استيقظ جونغ سيوو فجأة بعدما شعر، وللمرة الاولى منذ وقت طويل، بإحساس ‘الانتعاش’.
“…استيقظت، هيونغ؟”
تدريجيا بدأ بصره الضبابي يستعيد تركيزه ببطء.
اول ما وقع عليه نظره كان تايهيون وهو يضبط شدة ضوء المصباح الجانبي بينما يضع قناعا على وجهه.
حاول سيوو ان يقول شيئا، لكن مجرد شد عضلات عنقه جعله يعبس من شدة الالم، فقد كان حلقه متورمًا.
لاحظ تايهيون ذلك، فقرب كوب فيه قشة إلى سيوو.
تدفقت مياه دافئة عبر حلقه.
وبينما كان سيوو يفكر انه يُعامل وكأنه طفل، قال تايهيون ببرود.
“حتى لو لم يعجبك الامر، لا يمكن فعل شيء. انت لا تتذكر حتى انك ذهبت الى المستشفى قبل قليل، صحيح؟”
انا؟ ذهبت الى المستشفى؟
اخر ذكرى لدى جونغ سيوو كانت في غرفة التدريب.
يتذكر ان هاجين قال له شيئا عن ‘طفل’ او ما شابه، وبعد ذلك…
‘آه… صحيح. لقد تشاجرت مع كانغ هاجين.’
استحضر سيوو اخر ذكرى واضحة بقيت في ذهنه.
نعم. لقد تشاجر مع هاجين.
كان يتصرف وكأنه لن يتحدث معه مرة اخرى، ثم منذ يوم ما بدأ يستفزه عمدا، لذلك في البداية تجاهله.
لا، في الواقع كلمة ‘تجاهل’ ليست دقيقة تماما.
كان سيوو يرى انه تفادى الشجار الذي كان هاجين يحاول افتعاله.
‘ثم… سمعت الامر من هارو….’
بعدما عرف ان إدارة الجداول التي ظن انها جاءت من الشركة كانت كلها تدبيرا من هاجين، فقد اعصابه للحظة.
سبب غضبه كان بسيطا.
لانه ظن ان هاجين يفرغ غضبه عليه بصدق.
وهذا اكثر ما اغضبه.
فبينما كان هو يفكر في خطئه تجاه هاجين ويحاول معرفة كيف يمكن اعادة العلاقة ‘الى ما كانت عليه’، بدا وكأن هاجين قد حسم امره تماما بتدمير العلاقة بينهما.
‘حسنا… في النهاية انا من انتهى ملقى هكذا، لذلك لا يحق لي الكلام.’
رغم أنه وضع حدودا واضحة مع تايهيون وهاجين، وأصر أن لا يتأثر عمله، انتهى به الامر طريح الفراش ويحتاج إلى رعاية، كما قالا تماما.
وكان الامر مضحكا قليلا انه لم يدرك حتى انه وصل الى هذه الحالة.
فقط بعدما وصل الامر الى هذا الحد، اعترف سيو اخيرا انه كان مدفوعا الى حافة الانهيار بسبب قلة النوم.
وعندما نام اخيرا نوما عميقا بمساعدة الدواء، شعر بوضوح ان رأسه الذي كان كأنه مغطى بطبقة من ضبابية قد اصبح صافيا.
بصوت اجش ثقيل سأل سيو تايهيون بصعوبة.
“…كم نمت؟”
“ذهبت الى المستشفى واخذت محلولا… ثم عدنا الى السكن واخذت الدواء ونمت حتى الان، لذلك… ربما ست او سبع ساعات.”
“…….”
“رئيس القسم كان مذهولا. قال انه حتى بعد ان ازلنا كل الجداول ومنعناك من حضور الدروس، كيف يمكن ان تمرض من الارهاق. تورم الحلق والحمى بسبب التهاب اللوزتين. ويبدو ان لديك ايضا اعراض برد. على اي حال قال انه في الوقت الحالي ليس هناك شيء سوى ان تتناول الدواء وتنام جيدا.”
