بينما كان سوهو يتلقى صدمة وكأنه ضرب بمضرب بيسبول على مؤخرة رأسه،

كان هاجين على النقيض تماما، بملامح هادئة للغاية.

شعر سوهو بإحساس غامض بالخيانة، وتلعثم بالكلام لا مرة ولا مرتين، بل ثلاث مرات.

“إذًا، أأم… يعني، هذا… كذب؟”

“لا. صحيح. فعلا عدت إلى الماضي.”

لكن على عكس تلعثم سوهو المتكرر، أجاب هاجين ببساطة شديدة. بل وهو يبتسم.

وبينما كان سوهو يحرك شفتيه بحثا عن كلمات وسط شعور طاغٍ بأنه يتعرض للسخرية، تابع هاجين حديثه وهو يهز كتفيه بلا مبالاة

“لكن كون الأمر حقيقيا، وكونك تصدقه، مسألتان مختلفتان، أليس كذلك؟”

كان سوهو على وشك أن يعترض قائلا إن هاجين يسخر منه، لكنه أغلق فمه مجددا.

كان هاجين يبتسم كعادته، ابتسامة هادئة، إلا أن طرفها حمل مسحة وحدة لا يعرف سببها.

تلك الابتسامة وحدها أعادت سوهو إلى رشده، فسأله بنبرة أشبه بالاستجواب

“إن كنت لا تعلم إن كنت سأصدقك أم لا، فلماذا أخبرتني؟ ماذا لو اعتبرتك مجنونا؟”

“يبدو أن أسئلتك كثيرة اليوم، سيدي المدير.”

“كما قلت لك، لا بد أن أعرف. يجب أن أعرف أي شخص هو الفنان الذي سأكون مسؤولا عنه.”

كان سوهو فضوليا تجاه هاجين.

في البداية، لم يكن سوى اختيار لموازنة نفوذ رئيس القسم.

ثم حين عرفا أسرار بعضهما، شعر أنهما اصبحا في قارب واحد لا مفر منه.

وبعد أن شاهد عروض هاجين عدة مرات، وُلد لديه حلم صغير بصفته مديرا.

“المدير في النهاية يجب أن يكون دائما في صف مغنيه، مهما حصل.”

حلم بأن يرى هذا الشخص يتألق أكثر، وعلى مسرح أكبر.

“أنا أصدق كل ما تقوله، يا كانغ هاجين.”

ابتسم سوهو ابتسامة نادرة، مريحة وصادقة.

ومن أجل هذا الحلم، كان عليه أولا أن ينال الثقة الكاملة للشخص المدعو كانغ هاجين.

وأمام هاجين الذي ظل ينظر إليه بصمت، واصل سوهو بصوت هادئ:

“أنا أقول إنني في صفك. لذلك، إن كان لديك ما تريد قوله، فقله في أي وقت.”

“……”

“بصراحة، أشعر بالراحة. لوجود شخص يعرف سري.”

قالها سوهو مازحا وهو يبتسم.

“لا تتخيل كم صُدمت عندما رأيت الضوء يخرج من أجساد الناس لأول مرة.”

“……”

“هذا سر، لكن في البداية ذهبت إلى الاستشارة النفسية، وزرت المستشفى عدة مرات. وفي النهاية لم يشخصوا أي مشكلة. ظننت حقا أنني فقدت عقلي.”

“…أعرف هذا الشعور.”

ضحك هاجين بخفة وهو يهز رأسه موافقا، بعد أن استمع لكلام سوهو كاملا.

“ظننت أنني مت، وأنني أرى شريط حياتي الأخير.”

“حين عدت إلى الماضي لأول مرة؟ يبدو ذلك منطقيا.”

“كنت مستلقيا على السرير قبل لحظة، ثم عندما أفقت، وجدت نفسي في قاعة امتحان في الثانوية. ظننت أنني أحلم.”

بدا أن هاجين يسترجع تلك الذكريات، فغرق للحظة في التفكير.

انتظر سوهو بصمت، مانحا إياه الوقت.

وبعد دقائق، توقف هاجين عن النقر على الطاولة بأصابعه كعادته، وفتح فمه مجددا.

