اتسعت عينا تايل عند سماعه صوت البكاء الغير المتوقع.
“المتدرب كانغ هاجين؟ هل انت بخير؟”
“هاه… اعتذر. لحظة من فضلكم.”
في تلك اللحظة، وبينما حاول بكل ما اوتي من قوة ان يحبس دموعه، انفجرت المشاعر التي كان يكبتها، فظهر هاجين وهو يؤدي دور القائد الشاب الذي يحمل اعباء ثقيلة على كتفيه. ادار رأسه متظاهرا بمسح دموعه، وفي الوقت نفسه راقب ردود الفعل من حوله.
“اه… هيونغ….”
“هاجين….”
اكثر من تفاجا ببكاء القائد الصارم المفاجئ كانوا متدربي فريق B الذين تدربوا معه. ففي هذه اللحظة، كانوا اكثر من صدم ببكائه، لكنهم في الوقت نفسه كانوا الاشخاص الذين يعرفون اكثر من غيرهم حجم الضغوط والمعاناة التي مر بها خلال الايام الثلاثة الماضية.
“آه… يبدو انه مر بوقت صعب جدا.”
حتى تايل قال ذلك بنبرة متفهمة، محاولا تهدئة الاجواء. مسح هاجين طرف عينيه باكمامه، ثم شهق بخفة.
وفي تلك اللحظة، راى. راى المنتجة كوون ، في غرفة المراقبة الخاصة بطاقم الانتاج، تشير اليه وهي يتحدث بانشغال مع الاخرين.
تذكر هاجين ما كان المنتجة كوون تؤكد عليه دائما بشان الحلقة الاولى.
-الحلقة الاولى يجب ان تجمع كل ما يمكن ان يصنع ضجة. شخص وسيم، شخص يبكي، شخص يغضب، شخص يثير الفوضى و شخص يؤدي جيدًا.
ماذا؟ اغتنم الفرصة؟ حسنا، شكرا جزيلا، ايها الوغد.
‘ساجعل الحلقة الاولى عرضا منفردا باسم كانغ هاجين.’
بما ان الامور وصلت الى هذا الحد، ساحتكر المشهد في البداية وحدي. لا يمكنني التحكم في كوني وسيما، لكن يمكنني ان اغضب، وان انفعل، واؤدي جيدا. وللعلم، الفوضى قد قمت بها بالفعل قبل قليل.
-اذا لم تركزوا جيدا، سيتفسد المسار كله! ادوا الغناء المباشر بشكل صحيح!
…لم يكن هناك متسع من الوقت للاهتمام بالكاميرات او اي شيء اخر. فقط افهموا ذلك.
“اهم… اعتذر.”
بعد ان قدر ردود الفعل، ومع شعوره بان عواطفه قد هدات قليلا، زفر نفسا قصيرا. لو تجاوز هذه النقطة فسيكون مبالغا فيه.
حتى دون ان ينظر، كان يعرف ان كل الانظار في الاستوديو اصبحت موجهة نحوه. امسك بالميكروفون وتحدث بصوت خافت ومختنق قليلا، محاولا ان يبدو هادئا قدر الامكان.
“بصراحة… كنت اشعر بالضياع قليلا. على اي حال، انا اخر من انضم الى هنا… وكنت قلقا جدا من قدرتي على القيام بدوري كقائد.”
اهتزاز صوته جعل من حوله يربتون على ظهره.
"لكن في هذه اللحظة، لن ننشغل باي شيء اخر، وسنركز فقط على اظهار شمسنا نحن."
“نعم، فهمنا. فريق B الذي اظهر اداء لافتا جدا في التقييم المتوسط. نتطلع الى عرضكم اليوم.”
ومع ادارة تايل المحترفة، انتهى دور هاجين. وجه تايل بعض الاسئلة الاخرى لاثنين من فريق A، ثم انتقل بسلاسة الى الفقرة التالية.
“والان، دعوني اقدم لكم خمسة مرشدين سيقيمون عروضكم اليوم.”
خلف تايل، اضيئت الاضواء فجاة. بدأ بتقديم المرشدين واحدا تلو الاخر من الجهة اليسرى. لم يكن الامر مميزا كثيرا، فهم مدربون يراهم الجميع دائما. باستثناء شخص واحد.
