“إنه البحر―!”
“تمهل قليلًا، هارو.”
“دعه وشأنه. لن يتعلم إلا بعد أن يعثر ويبكى.”
ما إن نزلوا من السيارة، حتى حاول جونغ سيوو إيقاف دان هارو الذي اندفع راكضًا نحو البحر بأقصى سرعة. لكنه لم يستطع سوى إطلاق ضحكة عندما سمع كلام لي يوغون، الذي مد جسده كما لو كان عجوز رأى كل شيء وهو يتثاءب. ومع ذلك، أبطأ خطواته التي كانت تتبع هارو، إذ كان يثق إلى حد ما بخبرة يوغون المميزة في “رعاية الأطفال”.
“لنسترح هنا قليلًا قبل أن ندخل. اتصل بي المشرف وقال إن ترتيب الفيلا لم يكتمل بعد.”
“هيونغ، لماذا لا تبقى معنا وتستمتع قليلًا؟ ألا تشعر بالتعب؟”
“هل التسكع معكم يُعد راحة حقًا؟ هذا سيكون عملًا.”
“لقد قدت منذ الفجر، لا بد أنك متعب. استرح قليلًا، سنهتم نحن بالأطفال.”
“حسنًا، إذًا. سأغفو قليلًا. يجب أن أذهب لاحقًا لإحضار تايهيون أيضًا….”
تثاءب المدير كوون ووك وعاد إلى مقعد السائق. سيوو، الذي أصبح الآن يعتبر ووك ضمن فئة “الأشخاص الذين يمكن الوثوق بهم”، أعطاه حتى وسادة الرقبة التي تركها في المقعد الأمامي ليتمكن من الراحة بشكل صحح.
في تلك الأثناء، يوغون الذي قال إنه سيترك هارو يسقط ويتعلم، كان قد لحق به بالفعل ويسير خلفه بهدوء على بعد نحو خمس خطوات.
‘هل هذا… نوع من غريزة الرعاية الفطرية؟’
جلس لي دوها على الرمال التي كانت دافئة إلى حد ما، يراقب المشهد بأكمله بفضول صادق. لم يُطلب من يوغون أن يكون حارسًا أو مربيًا، ومع ذلك كان دائمًا يعتني بالأصغر منه في مثل هذه المواقف. وكان دوها يتساءل عن المنطق الكامن خلف تصرفاته.
لم يكن البحر في شهر مارس دافئًا. كانت الرمال تسخن تحت شمس الصباح، لكن الرياح التي تمر على أنف دوها ما زالت باردة.
دوها، الذي كان يهتم بصحته منذ صغره بسبب ممارسته للرياضة لسنوات، خلع الكماة بشكل تلقائي. وبجانبه، كان سيوو يدهن واقي الشمس بعناية على وجهه ويديه.
‘كم هو هادئ.’
لم تتح لدوها فرص كثيرة للاستمتاع بالشاطئ طوال حياته، ولم يسبق له أن زار الساحل الجنوبي من قبل. وكان الشاطئ الجنوبي الذي يراه لأول مرة أكثر هدوءًا ونظافة وعزلة مما تخيله.
“واااه! يوغون هيونغ! اهرب!”
“كنت أعلم أن هذا سيحدث….”
“آه! لم أحضر سوى حذاء واحد!”
فجأة، جاءت موجة كبيرة. كان هارو ويوغون يكتبان على الرمال المبللة بأصابعهما، ثم بأآ يركضان بصخب مبتعدين عن مياه البحر المتقدمة.
أما سيوو، الذي أنهى وضع واقي الشمس بعناية، فقد جلس تحت مظلة في الظل يقرأ كتابًا أحضره. ورغم أن دوها لم يستطع منع نفسه من التساؤل لماذا وضع كل ذلك الواقي ثم جلس في الظل، إلا أنه تقبل الأمر ببساطة لأنه سيوو، وأومأ لنفسه.
ثم، فجأة، تذكر شخصًا لم يكن في مجال رؤيته.