“…كنت في التاسعة والعشرين.”

“ماذا؟”

“عندما عدت أول مرة. كنت عاطلا في التاسعة والعشرين، ثم فتحت عيني فوجدت نفسي في السابعة عشرة.”

ومنذ تلك الجملة، بدأت حكاية هاجين تنساب بوتيرة لا سريعة ولا بطيئة.

كيف مر بأربع عودات إلى الماضي، وكيف وصل إلى حياته الخامسة الحالية.

كان يروي أحيانا باختصار، وأحيانا بجدية عميقة، قصة حياته.

كانت كل تلك القصص صعبة التصديق، لكن سوهو استطاع أن يصدقها. بل شعر أخيرا بشيء من الطمأنينة، وكأنه وجد أخيرا تفسيرا معقولا لقدراته غير الواقعية.

“إذًا، الشخص الذي قلت إن عليك العثور عليه… هو ذاك الشخص؟”

“نعم. الشخص الذي جعلني أعيش أربع مرات من جديد، والذي جعل المدير يرى ألوانا غريبة لدى الناس.”

“وتقول إن ذلك الشخص واحد من متدربينا….”

“لهذا السبب، إن لاحظت أي أمر مريب، أرجوك أن تشاركني به. أنا لا أرغب إطلاقا في عيش حياة سادسة.”

قالها هاجين وهو يهز رأسه بعنف وكأنه يقشعر اشمئزازا. أومأ سوهو موافقا.

ما زالت لديه الكثير من التساؤلات حول مفهوم ‘العودة إلى الماضي’، لكن من الواضح أن سماع المزيد اليوم لن يجعله يفهم كل شيء.

“شكرًا لأنك أخبرتني.”

قال سوهو رأيه الصادق بعد أن استمع لكل شيء. شعر وكأنه بدأ يرى ملامح كانغ هاجين الحقيقية أخيرا.

وبدأ يفهم أيضا لماذا كان يبدو وكأنه يرسم حدودا فاصلة مع كل شيء في حياته.

‘لأن كل شيء قد يختفي فجأة في أي يوم.’

كان يظن أن العودة إلى الماضي فرصة عظيمة بلا شك، لكنه أدرك الآن أنها ليست كذلك دائما.

وبينما كان غارقا في هذه الأفكار، ملأ هاجين كوبه بالماء وتحدث

“…وأنا أيضا ممتن.”

“لمَ؟”

“لأنك قلت إنك في صفي.”

آه… تلك الابتسامة مجددا.

الابتسامة التي تعلق بها وحدة لا يمكن وصفها بالكلمات

“أدركت شيئًا وأنا أتحدث معك قبل قليل، سيدي المدير. يبدو أنني كنت وحيدًا.”

“…….”

“لقد فقدت كل شيء. الأصدقاء، الأحلام، الحياة التي عشتها، والذكريات أيضًا.”

“…….”

“إن سألتني إن كنت أريد العودة إلى تلك المرحلة، حين كنت في التاسعة والعشرين… فلا أعلم. لكن حين أفكر أن كل تلك السنوات بقيت حبيسة داخلي وحدي إلى الأبد، أشعر أحيانًا… بالمرارة.”

وبسبب استمرار عمل نظام العناية النفسية، كان استرجاع هاجين لحياته السابقة يبدو وكأنه يتذكر ماضيًا بعيدًا للغاية.

لكن ذلك لا يعني أن تلك الذكريات قد مُحيت أو لم تكن موجودة.

“كانت حياة مليئة بالأخطاء، ومكدسة بالندم… ومع ذلك، يبدو أن فيها أشياء أشتاق إليها.”

اليوم الذي سافرت فيه العائلة بأكملها لأول مرة.

الأصدقاء الذين تعرف عليهم في الجامعة.

الأفلام والأغاني التي واسته في أيامه الصعبة.

القصص والمواقف المختلفة التي مر بها أثناء عمله في الشركة.

كل ذلك بقي محفوظًا داخل هاجين وحده.

وكان ذلك، في أحيان كثيرة، يجعله يشعر بوحدة عميقة.