“المغنية المنفردة الاولى في كوريا بلا منازع، ريا من فرقة تيميس!”
‘كنت اظن انهم سيكتفون بمرشدين ميرو في الحلقة الاولى.’
وجود ريا كمرشدة خاصة كان مفاجئا بعض الشيء. لو كان هناك ضيف خاص، فقد توقع هاجين ان يكون من جهة اندرواي. لكن في كل الاحوال، كلما ارتفع المستوى وتنوعت الوجوه المشاركة، كان ذلك في صالح البرنامج. جذب جمهور اوسع، لا يقتصر فقط على محبي ميرو.
بالطبع، ليستفيد من ذلك، لم يكن امامه خيار سوى ان يقدم عرضا استثنائيا اليوم.
“اول مهمة في ميرو ميز، لاغنية ضوء النهار! تبدأ الان!”
لم يكن امامه سوى ان يؤدي وكأن حياته على المحك.
صفق هاجين بقوة، حتى احمرت راحتا يديه.
***
كان عرض فريق B لاحقا.
"سنبدأ نحن."
اختار جونغ سيوو التقدم بحكم امتياز فئة الاجنحة.
‘مجتمع طبقي قاس.’
وبرغم ان هذا التفكير لا يليق بمن يطمح الى قمة ذلك المجتمع، الا ان الامر لم يكن يهمني. انتقلنا الى المقاعد المعدة جانبا لمشاهدة العرض.
أعضاء فريق A، الذين تعمدوا اختيار ازياء بيضاء وزرقاء فاتحة لاستهداف مفهوم الانتعاش بوضوح، اصطفوا وفقا للتشكيل. تبدلت الاضاءة، وبدأت مقدمة الاغنية التي يمكن ترديدها حتى اثناء النوم.
‘لا شك انهم جيدون.’
تناغم جماعي متماسك، تعبير واضح في التحكم بالقوة والضعف. لا شيء يبدو ناقصا في الرقص الثنائي الذي يتوالى. في المنتصف، كان كيم وونهـو ولي يوغون يشكلان ثنائيا يكاد يسيطر على المسرح بالكامل.
‘من صاحب فكرة هذا الثنائي القاسي؟’
وانا اشاهد وونهـو ويوغون يبتسمان بارتياح ويؤديان بتناغم تام، لم يسعني الا ان اتنهد. هل يدركان حقا ان هذا برنامج تنافسي؟ وفي اللحظة التي راودني فيها هذا السؤال، تقدم هان سونغوو الى المنتصف وبدأ السطر الاول.
"اهلا؟ هذا انا."
لوح هان سونغوو بيده وكأنه يحيي المرشدين الذين يراقبونهم. بابتسامة مشاغبة وتعبير لعوب، بدا اداؤه طبيعيا الى حد لا بأس به.
‘هل قلب القبعة للخلف فقط من اجل هذا المشهد.’
وبما ان المواجهة قائمة، كان من المؤكد ان الكاميرا ستنتقل الي كلما ظهر دور هان سونغوو، لذلك ركزت على ضبط ملامحي وواصلت متابعة عرض فريق A.
بصراحة، اداء هان سونغوو لم يكن سيئا. بل ربما لو كان في فريق B، لاعتبر هو من هيمن على المسرح. لكن—
<ضوء القمر يملأ السماء
وتتلالا النجوم في ليلة مرصعة
وعندما تنتهي كل تلك الرحلة
سنواجه اخيرا ذروتنا المتالقة>
‘المشكلة ان عدد الموهوبين هنا كبير جدا.’
ظهر سيو تايهيون وهو يجتاح مقطع ما قبل الكورس بصوت رأسي، ليس مقطعا رئيسيا ولا الكورس ذاته، وكأن ماضيه كـ“تشيري بوي” لم يذهب سدى، فقد امتلأت عيناه ببريق النجوم.بدا وكأنه ينسج قصة فراق قديمة تمتد لالف عام. مجرد تلاقي النظرات كان كفيلا بصنع حكاية كاملة.
اختيار اللون الابيض زاد من نقاء حضور اصحاب الملامح البارزة. وحين تبادل لي دوها صوته المنخفض الثقيل مع راب جو أونتشان سريع الإيقاع في تنقل متقن، خرج التصفيق تلقائيا.