كان صوت تايهيون هادئا، لكنه يحمل شيئا من الرطوبة.
كان يحاول ان يبدو فظا قدر الامكان، لكن ارتجاف نهايات كلماته كشف ان مشاعره مختلطة ومعقدة.
عندها فقط تذكر سيوو انه لم يتحدث مع تايهيون منذ وقت طويل ايضا.
منذ اليوم الذي تشاجر فيه مع هاجين لأول مرة، يوم عودتهما من المتجر، عندما افرغ غضبه دون قصد على تايهيون، اصبحت العلاقة بينهما محرجة.
والاسوأ أن تايهيون اعلن لاحقا “اضراب” لأنه كان غاضبا، مما جعل لقاءهما أصعب.
كان لدى تايهيون الكثير من الجداول الفردية، بينما كان سيوو يقضي معظم وقته في الغرفة كلما لم يكن لديه جدول.
رفع جونغ سيوو يده ببطء ووضعها على جبينه الساخن.
‘آه، جونغ سيوو… لقد كنت مجنونا فعلا.’
لانه يعلم جيدا ان ما فعله مع تايهيون يومها لم يكن سوى تنفيس غضب، لم يكن لديه ما يقوله دفاعا عن نفسه.
ان يفرغ غضبه على شخص اصغر منه بثلاث سنوات…وفوق ذلك شخص كان يقلق عليه.
بعدما استعاد عقله المعتاد بفضل النوم الذي عوض قليلا من الارهاق، تنهد جونغ سيوو بعمق.
وفي تلك اللحظة طرق احدهم الباب.
“……?”
“…تايهيون، لديك بث اذاعي. يوغون ينتظرك.”
“آه. نعم. سأخرج.”
الشخص الذي فتح الباب قليلا ودخل كان دوها.
ومن خلفه كان اونتشان وهارو يرتديان اقنعة ويحاولان التطلع الى داخل الغرفة برؤوسهما فقط.
عندما التقت عيون سيوو بعيونهما، سألاه بسرعة,
“سيوو هيونغ ، هل انت بخير؟ لقد طبخنا حساء الارز. اذا كنت جائعا اخبرنا.”
“يوغون هيونغ طبخ عصيدة خضار بالبيض وهي لذيذة جدا! يجب ان تأكل قبل ان تأخذ الدواء… آه، هل احضرها الان؟”
“لا يا هارو. لا بأس، لا بأس. لاحقا، لاحقا. سيوو هيونغ استيقظ للتو.”
كانا يرفرفان بارتباك مثل جروين صغيرين، لذلك ابتسم سيو قليلا رغم مرضه.
ذهب تايهيون ليمسك بهارو واونتشان اللذين بدوا وكأنهما سيحضران القدر كاملا، ودخل دوها، شريك الغرفة الحالي، الى الداخل.
ربما كانوا قد قسموا مناوبات التمريض بينهم.
“…لم أتخيل أنني سأتلقى الرعاية منك يا دوها.”
“تايهيون ويوغيون لديهما جداول، والماكني لديهم تسجيل غدا، لذلك لا يمكنهم المخاطرة بالمرض.كان علي انا القيام بذلك.”
“دوها، هل أصبت بالعدوى؟ نحن نتشارك الغرفة.”
“أنا أقضي معظم وقتي في الاستوديو. جداولنا لا تتقاطع كثيرا.”
اومأ سيو برأسه بارتياح عند كلام دوها.
ثم اغلق عينيه مرة اخرى عندما بدأ النعاس الناتج عن الدواء يعود.
رغم شعوره بالخمول، لم يغرق مباشرة في النوم.
عندما فتح عينيه قليلا مجددا، رأى محاولة دوها المحرجة لكنها الصادقة لتبديل المنشفة المبللة على جبينه، فضحك بخفة.
