، ذلك الإحساس المركب والمعقد كان أحيانا يجعل الإنسان يذبل تماما.

‘ماذا ينبغي أن أقول له….’

ظللت أحدق في سماء الليل الخالية من أي سحابة أو نجموم، وأختار كلماتي بهدوء.

وعندما مر نسيم بارد على وجنتينا، قدمت أخيرا كلمة واحدة — بعد طول تفكير — إلى لي يوغون، كما لو كانت هدية.

“يوغون.”

“…نعم.”

“أنا هيونغ.”

“……؟ أعلم.”

“لا، يبدو أنك لا تعلم.”

“…….”

“أنا هيونغك. لست صديق ولا أخ أصغر.”

ربما… أنا أول شخص في حياتك يحتل هذا المكان.

***

احتاج لي يوغون وقتا طويلا ليفهم ما الذي كان يقصده هاجين بكلامه.

‘من الطبيعي أنه هيونغ، فماذا يكون غير ذلك.’

لم يبدأ شيء مختلف يرن في ذهنه إلا عندما أخذ يفكر مليا في كلمة هيونغ.

‘هيونغ… صحيح، هو هيونغ.’

وعندما فكر في الأمر، أليس هذه أول مرة يكون له فيها هيونغ قريب إلى هذا الحد؟

حتى أولئك الراقصون الأكبر سنا الذين كان قريبا منهم إلى حد ما… في الحقيقة كانوا مجرد “هيونغ” بالاسم فقط، ولم يتدخلوا في حياة لي يوغون إلى هذا الحد.

كان يوغون يغبطهم لأنهم يستطيعون الرقص بحرية، بينما كانوا هم يشعرون بالشفقة على حياة يوغون المختلفة عنهم، وفي الوقت نفسه يثقلهم التعامل معها.

وبعبارة أخرى، هذه أول مرة في حياة لي يوغون يظهر فيها “هيونغ” سيبقى معه حتما لسبع سنوات قادمة.

كلما أعاد التفكير في هذه الحقيقة، تسلل إليه شعور غريب، فهز كتفيه دون سبب وعدل جلسته.

رأى هاجين يبتسم بخفة وهو ينظر إليه. وبدا لي يوغون وكأن مشاعره المتحمسة قد انكشفت، فرفع سحاب سترته حتى نهاية عنقه.

“حسنا، مسألة كيف يكون الشعور عندما تحصل فجأة على ثلاثة هيونغ موثوقين… سنكتشفها بالتدريج لاحقا.”

“…هل هم موثوقون فعلا؟”

“اصمت يا هذا. هيا نذهب الآن. سيوو هيونغ قال إنه إذا لم نعد خلال عشر دقائق فسيطلق سيو تايهيون ليبحث عنا.”

“وكأنه كلب كشف…”

وبينما كان لي يوغون يقول ذلك بدهشة، وقف هاجين وبدأ يجمع ما أكله.

ظل لي يوغون يراقبه قليلا، ثم أخذ القمامة من يده بصمت.

“ما الأمر؟ هل لهذا أيضا فرز خاص للنفايات؟”

“قالوا إن مثل هذه الأمور يقوم بها الدونسينغ.”

“أي عجوز متسلط قال ذلك؟ أحضره هنا. من علمك هذا الهراء؟”

“…على أي حال، أنت غريب.”

ابتسم لي يوغون أمام رد هاجين الذي يخالف توقعاته دائما، ثم حمل القمامة كلها ودخل إلى المتجر.

مع أنه رتب هذه الأشياء مئات المرات أثناء عمله في المتجر، إلا أنه لسبب ما كاد اليوم يضع البلاستيك في سلة النفايات العادية عدة مرات.

بعد أن رمى القمامة أخيرا وخرج، كان هاجين قد غطى قبعة البيسبول بقبعة السترة، ثم نقر كتف لي يوغون بكتفه.

“في المرة القادمة دعني أفعلها أنا. لا أريد أن تفسد عادات الهيونغ.”

“…يا لك من شخص.”

“هذا الوغد. تضحك بينما يتحدث هيونغ؟”

“قرر أولا إن كنت متسلط أم لا.”

وهكذا استمر الاثنان يتشاجران بخفة وهما يسيران ببطء نحو السكن.

ربما لأن طولهما متقارب، كانت خطواتهما متشابهة أيضا.

وبعد أن مشيا طويلا وهما يتبادلان حديثا تافها، قال هاجين فجأة.

“يوغون.”

“ماذا؟”

“هيونغ يعيش في شقة تحت الأرض.”

“…….”

“لم أكن أعرف أن الناس يطلبون الدجاج المقلي كلما أرادوا إلا عندما وصلت إلى الثانوية. في منزلنا كنا نأكله مرة في السنة إن حدث ذلك. وحتى إن طلبناه نطلب دجاجة واحدة ونتقاسمها نحن الأربعة.”