عندما تكون الاجزاء غير المصنفة كـ"جزء قاتل " بهذا المستوى، يصبح اداء هان سونغوو المتوسط يبدو عاديا.
‘وذلك التفسير الطفولي؟ لا محل له هنا’
بينما يقدم الجميع تعابير مليئة بالحنين والاسى، يبدو تعبابيره المشاغبة خارج السياق تماما.
تبع ذلك مقطع الرقص، حيث تولى كيم وونهـو المركز منتصف الدانس بريك. ومع ان اكثر من نصف الموجودين من خريجي الفريق الخاص، كان هذا صعودا لافتا.
‘اسلوبهما مختلف فعلا.’
وونهـو يعتمد على قوة مركزية ثابتة وحركات دقيقة، بينما يوغون يستخدم اطرافه الطويلة للتحكم المرن بالقوة. ايهما افضل؟ لا اجابة قاطعة، لكن…
‘هذه الاغنية تناسب يوغون اكثر.’
لهذا اخترته، ولهذا ايضا نصحته بعدم خلق عداوة معه. هذه المواجهة ستؤول ليوغون.
‘لكن الفوز له مختلف عن الفوز لوونهـو.’
بالنسبة لوونهـو، مجرد وضعه كمنافس مباشر ليوغون مكسب هائل. فكيف اذا ظهر وكأنه يطارده حتى النهاية؟
‘كفى. لدي ما يكفيني من مشاكل.’
وانا غارق في هذه الافكار، وصلت الاغنية الى نهايتها. عاد هان سونغوو الى المنتصف، اغلق عينيه ثم فتحهما ليؤدي السطر الاخير. بدا انه ادرك في اللحظة الاخيرة ضرورة تغيير الاسلوب، فاختتم بنبرة اكثر رقة.
"شكرا لكم."
"تايهيون مجنون فعلا."
"غناء سيوو مذهل."
"كيف سننافس هذا؟"
"اداء وونهـو كان قويا."
"لكن يوغون ما زال الافضل."
ومع ذلك، كان واضحا ان بطل هذا العرض لم يكن هان سونغوو.
وكان هذا، في الوقت الحالي، كافيا.
***
“التالي، فريق B، استعدوا من فضلكم.”
“واو، الجميع جيدون جدا. يبدو ان رينيه يجب ان تتوتر قليلا.”
ريا، التي لم تكف عن الاعجاب وهي تتابع عرض فريق A، لم تستطع في النهاية كبح نفسها، فتمتمت وهي تدون انطباعاتها بلا تردد على ورقة التقييم. قلت لك انهم جيدون، اليس كذلك؟ امام كلام سيو تايل الذي قاله بنبرة تفاخر خفيف، لم يكن من الممكن نفي ذلك حتى على سبيل المزاح.
“الفريق الذي بدأ اولا قوي جدا. يبدو ان من سيصعد بعدهم سيتوترون.”
“لان عدد اصحاب فئة الاجنحة لديهم كبير. اغلبهم كانوا دائما ضمن المراكز العليا في التقييم الشهري. لكن فريق B ايضا جيد.”
“اه، انا سعيدة لانني ترسمت منذ زمن. على الاقل لا اضطر للمنافسة مع هؤلاء.”
ريا، التي قالت ذلك وهي تمزح مدركة ان هذه الجملة ستدخل البث بنسبة مئة بالمئة، قلبت اوراق التقييم من جديد، ثم توقفت عيناها عند استمارة هاجين التي كانت قد وضعت عليها نجمة قبل قليل.
“هو، صحيح؟ ذلك الشاب.”
“نعم. لا اعلم كيف سيكون. اجزائه زادت فجاة… وان لم يستطع اداءها جيدا فالمخاطرة كبيرة جدا.”
سيو تايل نظر الى هاجين وهو يحدد مساره بعينين مليئتين بالقلق. وبعد قليل، بدا ان كل شيء قد اصبح جاهزا، فاختفى المخرج المساعد الذي كان يضبط المركز وهو ينظر الى ارضية المسرح، متجها الى الكواليس. وفي الوقت نفسه، اضاءت إشارة جهاز العرض تطلب قراءة المقدمة. وكانت هذه المرة من نصيب ريا.