“……؟”
أين ذهب هاجين؟
تذكر دوها وجود صديقه الوحيد من نفس العمر، فنظر حوله. لم يكن غريبًا أن يتوقفوا في مكان ما أثناء الجداول وينسون أحد الأعضاء بسبب خطأ في العد.
“……آه.”
لحسن الحظ، لمح دوها صديقه قريبًا، فتنفس الصعداء. وبمعرفته بهاجين، حتى لو تُرك في مكان ما دون هاتف، فمن المحتمل أنه سيوقف أي شخص ويطلب توصيلة حتى يعود إلى السكن.
لكن هاجين كان في الواقع يصور هارو ويوغون بكاميرا فيديو اشتراها مؤخرًا. كان قد وضع معظم أول أرباحه في الادخار، باستثناء مبلغ بسيط، وكانت كاميرا الفيديو واحدة من القليل من الأشياء التي اشتراها.
عندما سأله دوها لماذا اختار كاميرا محمولة يدوية بدلًا من كاميرا أفضل، أجاب مبتسمًا.
-لا شيء… أردتُ فقط أن أستعيد البدايات. …هذه كانت أول كاميرا لي.
كان جوابًا غريبًا بعض الشيء، لكن دوها لم يهتم كثيرًا. فهاجين دائمًا ما يقول أشياء غير مفهومة من حين لآخر.
‘لو قالها شخص اخر، لسألته عما يقصده.’
كان دوها يعترف لنفسه بأنه يتساهل مع هاجين بشكل خاص.
حتى الأمور التي لا يستطيع فهمها بعقليته القائمة على تحليل الظواهر، كان يقبلها حين تصدر من هاجين.
لم يكن ذلك لأن دوها يمنح هاجين معاملة خاصة، بل لأنه ناتج عن الثقة المبنية على التجربة. تلك الثقة بدأت عندما منح هاجين، الذي كان الجميع يراه راقصًا سيئًا، الفرصة لدوها ليرقص بثقة.
منذ لقائه بهاجين، لم يفهم دوها أفعاله بالكامل أبدًا، لكن النتائج كانت دائمًا مرضية.
“دوها.”
“……؟”
بينما كان غارقًا في أفكاره، اقترب منه هاجين فجأة، بعدما كان يصور من بعيد. ومع الشمس خلفه، كان من الصعب رؤية تعبيره، لكن صوته كان واضحًا.
“هل يمكننا التحدث قليلًا، أنا وأنت فقط؟”
“…….”
“…لديّ طلب منك.”
“ما هو؟”
رد دوها بسهولة، لكن هاجين تردد على غير عادته، وأغلق فمه قبل أن يتكلم.
“الأمر… غريب قليلًا. حتى لو أخبرتك، قد لا تفهم ما يعنيه.”
هل سبق أن تردد هاجين في قول شيء؟
رغم أن معرفته به لم تتجاوز عامًا، إلا أن هذا الجانب منه كان جديدًا عليه تمامًا.
فكر دوها قليلًا.
ثم اتخذ قراره.
“هل هو أمر لا بد منه؟”
“…نعم.”
“هل هو غير قانوني؟”
“لا.”
“حسنًا إذن.”
“…….”
“أخبرني. سأستمع.”
على أي حال، لم يفهم دوها اختيارات هاجين بالكامل يومًا.
لكنه كان يثق دائمًا بالنتائج التي يصنعها هاجين.
لم يكن هناك أي تردد في إيماءة دوها الحاسمة.
***
استيقظ دان هارو فجأة من نومه.
لابد أنه لعب بقوة شديدة لدرجة أنه لم يدرك حتى متى غفا، لأن جسده بالكامل شعر بثقل وكأنه غارق في الماء، مبلل ومثقّل.
‘متى نمت…؟’
حاول أن يتذكر.
تذكر كيف اندفع بحماسٍ على الشاطئ الذي لم يره منذ زمن، وركض هنا وهناك، وكتب مع يوغون على الرمل بأصابعه، بل حتى أنه خلع جواربه وحذاءه في النهاية وبلل كاحليه بماء البحر.