كان واضحا أن دوها يتبع الملاحظات التي كتبها شخص ما عن كيفية العناية بالمريض، لأن الماء كان يقطر بشكل غريب خلف أذن سوو.
لكن البرودة كانت منعشة قليلا، لذلك لم يمانع.
“…دوها.”
“نعم، هيونغ.”
“اين هاجين؟”
بعينين نصف مغمضتين سأل سيوو.
صمت دوها قليلا، ثم بينما كان صوت كيس الدواء يتجعد بين يديه.
“استدعاه رئيس القسم. قال ان الخطة تحتاج الى تعديل قليلا، بصفته القائد.”
“بسببي؟”
“حسنا… حالة هيونغ الصحية ستكون اهم عامل.”
كان دوها يظن ان سيوو سيعود للنوم، لذلك خفض ضوء المصباح الذي كان تايهيون قد رفعه قليلا.
ثم قال ببساطة.
“هيونغ هو المغني الرئيسي لفرقتنا.”
فكر سيوو انه لا يعلم كم مرة سمع كلمة المغني الرئيسي خلال الايام القليلة الماضية، فضحك بخفة.
وعندها، وكأن دوها يفهم معنى تلك الضحكة، اضاف كلامه بشكل طبيعي.
“الجميع قلق عليك حقا.”
في الظلام، ظل سيوو صامتا ينتظر ان يكمل دوها كلامه.
ولم يكن السبب فقط ان حلقه يؤلمه فلا يملك القوة للرد.
“لذلك عندما تستيقظ، حتى لو لم يكن مع هاجين، على الاقل قل لبقية الاولاد كلمة واحدة فقط انك بخير.”
فقط… الان يبدو انه بحاجة الى النوم قليلا.
***
عندما فتح عينيه مرة اخرى، بدا ان الوقت قد اصبح ليلا تماما.
ربما لأن مفعول الدواء بدأ يعمل، شعر ان الحلق الذي كان متورما لدرجة انه لم يستطع الكلام قد هدأ قليلا.
كما ان جسده الذي كان ثقيلا و مرهقا بشكل لا يحتمل اصبح اخف قليلا.
كان نظره ضبابيا بسبب النعاس.
كان الليل مظلما، وفوق ذلك لم يكن يرتدي نظارته، لذلك لم يكن يرى جيدا.
مد سيوو يده غريزيا بجانب السرير يبحث عن نظارته، فأمسك شخص ما بالنظارة ووضعها في يده.
ظن سيوو بشكل طبيعي ان ذلك هو دوها، لكن عندما ارتدى النظارة، كان الشخص الذي امامه هو هاجين.
كان هاجين يمدد جسده وهو ينظر الى الوقت في هاتفه.
“كيف تشعر بعد ان نمت اثنتي عشرة ساعة متواصلة؟”
“…اشعر بالانتعاش.”
“يبدو ان الحمى قد انخفضت تماما. في الاصل فكرت ان اوقظك في المنتصف لتأكل العصيدة وتأخذ الدواء، لكنك كنت نائما بعمق شديد لذلك تركتك.”
وعلى عكس القلق، كان هاجين ‘كما هو عادة’.
لم يكن متعجرفا، ولا وقحا، ولا مستفزا، ولا ساخرا.
كان يتحدث تماما بنفس طريقته المعتادة.
بل… كانت طريقته هذه المرة تبدو اكثر ارتياحا قليلا من هاجين ‘المعتاد’.
“هيونغ.”
“……?”
كان سيوو يلتزم الصمت لأنه لم يستطع فهم تصرفات هاجين اطلاقا، لكنه رفع نظره عندما ناداه.
لم يكن ضوء المصباح الخافت يضيء سوى محيط السرير بالكاد، لذلك لم يستطع رؤية تعبير هاجين الجالس بعيدا عن السرير بوضوح.
وعندما ادار سيوو رأسه بصعوبة لينظر اليه، قال هاجين.
“انا اسف.”
“…….”