“حسنا، قبل ان نرى العرض، علينا ان نطرح بعض الاسئلة، اليس كذلك؟ المتدرب كانغ هاجين؟”
“نعم.”
هاجين، بعد ان تسلم المايكروفون اليدوي، نظر الى ريا. قيل انه في العشرين من عمره، لكن تصرفاته بدت هادئة وواثقة كما لو كان في الثلاثين. توقفت ريا لحظة. السؤال المكتوب على جهاز العرض كان: ‘ما نقطة المشاهدة في عرض اليوم؟’ ولكن…
“سمعت انك غنيت احدى اغنياتي في الاختبار.”
“……؟ نعم؟ اه… نعم، هذا صحيح.”
“اي اغنية غنيت؟ هل يمكنك ان تغني سطرا واحدا منها باختصار؟”
بمزاجها المشاكس، القت ريا طعما كبيرا لم يكن موجودا في السيناريو. حتى الكتاب بدوا غير مدركين لهذا الامر، اذ شوهدوا على عجل يمسحون ويعيدون كتابة النص على جهاز العرض في ارتباك. ضرب تايل ذراع ريا وكأنه يقول لها ماذا تفعلين؟ لكن فضولها تجاه هاجين كان قد اشتعل، ولم يكن ممكنا ايقافها.
“اعني، بما اننا التقينا هكذا، الا ينبغي ان تغنيها مرة امام صاحب الاغنية الاصلي؟”
غنها، غنها! بفضل ريا التي قادت الموقف بسلاسة، تشكل الجو في لحظة. هاجين نظر حوله ثم اطلق ضحكة خفيفة.
‘هذا مكسب صاف بالنسبة لي.’
سيتم سؤالي عن هذا مباشرة في المقابلة. وفي ذهنه مر الاعلان تشويقي بسرعة.
<احد المتدربين تقدم للاختبار باغنية ريا؟ (فيديو اختبار رينيه لهاجين) كيف يكون الشعور ان يتم تقييمك امام الشخص الذي جعلك تبدا حلمك؟>
‘يا لها من قصة جاهزة.’
كما ان رؤية معنويات فريقه وهي منهارة بعد مشاهدة عرض فريق A لم تكن مريحة له. قرر هاجين قلب الاجواء، ولم يتردد في الصعود على المسرح.
“اذن، ساغني مقطعا قصيرا.”
سكون عم المسرح في لحظة. شعر هاجين بغرابة وارتباك جديدين، وهو يدرك ان الجميع يستمع الان الى صوته، ثم فتح فمه بهدوء.
<لن استطيع نسيانك ابدا
فبالنسبة لي انت
اثر كجرح
لا يمكن محوه طوال العمر>
‘تبا، بدأت بنغمة عالية جدا.’
ربما لانه لم يغنها منذ وقت طويل، فقد ضرب اول نغمة عاليا بلا تفكير. ولان بقية المقطع لا تحتوي على نغمات مرتفعة جدا، لم يكن الامر مشكلة كبيرة،ركز كل انتباهه كي لا يخرج عن النغمة .
وعندها، ارتبك للحظة.
‘الكلمات التالية… هل هي السعادة ام الحب؟’
اغنية كان قد غناها مرات لا تحصى، ففمه انفتح تلقائيا، لكن الكلمات التالية لم تحضر في ذاكرته. هل كانت السعادة في المقطع الاول والحب في الثاني؟ هكذا كان يظن.
<كل تلك الاوقات التي تحطمت الى اشلاء>
بينما كان يفكر، وصلت الاغنية الى ذلك الجزء. ماذا كانت الكلمة؟ بعد تردد، لم يستطع الاختيار بينهما، فنطق بما خرج اولا.
<هاا― سعاد حب…>
…هل يمكنني قولها؟ هل يمكنني فعل ذلك؟
هل استطيع انا حقا
بلفظ غريب لا يعرف ان كان يعني الاستسلام ام السعادة ام شيئا اخر، انهى هاجين الغناء، ثم غطى جبينه بيده.
“هاه… انتهيت.”
“هاهاها، هذا المقطع مربك فعلا.”
شخص يخطئ في كلمات الاغنية الاصلية امام صاحبها مباشرة؟ نعم، هذا انا. هاهاها.