‘حسنا… لم يكن أمرا غير متوقّع، أليس كذلك؟’
جلستُ قرفصاء في ملعب الأطفال أمام البيت، أحاول تهدئة رأسي الذي كان يؤلمني، وأرتّب أفكاري. خرجت فجأة فارتديت شبشبا، فتجمّدت قدماي حتى شعرت بأنني قد أُصاب بقضمة صقيع في أي لحظة.
شدَدتُ المعطف الطويل الذي أرتديه حتى غطّى طرفه قدميّ، لكنني لم أستطع منع البرد من التسلل. يبدو أنني ارتديت هذا المعطف قرابة أربع سنوات… ربما حان وقت التخلص منه.
بما أن الأمور وصلت إلى هذا الحد، فلنضع خطة خلال عشر دقائق.
“نافذة النظام. مهمة طارئة.”
لساني تعثّر بسبب البرد، لكن لا بأس، فأنا وحدي على أي حال. شددتُ السحّاب المرفوع حتى عنقي أكثر، ونظرت إلى نافذة الإحصاءات التي ظهرت فجأة.
[ اشعار النظام : مهمة طارئة!]
المحتوى: جراح الأبناء هي ندوب في قلوب الوالدين. غيّر رأي أمك، واجعلها تعترف بالحلم الذي استعدته.
المهلة: مرتبط بـالمهمة الفردية (D-53)
عقوبة الفشل: زيادة احتمال تفعيل العودة الخامسة بنسبة 75%
“؟”
في تلك اللحظة القصيرة، ظهرت عقوبة إضافية. حدّقت في نافذة النظام بصمت، لكنني توقفت، إذ لا شيء سيتغيّر.
“أي نوع من الحياة تعيشها أنت، أيها العائد المختار….”
عند هذه النقطة، بدأت أقلق بجدية على هشاشة نفسيته. نعم، لا بد أنه لم يعد أربع مرات بلا سبب. حتى أنا، مع وجود دعم نفسي، أشعر بالظلام أمام فكرة العودة مجددا، فكيف به؟ يبدو أن النظام نفسه ضاق ذرعا، لذلك ألصقني به تحت مسمى ‘مرشد’.
“ومع ذلك، أليست هذه النسبة مبالغا فيها؟ كأنها حياة سمكة ضعيفة.”
كنت أتمتم بانزعاج، ولم ألاحظ أن دقيقتين قد مرّتا. آه، لا وقت. يجب أن أجد طريقة لإقناع أمي خلال ثماني دقائق.
‘الدراسة هي الأسهل.’
عشتُ تسعة عشر عاما كابن لأمي، وإن حسبنا الحياة السابقة فهي نحو ثلاثين عاما، وأعرف أن قول شيء مثل: ‘سأكون متدرّبا وسأدخل جامعة في سيول’ يمكن أن يكون ورقة تفاوض معقولة. يمكنني حتى تقديم أرقام واضحة مثل نتائج الاختبارات التجريبية.
لكن المشكلة هي….
‘هذا الطريق بطيء جدا. ويستغرق وقتا طويلا.’
اختبار القبول انتهى، وأنا يجب أن أصبح متدرّبا خلال شهرين فقط. إضافة إلى ذلك، فإن الجمع بين الدراسة وحياة المتدرّب سهل في الكلام، لكنه في الواقع استنزاف للعمر. وهذا حال كل من يطمح إلى أن يصبح فنانا.
[اشعار النظام: تبقّى 5 دقائق!]
“…شكرا.”
بدأ الإحساس يختفي من أنفي وخدّي. فكّر يا كانغ هاجين. وإلا ستتجمّد هنا.
استحضرتُ كل خبراتي في حياتي لأجد أكثر طريقة فعّالة لإقناع أمي.
إضراب عن الطعام؟ فشل. طعام أمي لذيذ جدا.
الهروب من المنزل؟ انظر إلى وضعي. سأعاني كثيرا. فشل.
البكاء والعناد؟ لم ينجح منذ كنت في الخامسة أطالب بروبوت متحوّل. فشل مبكر.
“…لا، لا.”