“على تصرفي بوقاحة خلال الايام الماضية. لم يكن الامر لأنني اردت حقا ان اتشاجر معك.”
“…اذا ماذا؟”
“كنت اريد ان اعتذر لك، لكن لم يكن لدي سبب اعتذر عنه.”
ماذا يقول هذا الان؟
حتى بينما عبس سيوو دون وعي من سير الحديث غير المفهوم، تابع هاجين كلامه بهدوء.
“بصراحة… في ذلك اليوم في المتجر. لا انت ولا انا ارتكبنا خطأ تجاه الاخر، صحيح؟ مهما فكرت في الامر حتى ينفجر رأسي، هذا هو الاستنتاج الذي اصل اليه.”
كان سيوو يفكر بالامر بالطريقة نفسها.
في النهاية كان الامر مجرد ان كلا منهما شعر بالاستياء من موقف الاخر، لكن اذا سأل احد من اخطأ فعلا…
‘انا من كان اكثر طفولية. اكبر منه بسنتين ومع ذلك قلت كلاما قاسيا فقط لأنني كنت مستاء.’
وهو يفكر بذلك، رفع سيوو جسده ببطء.
اسند ظهره الى جانب السرير ونظر الى هاجين، فناول هاجين سيوو كوب من الماء.
شعر سيوو بدرجة حرارة الماء التي كانت بين الدفء والفتور، ثم اخذ رشفة.
وعندما انتهى، اخذ هاجين الكوب منه ووضعه على المكتب ثم تابع كلامه.
“اذا… لنعتبر الامر متعادلًا يا هيونغ.”
“……متعادل ماذا؟”
“لنعتبر ان الخطأ من الطرفين وننهي الامر بالتصالح. …بصراحة كلامك عن المغني الرئيسي جونغ سيوو جرحني قليلا. لكنني تصرفت بوقاحة اكثر خلال الايام الماضية، لذلك لنقل انني انا من يعتذر فقط. لأن خطئي اكبر قليلا.”
امام هذا الطلب الوقح جدا، احتاج سيوو لحظة ليفكر فيما سمعه للتو.
وبعد ان فهم ما يقصده، لم يستطع سوى الضحك من شدة عدم التصديق.
“هاها… آههاها!”
انفجر سيوو بالضحك من شدة المفاجأة.
كان يعلم ان شخصية هاجين يصعب توقعها، لكن مع ذلك لم يتخيل ابدا انه سيقترح انهاء الحرب الباردة التي استمرت اكثر من اسبوع بهذه الطريقة المباشرة.
بعد ان ضحك طويلا، مسح سيوو وجهه الجاف بيده وفتح فمه.
“…هاجين.”
“نعم.”
“انت حقا غريب جدا.”
“قررت ان اجرب ان اكون اكثر وقاحة. اذا لم افعل ذلك، شعرت انني لن استطيع التصالح معك ابدا.”
قال هاجين ذلك بصوت صادق.
“انا لا اريد ان تكرهني يا هيونغ.”
“…مع انك تقول ذلك، الا انك تماديت كثيرا خلال الايام الماضية.”
“كنت اتمرد فعلا وكأنني اراهن بحياتي. بصراحة كنت مستعدا لان تضربني مرة واحدة على الاقل.”
ماذا يمكن ان يقول لشخص يقول انه تمرد وهو مستعد لتلقي ضربة فقط لأنه يريد التصالح؟
ضحك سيوو مرة اخرى من غرابة الموقف.
وعندها، وبعد ان نظر هاجين الى تعبير سيوو بحذر، اضاف جملة اخرى.
“…الا يمكنك ان تتصالح معي؟ انا دونسينغ اصغر منك بسنتين فقط، فأمنحني فرصة واحدة. سأحسن التصرف من الان فصاعدا.”
بدا صوت هاجين وهو يقول ذلك صادقا بشكل واضح.
وفي النهاية لم يستطع سيوو سوى ان يضحك مرة اخرى ثم يومئ برأسه.