مرة أخرى كلام غير متوقع. لكن بالنسبة ليوغون، كان ذلك نوعا من الفقر المألوف.

لأنه لم يتخيل أبدا أن ظروف عائلة هاجين صعبة، التزم يوغون الصمت.

أما هاجين فواصل كلامه وكأنه لا يهتم، وهو يسير خطوة أمام يوغون، وكأنه يعلن أمرا.

“دعنا ننجح.”

كانت رغبة تشبه الدعاء، فأومأ يوغون برأسه.

“…نعم.”

ابتسم هاجين ابتسامة واسعة وكأنه راض عن جواب يوغون. أما يوغون فابتسم هو أيضا ابتسامة مريحة، لأول مرة منذ انتهاء برنامج البقاء.

“أوه؟ هاجين هيونغ! يوغون هيونغ!”

“ما هذا؟ دان هارو؟”

ربما كانا في طريق العودة بعد إنهاء البث المباشر، إذ خرج هارو ودوها من الزقاق المقابل ولاحظا الاثنين فركضا نحوهما.

تحرك جسد يوغون غريزيا خوفا من أن يتعثر هارو وهو يركض بسرعة، لكنه توقف عندما رأى أن دوها يبطئه من الخلف بينما هاجين يستقبله من الأمام.

“هل أنتم ذاهبون إلى السكن؟ أين كنتم؟”

“بعد التمرين خرجت مع يوغون لتمشية قصيرة، ونحن عائدان الآن. هل انتهى بثكم جيدا؟”

“نعم! قال المدير إنه سيقلنا بالسيارة، لكن أنا ودوها هيونغ أكلنا كثيرا، فجئنا مشيا عمدا حتى نهضم.”

“أحسنتم. أحسنت يا لي دوها. بالمناسبة، هل استرجعتم ثمن ساندويتش البيض بالمايونيز الذي لم يكن فيه البيض بالمايونيز؟”

“هاه؟ هيونغ، هل شاهدت البث كله؟”

بينما كان هارو يتشبث بهاجين ويثرثر منذ لحظة لقائهما، تذكر يوغون تلقائيا إخوته الصغار في البيت.

…ربما يجب أن أتصل بالمنزل اليوم.

وبينما كان يفكر بذلك، لاحظ أن دوها الذي كان يقف بجانب هارو اقترب منه فجأة.

“……؟”

“ماذا أكلت؟”

“هاه؟ آه، لأن هيونغ قال إنه جائع….”

لأن يدك حمراء، ظننت ربما يكون دما. وإن لم يكن فذلك جيد.

“آه.”

عندما أشار دوها إلى يده بعينيه، نظر يوغون أخيرا إلى يده. يبدو أنه أثناء رمي القمامة قبل قليل علق بها بعض مرق الرامن أو الصلصة.

“يبدو أن شيئا علق بيدي عندما كنت أرمي القمامة. ليس دما.”

“إذن لا بأس.”

أومأ دوها برأسه بعد جواب يوغون، ثم أخرج منديلا من جيبه ومده إليه.

“بقي معنا كثير منها عندما أكلنا الساندويتش قبل قليل، فأحضرتها معي. امسح يدك بهذا.”

“آه، نعم. شكرا لك، هيونغ.”

أخذ يوغون المنديل من دوها وبدأ يمسح يده. وفي تلك اللحظة كان هارو وهاجين قد تقدما كثيرا، فالتفتا إلى الخلف وناديا عليهما.

“يا أنتما! ماذا تفعلان؟ هيا بسرعة. إن تأخرنا سيطلق س وو هيونغ سيو تايهيون فعلا ليبحث عنا.”

“يوغون هيونغ! يجب أن نسرع! اونتشان هيونغ قال إنه سيقفل باب الغرفة إن تأخرنا!”

“حسنا، قادمون. هيا بنا أيضا يا يوغون.”

“…نعم.”

تداخلت أصوات خطوات الأربعة على الطريق الليلي الهادئ.

كانوا فقط عائدين إلى المنزل،لكن لسبب ما بدت خطواتهم خفيفة بشكل خاص.

أما الآن… يعيشون معا، يعملون معا، ويتدربون معا.

***

كأن تلك اللحظات التي ارتجف فيها خوفا من فكرة: ‘هل سيأتي الغد أصلا؟’ لم تكن سوى حلم، فقد مضى الوقت سريعا، وكأنه يتحدى الجميع بأن أحدا لا يستطيع الإمساك به.

وانقضى الصيف الحارق الذي لم يترك فيه عرق الفتيان جزءا من أرضية غرفة التدريب إلا وتبلل.

وأخيرا…

“مستحيل. أنا… هل سأترسم اليوم؟”

لقد أشرق يوم ترسيم كايروس.

2026/03/05 · 60 مشاهدة · 1661 كلمة
Solan
نادي الروايات - 2026