هل أستسلم فقط… وأعود؟ ربما حفظ أرقام اليانصيب لعشر سنوات أسهل من هذا. لدي دعم نفسي أيضا، أليس كذلك؟ أتحمّل قليلا؟
[اشعار النظام: تبقّى 3 دقائق!]
[اشعار النظام: نظام الدعم النفسي ليس غير قابل للهزيمة!]
“حتى أنت بدأت تتدخل. حسنا، افعل ما تشاء.”
[اشعار النظام: تم استلام الطلب.]
يا لهذا النظام الذي لا يفهم حتى السخرية الكورية. من الواضح أن التحديث اللغوي ناقص.
“هيونغ. أمي تقول إنك إن انتهيت من تمثيل دور المراهقة، فادخل لتأكل.”
بينما كنت أحدّق في نافذة النظام بلا جدوى، ناداني أخي ذو الثمانية عشر عاما، الذي لا أزال غير معتاد عليه، بنبرة ضجر واضحة.
مجرد النظر إليه، بوجهه الذي لا يزال نضرا، أشعل في داخلي عزيمة لم تكن موجودة. نعم، لا يمكنني الاستسلام. إن استسلمت، فقد يذهب هو أيضا إلى الجيش ثلاث مرات.
“أي دور؟ أنا جاد.”
“الجاد يخرج هكذا مسرعا؟”
“ولماذا لا؟ كل خطوة كانت مليئة بالصدق.”
“‘أمي لا تفهم شيئا!’ وتبكي؟ إن كان هذا صدقا، فأنت ميؤوس منك فعلا.”
رؤيته يقلّدني بشكل أخرق جعلني أستفيق فجأة. لم أتخيل أنني بدوت هكذا… كأنني بطل دراما شبابية في الثامنة عشرة.
وقبل ذلك، تمثيل سيئ؟ في تلك اللحظة، كنت جادا تماما.
“أنت لا تعرف شيئا….”
“أخي، أي معركة تخوضها وحدك الآن؟”
“هذه حرب.”
حرب على إعادة التجنيد، وإعادة الدراسة، وإعادة الحياة.
“أخي، حاول أن تفهم. أمي أيضا هذه الأيام… يبدو أن لديها الكثير من الهموم.”
“……”
كلماته التي قالها بنبرة محرجة جعلت الجو يثقل فجأة. عندها فقط تذكّرت من جديد أن هذا هو شتاء التاسعة عشرة.
“وقضية أبي أيضا….”
بطالة أبي.
أنا الذي أعرف المستقبل، أعلم أن أبي سيستقر في الشركة التي سيذهب لإجراء مقابلة معها مطلع العام المقبل، وأن ذلك سيصبح فرصة تقلب الحال إلى الأفضل.
وهو السبب الذي جعلني، حتى بعد العودة، أستيقظ كل صباح في شقة سرداب تحت الأرض بلا شمس ولا أستسلم لليأس.
“فقط… أجواء العائلة هذه الأيام ليست جيدة. وفجأة تقول إنك ستعود لتكون متدرّبا….”
لكن قبل أن يأتي ذلك المستقبل، كانت عائلتنا تعيش حقا في شتاء لا ينتهي.
حين رأيت أخي واقفا بملابس كلها مستعملة، بلا قطعة جديدة واحدة، ووجهه يوحي بأنه على وشك البكاء، أدركت بوضوح. نعم، هذا أحد أيام ذلك الشتاء البارد.
“كنت أريد أن أعمل لأساعد ولو قليلا في مصاريف البيت، لكن حتى هذا لا يُسمح لي به.”
نظرت إلى أخي وهو يبوح بما في صدره بضيق، وشعرت بشيء يغلي في داخلي.
“هاوون.”
“ماذا.”
“افعل ما تريد، واجتهد فيه.”
“……”
“هذا الآن هو أفضل مساعدة تقدّمها لأمي وأبي.”
لم يُجب أخي.
شدّدتُ على ساقيّ اللتين شعرت بأنهما ستتجمدان وتتكسران، ونهضت. كأن حبلا كان مرتخيا فجأة شُدّ بقوة.
يجب أن أوقف هذه العودة، مهما كان الثمن. لا يمكنني أن أترك عائلتي عالقة في هذا الشتاء إلى الأبد.