“ربما لهذا السبب كنت أستمر في الحديث معك عن حياتي السابقة.”

“…….”

“كنت أريد أن أخبر أحدًا، أيا كان… أنني عشت مثل تلك الحياة.”

عندها فقط، استطاع سوهو أن يفهم سبب تلك المسحة من الوحدة التي كان يراها في عيني هاجين.

ربما لن يتمكن أبدًا، حتى لو مضى العمر كله، من فهمه فهمًا كاملًا.

بل ربما لا يوجد في هذا العالم من يستطيع أن يفهم وحدته بالكامل.

‘إلا ذلك الشخص الذي يُسمى بالعائد الثابت… ربما.’

ومع ذلك، أليس من الممكن، على الأقل، أن يواسيه باعتباره شخصًا عاش أكثر بقليل؟

فتح سوهو فمه بحذر.

“الإنسان… هكذا هو.”

“……؟”

“لا يدرك الألم إلا بعد أن يُجرح جرحًا عميقًا. عندها فقط يقول: اه، هذا مؤلم. لا ينبغي أن ألمس هذا مجددًا. وبعدها، حتى إن رأى شيئًا يشبهه، يتراجع غريزيًا… لأنه لا يريد أن يتألم مرة أخرى.”

لم يعش سوهو تجربة العودة إلى الماضي مثل هاجين، لكنه هو الاخر تأذى من العالم، وتأذى من الناس.

كان يعرف جيدًا كيف يبدأ الإنسان المجروح في التهام نفسه من الداخل، وكيف يعزل ذاته عن الآخرين.

“ومع ذلك… ومع مرور الوقت، تأتي لحظة. لحظة واحدة فقط، يتساءل فيها: هل هذا القدر من الدفء مقبول؟ هل يمكنني تحمل هذه الحرارة؟”

“…….”

“حين تأتي تلك اللحظة، تحاول فقط. هل سيؤلمني إن تمسكتُ به؟ أم لا؟ ربما… هذا القدر لا بأس به. ربما أستطيع احتماله. وهكذا يتعلم الإنسان حدوده.”

نظر هاجين إلى سوهو بملامح حائرة أمام هذا الكلام الذي بدا وكأنه معلق في الهواء، لكن سوهو واصل حديثه دون أن يتوقف.

“كل الناس كذلك. ألسنا وحيدين؟ عالم بلا دفء… هذا أمر قاسٍ.”

“…لا أظن أنك تطلب مني أن أضع يدي على نار الموقد.”

“أقصد فقط، لا تخف كثيرًا من اليد التي تمتد إليك.”

“…….”

“وأتمنى ألا تنظر إلى لحظات الحياة ببرود شديد. أنت شخص دافئ يا كانغ هاجين. لديك شغف، تحب الناس، و… تحب الوقوف على المسرح.”

حينها فقط بدا أن هاجين فهم مقصد كلامه، فارتعشت حدقتاه ارتعاشة خفيفة. نظر إليه سوهو، ومنحه أكبر قدر ممكن من الدفء الذي يستطيع تقديمه.

“أليس من الأفضل أن تحب دون ندم، بدل أن تُعرض عن كل شيء خوفًا من أن يختفي يومًا ما؟ قلت بنفسك إنك لا تريد حياة سادسة.”

“…….”

“والان، لديك شخص يمكنك أن تتحدث إليه. إن أردت أن تحكي عن ذكريات حياتك السابقة، فافعل ذلك معي. لكن أرجو ألا تنسى أن حياتك الحالية، التي تعيشها الآن، هي أيضًا حياتك.”

“…….”

“وإن تمكنت يومًا من العثور على ذلك الشخص، وانتهت العودة إلى الماضي… فستصبح هذه اللحظات التي نعيشها الان ذكرياتك، وتجاربك، وذاكرتك.”

هذا كلام أقوله لك باعتباري أخًا أكبر يهتم بك.

بعد تلك الكلمات، صمت سوهو. بدا أن هاجين غارق في التفكير، يعيد ترتيب ما سمعه.

وانتظر سوهو ذلك الوقت بهدوء.

ربما لم يكن هاجين مدركًا حتى أنه كان مجروحًا بعمق.