ثم أيضًا…
أراد أن يري هذا المنظر الجميل لمعجبيه “ديستي” عبر بث مباشر، لكنه تراجع خوفًا من أن يتتبع الساسانغ موقعهم، فبدلًا من ذلك التقط عددًا هائلًا من الصور.
وأجرى مكالمة فيديو مع اونتشان وتايهيون اللذين كانا لا يزالان مشغولين بجدولهما وألح عليهما أن يسرعا في المجيء، ثم ذهب مع الهيونغ إلى متجر قريب للتسوق، واشتروا من عربة الطعام توكبوكي وكعك السمك بما يقارب عشرين ألف وون…
‘فعلت أشياء كثيرة فعلًا.’
يبدو أنه بعد قضاء يوم حافل، غفا في السيارة أثناء عودتهم إلى فيلا أونتشان.
فتح عينيه ببطء، فشعر بنعومة وسائد الأريكة تحت يده. يبدو أن الهيونغ قد حملوه إلى داخل الفيلا وهو نائم.
‘وجود الهيونغ بجانبي مريح.’
وفي اللحظة التي خطرت له فيها فكرة قد تثير غضب عدد لا يُحصى من الدونسينغ حول العالم الذين يعيشون تحت تسلط الهيونغ، اقترب منه أحدهم مُشعرًا بوجوده.
“هارو، استيقظت؟”
كان هاجين، يحمل كوبين أبيضين في يديه.
“هيونغ….”
“نعم. اشرب هذا. لا بد أنك عطش.”
“حسنًا. أين البقية؟”
“…ينامون. يبدو أنهم متعبون.”
نهض هارو قليلًا بقلق عندما لاحظ التعب في عيني هاجين. الآن فقط بدأت ملامح الفيلا تتضح أمامه. النافذة المفتوحة أمامه كانت تُظهر مشهدًا ساحرًا للشاطئ.
“واو، المكان رائع حقًا.”
“نعم، رائع. بما أنك قادم، حرصتُ على الاهتمام به قليلًا.”
بلهجة هاجين المتباهية المعتادة، انفجر هارو ضاحكًا. أخذ رشفة من الشاي الدافئ، ثم نهض واقترب من النافذة. لم يكن منظر الشاطئ عند الغروب أقل من مذهل.
“…هارو.”
“نعم؟”
“أليست جدتك تسكن بالقرب من هنا؟ كنت قد ذكرت ذلك من قبل.”
“آه… نعم. لكن نحتاج إلى ساعة إضافية بالسيارة لنصل. منزل جدتي جميل جدًا أيضًا. اشتقت إلى دوكغو. دوكغو أيضًا لطيف.”
استعاد هارو ذكريات جدته ومنزلها، وامتلأت عيناه بالحنين والدفء. وضع هاجين كوبه على الطاولة، ثم نهض ببطء ووقف على مسافة قريبة منه، واضعًا يده في جيبه.
وبنبرة لا تزال لطيفة،كما فعل ذات مرة في ممر ميرو، حين جعل هارو يبوح بكل شيء دون تردد. سأل.
“قلت إن جدتك تربي كلبًا، أليس كذلك؟”
“نعم. جيندو. لطيف وكبير جدًا.”
“لكن أليس اسمه الحقيقي ريكس أو شيء من هذا؟ أظن أنك قلت ذلك سابقًا.”
“ريكس؟ أمم… لا. اسمه دوكغو.”
“حقًا؟ إذًا ربما أخطأت. …وماذا كانت تعمل جدتك؟ هل هي متقاعدة الآن؟”
“نعم. سمعتُ أنها كانت تدير مكانًا مثل روضة أطفال ... ربما لهذا السبب؟ لقد نشأتُ منذ الصغر على يدها، وأظن أنني كبرت دون أن أواجه صعوبات تُذكر.”
“فهمت.”