“هاوون.”
“…لماذا تناديني مجددا.”
“في هذه الحياة، سأصبح آيدولا مرة واحدة.”
“وكيف ستقنع أمي؟”
[اشعار النظام: انتهت مدة العشر دقائق!]
“هناك دائما طريقة، يا رجل.”
قلت إنني سأضع خطة خلال عشر دقائق، أليس كذلك؟
***
كانت والدة هاجين، يونغين، تراقب هاجين بنظرات مليئة بالشك منذ أيام، بعدما لاحظت هدوءه غير المعتاد.
‘لماذا هو هادئ هكذا؟’
مرّت عدة أيام منذ أن فاجأهم فجأة برغبته في الاستعداد مجددا ليصبح متدرّبا آيدولا. في ذلك اليوم، حين عاد هاجين مع أخيه الأصغر، كانت يونغين قد أعدّت نفسها ذهنيا للمواجهة، لكن على عكس توقعها، أكل هاجين طبقي أرز كاملين، ثم تصرّف وكأن شيئا لم يكن، بل وتطوّع لغسل الصحون.
‘…هل كان هذا جزءا من الخطة؟’
والآن بعد أن فكّرت في الأمر، أدركت يونغين أن عدد المرات التي يقوم فيها هاجين بأعمال المنزل قد ازداد بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة.
صحيح أن أعمال البيت كانت دائما موزّعة بين أفراد العائلة، لكن يونغين لم تلمس الماء والصابون إلا عند الاستحمام. شعرت أن في الأمر شيئا غريبا، لكن بما أن جسدها أصبح مرتاحا، توقّفت أفكارها عند هذا الحد. فالغريزة دائما ما تنتصر على العقل.
“هاجين.”
“نعم؟”
“…لا شيء.”
رغم ذلك، وبسبب شعورها المستمر بالريبة، نادته على سبيل التجربة، لكن وجه هاجين كان هادئا كعادته.
في الحقيقة، لو كان الأمر بيدها فقط، لقالت له: هذه حياة واحدة، افعل كل ما تريد.
كان ذلك أيضا ندمها على حياتها التي لم تعشها كما أرادت، ومرارة تجاه والديها لأنهما لم يعلّماها أن تعيش بتلك الطريقة. في الواقع، كانت يونغين أكثر من دعم أحلام أبنائها، وما زالت كذلك.
لكنها تعلّمت أن التشجيع غير المحدود قد يدفع الطفل أحيانا إلى طريق مسدود.
-كفّ عن الحديث عن الإمكانية.
لم تستطع يونغين نسيان هاجين في ذلك اليوم.
كان ذلك اليوم هو المرة الأولى التي أعلن فيها هاجين قراره بإنهاء خمس سنوات من حياة المتدرّب.
-ما بك يا هاجين؟ أمك تؤمن بك. أنت قادر على ذلك.
-أمي، أنا أحيانا…
-…….
-أخاف من مستقبلي العادي. أخاف أن أُخيّب أملك.
في ذلك اليوم، أدركت يونغين للمرة الأولى أن الإيمان الأعمى بالأبناء قد يكون أمرا مخيفا لهم.
-إن لم أُنجز شيئا بعد كل هذا الإيمان، فهذا يعني أن الخطأ كله سيكون مني.
-…….
-لذلك، سأفعل شيئا آخر. شيئا أجيده، لا شيئا يعتمد على الإمكانية.
ولهذا السبب، حين أعاد هاجين فتح حلمه بأن يصبح آيدولا، شعرت يونغين بالخوف.
مرّت في ذهنها ظروف العائلة غير المستقرة، ووضع هاجين كطالب مقبل على الاختبارات، لكن أكثر ما أثقل قلبها كان ذكرى ذلك اليوم.
لم تكن يونغين تملك الشجاعة لرؤية هاجين، الذي كان دائما يلمع، يكسر جناحيه بنفسه مرة أخرى. لم تستطع أن تعده بنجاح غير مضمون في حياة تُقيَّم فيها كل لحظة، ناهيك عن أن الأمر لم يكن حتى ظهورا، بل مجرد اختبار متدرّبين.