وسيستغرق الأمر وقتًا طويلًا، قبل أن يدرك ذلك، ويستعيد توازنه، ويغسل جراحه بماء بارد.

‘ذلك الوغد تايل… حدسه ليس بسيطًا.’

تذكر سوهو ما قاله تايل ذات يوم عن هاجين.

-قلت إنه كان متدرب سابقًا في شركة ما؟

- نعم. كانت شركة ناشئة جدًا، يبدو أنها اختفت الآن.

- …هل تأذى كثيرًا هناك؟

-لماذا؟

- لأنه كبر بسرعة زائدة. تفكيره أعمق مما ينبغي لعمره. في هذا السن، من الطبيعي ألا يعرف الإنسان كل شيء.

دون أن يعلم شيئًا عن عودة هاجين إلى الماضي، كان تايل قد قيمه بتلك الطريقة.

‘كما توقعت، خبرة ثلاثة عشر عامًا في عالم الايدول لا يمكن الاستهانة بها.’

وبينما كان سوهو يعاهد نفسه ألا يتحدث عن هاجين باستخفاف أمام تايل، بدا أن هاجين قد انتهى من ترتيب أفكاره. لاحظ سوهو أن ملامحه أصبحت أكثر إشراقًا بقليل، فشعر بالاطمئنان.

“هل كان كلامي مفيدًا بعض الشيء؟”

“…نعم، إلى حد ما.”

“هذا مطمئن.”

هز هاجين رأسه، وفي تلك اللحظة سُمع طرق خفيف على الباب. أشار سوهو بالدخول، فدخل النادل وهو يدفع عربة كبيرة بعناية.

“سنبدأ بتقديم الطعام.”

وُضعت الأطباق واحدًا تلو الاخر على الطاولة، أطباق جميلة المظهر وشهية الرائحة. ومع امتلاء المائدة بالأطباق التقليدية الفاخرة، بدا وكأن ظل الحزن قد تلاشى تمامًا عن وجه هاجين، فأمسك عيدانه وعيناه تلمعان.

عندها شعر سوهو بشيء من الفراغ الداخلي.

“هل هذا مجرد شعور… أم أن كل صدماتك النفسية شُفيت فور رؤية الطعام؟”

“مجرد شعور.”

“لا أظن ذلك.”

“بعد حديثنا السابق، نلتُ ما يكفي من المواساة الروحية، ومع هذا الطعام الشهي، حتى الجسد نال نصيبه من الإشباع. لا يسعني إلا الامتنان.”

عاد الكلام يتدفق بسلاسة، ذلك كان هاجين المعتاد.

هز سوهو رأسه مبتسمًا، مستسلمًا أمام هذا الاسلوب المراوغ.

لم يكن هناك سبيل للغلبة على لسانه السليط.

“قل لي بصراحة… في حياتك السابقة، ألم تكن تبيع المخدرات؟”

“هل تريد الصراحة التامة؟ قد لا تتحملها.”

“…ألا تتكلم بإفراط لأنك تعلم أنني لا أستطيع التحقق؟”

“مع ذلك، أليس من حسن الحظ أنني كنت أبيعها فقط؟ لو كنت أتعاطاها، لما حلمت حتى بالترسيم كايدول.”

“…هل كنت تبيعها فعلًا؟”

“هل تعتقد ذلك؟ لم أتناول في حياتي سوى دواء الزكام، لذا كف عن هذا وتناول طعامك.”

وعندما رأى هاجين ملامح الارتياح الصادقة على وجه جي سوهو، انفجر ضاحكًا من عبثية الموقف. ومع تلك الضحكة، ساد بينهما جو أكثر راحة مما كان عليه سابقًا.

كانت تلك اللحظة، منذ بدء العودة إلى الماضي، هي المرة الأولى التي يفتح فيها هاجين قلبه بالكامل لشخص آخر

********

قريته اربع مرات و كل مره اتاثر فيها كلام سوهو يعتبر مب بس عزاء لهاجين لكل شخص مر بلحظة سيئة.

2026/02/10 · 104 مشاهدة · 1678 كلمة
Solan
نادي الروايات - 2026