في تلك اللحظة، بينما كان دان هارو يراقب الأمواج، شعر بشيء غريب.
‘الموج… يبدو وكأنه يتكرر بنفس الشكل…؟’
شعر بعدم ارتياح غريب، لكن قبل أن يتمكن من التفكير فيه، سبقه صوت هاجين.
“ربما هذا ما حدث في هذا الخط الزمني.”
“…ماذا؟”
استدار هارو.
فرأى هاجين لا يزال واقفًا أمامه، وخلفه نافذة زجاجية أخرى.
ومن خلال تلك النافذة أيضًا كان هناك منظر طبيعي خلاب ,لكن الشيء الغريب هو أن الثلج كان يتساقط هناك.
خارج النافذة كان هناك منظر مذهل… لكن الغريب أنه كان يتساقط الثلج.
ومع هذا المشهد الغريب للثلج في شهر مارس، اقترب هاجين خطوة نحو هارو.
“لكن يا هارو. أليست جدتك تدير دار أيتام، لا روضة أطفال؟”
“……ماذا؟”
“ما كانت تديره جدتك. لم يكن روضة أطفال، بل دار أيتام. المكان الذي عشت فيه.”
“…لماذا تتحدث بهذه الطريقة المخيفة، هيونغ؟ أرجوك لا تمزح.”
“أين والداك؟ هل تتذكر ماذا يعملان؟ أي عمل هذا الذي يجعلهم لا يجرون حتى اتصالًا واحدًا، بينما ابنهم يعيش حياة ايدول مع هيونغ لا يعرفهم في كوريا؟”
“لماذا… لماذا تفعل هذا، هيونغ؟ حقًا…؟”
“هارو. انظر جيدًا مرة أخرى.”
حلم؟ هل هذا حلم؟
حاول دان هارو التراجع إلى الخلف، لكن الزجاج البارد منعه.
وكأن أليس أمسكت بأرنب محاصر في زاوية مغلقة، أمسكه هاجين من كتفيه وأجبره على الاستدارة والنظر إلى الخارج.
ثم قال بصوت منخفض بارد يبعث القشعريرة.
“هذا البحر مألوف، أليس كذلك.”
“ه-هيونغ، توقف. قلت لك، هذا مخيف….”
“هذا هو المكان الذي دفنت فيه جدتك بيديك.”
توقفت حركة هارو فجأة.
وكأن هاجين كان يتوقع ذلك، شد قبضته على كتفيه أكثر .
“هذا هو البحر الذي ودعت فيه جدتك والدموع تملأ عينيك، هارو.”
“…….”
“انظر جيدًا، دان هارو.”
في تلك اللحظة، رفع دان هارو رأسه فجأة، واستدار بسرعة، وأمسك بياقة هاجين.
لم يقاوم هاجين، بل تركه يمسكه، ونظر إليه بعينين باردتين خاليتين من أي دفء.
“يا.”
خرج من فم هارو صوت خشن منخفض لم يسمعه هاجين من قبل، مع تحية خشنة قليلًا. وفي عينيه التي كانت عادة مشرقة، ظهر الآن خليط خافت من الغضب.
وبينما كانت يداه المرتجفتان تقبضان بقوة على ياقة هاجين، صرخ “هارو” في وجهه.
“ما الذي تفعله، أيها المجنون اللعين!”
ورغم ذلك، بقي هاجين هادئًا، ثم أمسك بيدي هارو وأبعدهما، وقام بالسيطرة عليه ودفعه نحو الزجاج.
اشتد الصراع الجسدي العنيف وصراع الإرادة، وانفجر صوت هاجين المليء بالغضب.
“وأنت؟ ماذا كنت تفعل بدان هارو حتى الآن، أيها الوغد.”
أخيرًا أمسكت بك، أيها العائد المختار الملعون.
كان صوت هاجين، وهو يصر على أسنانه، مشبعًا بنية قتل واضحة.
(يتبع)
*******
لا ذي صدق تقابلوا