“أمي.”
بينما كانت غارقة في أفكارها، شعرت بانقباض في حلقها، ثم نظرت إلى هاوون الذي ناداها بصوت خجول.
“نعم يا بني. ماذا تريد؟”
“آه… ذلك…”
كان هاوون يراقب تعبيرها بطرف عينه، ثم أشار بتردّد إلى غرفة النوم.
“أخي يقول لك أن تدخلي قليلا. أبي أيضا هناك.”
“هاجين؟ لماذا؟”
“ذلك…”
شعرت يونغين بشيء غير طبيعي بسبب تردّد هاوون، فتوجّهت بسرعة إلى غرفة النوم. كان زوجها جالسا على كرسي وُضع مسبقا، واستقبلها.
“هاجين؟”
“تعالي بسرعة. يقول إنه سيفعل شيئا.”
رغم أن وقتا طويلا مرّ منذ عودته من المدرسة، كان هاجين قد بدّل ملابسه وعاد ليرتدي الزي المدرسي، ووقف أمام الحاسوب بوضعية مستقيمة ومرتّبة.
جلست يونغين في مكانها وهي تشعر بالارتباك، بعدما سحبها هاوون إلى أحد الكرسيين المُعدّين مسبقا. وبسبب وجود كرسيين فقط، جلس هاوون القرفصاء بجانبهما، مستعدا لمشاهدة عرض أخيه الفردي.
“أمي. أبي.”
“ومنذ متى تنادينا هكذا…”
تجاهل هاجين نظرة والده التي قالت: انظروا إلى هذا، وشغّل الشاشة بابتسامة واثقة.
“سأبدأ الآن عرض خطة حياة كانغ هاجين.”
امتلأت شاشة الحاسوب بشرائح عرض مصمّمة بشكل أنيق، وأعلنت البداية بتأثيرات لافتة.
***
“قبل أن أشرح هذه الخطة، رأيت أولا أنه يجب أن تكون لدي صورة واضحة عمّا أملكه حاليا، وما الذي قمت به حتى الآن.”
هل سبق وقلت إنني اكتسبت خبرة لا بأس بها في تنظيم البيانات أثناء العمل الجماعي؟
“هذا ملف قمت فيه بتنظيم نقاط قوتي وضعفي الحالية باستخدام طريقة تحليل SWOT.”
وسأضيف شيئا آخر. في الحقيقة، سبق لي أن وضعت روحي كلها في إعداد عروض الـتقديمية.
انتقلت شريحة واحدة، ليظهر عرض نظيف ومرتب صُمم بالكامل بما يناسب ذوق أمي وأبي، مع التركيز على سهولة القراءة.
الخط مختار بعناية ليكون مريحا للعين، والنصوص لم تحتوِ إلا على الكلمات المفتاحية التي تلخص جوهر العرض. كانت هذه الشرائح ثمرة عمل دقيق، أنجزته خطوة خطوة بينما أتحجج بمتابعة الدروس المسجلة لأستحوذ على الكمبيوتر.
وبصراحة، لم أُعدّ حتى عروض مواد التخصص النهائية بهذا القدر من الاجتهاد.
“هاوون، هل تدرّسون أشياء كهذه في المدرسة هذه الأيام؟”
“لا، فقط اخي غريب.”
سمعت أبي يتحدث بدهشة مع هاوون، لكنني واصلت العرض بهدوء.
عندما بدأت أشرح استراتيجية القبول المبكر، المبنية على تحليل نتائج القبول الحالية للجامعة المستهدفة، مع درجاتي وأنشطتي الخاصة، كما ناقشتها فعليا مع معلم الصف، رأيت كانغ هاوون يهز رأسه بملل واضح.
“والآن، سأنتقل إلى التعريف بشركة ميرو إنترتينمنت، وإلى رؤيتي والأسباب التي دفعتني لاختيارها.”
كانغ هاوون، الجالس إلى جانب أبي الذي كان قد اندمج تماما وبدأ يصفق قائلا إن ابنه رائع، تمتم بصوت منخفض:
“…هذا يستخدم مفتاح الغش.”
أسمعك، أيها الوغد.