"همساتُ الغبارِ والكتبُ المنسية"
تسللت رائحة القهوة إلى الغرفة بوقاحة، تلاها جيشٌ من خيوط الشمس الذهبية اخترق الستائر الشفافة، معلناً بلا رحمة بدء معركة جديدة ضد رغبتي في البقاء نائمة للأبد. تقلبْتُ في فراشي، جسدي يرفض الأوامر العصبية بالنهوض. أنا تلك الفتاة التي ترونها ولا ترونها؛ بيضاء البشرة بملامح قد يصفها البعض بالطفولية، وجه دائري كبدرٍ غير مكتمل، وعينان بلون البندق تحاولان استيعاب العالم، وشعر أسود فاحم ورثته عن ليلٍ لا أعرفه.
"ها هو يوم رتيب آخر..." تمتمتُ بصوتٍ مبحوح، وأنا أسحب جسدي من السرير وكأنه كيس من الرمل.
مرحباً، اسمي "ميس". لا يغرنّكم الاسم، فحياتي أبعد ما تكون عن "المياس" أو الدلال. أنا فتاة في السادسة عشرة، عالقة في السنة الأولى من المرحلة الثانوية، أو كما أحب أن أسميها في قاموسي الخاص: "سنوات التعذيب الممنهج". أعيش وحيدة في شقة استأجرها والدي بالقرب من المدرسة، فمنزلنا الحقيقي يقبع في قرية نائية يبدو أن التطور نسي طريقها. كانت فكرة إرسالي للعيش وحدي هنا مغامرة شجاعة لوالدي، ومصدر قلق دائم لأمي، ومصدر ملل لا ينتهي لي.
أنا كائن انطوائي حد اللعنة. البشر يستهلكون طاقتي بمجرد النظر إليهم. في المقابل، هناك "رغداء". صديقتي الوحيدة واللغز الذي عجزت عن حله. إنها نقيضي التام؛ بيضاء، وجهها منحوت بدقة، عيناها العسليتان تضجان بالحياة، ولسانها لا يتوقف عن الحركة. هي اجتماعية لدرجة مخيفة، تحب البشر وتزهر بينهم، ولا أدري حقاً لمَ اختارت نبتة صبار مثلي لتكون صديقتها المقربة.
أغلقتُ دفتر مذكراتي – بئر أسراري الوحيد – وارتديتُ ملابسي المدرسية. في الحافلة، مارستُ طقوسي المعتادة: الجلوس في المقعد الخلفي، وضع السماعات، والتظاهر بأنني غير مرئية بينما تتهامس الفتيات حول أمور لا تعنيني. لم يكن لدي طموح سوى النجاة من هذا اليوم بأقل قدر من الخسائر البشرية، وربما الحصول على درجة جيدة ترضي والدي.
لكن "رغداء" كان لها رأي آخر. قطعتْ عزلة أفكاري بجلوسها بجانبي، وهي تحمل ابتسامة واسعة ومقترحاً كارثياً.
"ميس! هناك مسابقة ثقافية في المكتبة اليوم.. ما رأيك؟"
رمقتها بنظرة شك: "لماذا تعرضين عليّ هذا؟ تعلمين أنني أتعثر في الكلام إذا سألني البقال عن نوع الجبن، فما بالك بمسابقة أمام الجمهور؟"
ردت بحماس لم يفتر: "لكنكِ دودة كتب! تحليلاتكِ لما تقرئينه مذهلة، وعقلكِ موسوعة.. يجب أن تشاركي."
وقبل أن أفتح فمي للاعتراض، أضافت بابتسامة ماكرة: "على أي حال، لقد سجلتُ اسمكِ بالفعل. فات الأوان."
تنهدتُ باستسلام. مشكلتي الأزلية أنني لا أملك المناعة ضد إلحاح رغداء، وثقتي المهزوزة بنفسي تجعلني أنقاد خلف قراراتها الحازمة.
وصلنا المدرسة، ومضى اليوم الدراسي ببطئه المعتاد وروتينه القاتل. وعندما حانت ساعة المسابقة، سحبوني مع أخريات إلى المكتبة. ورغم كلمات التشجيع من المعلمات ورغداء، كنتُ أشعر أنني دخيلة. كنتُ شبحاً يحاول أن يكون ملموساً.
دخلنا المكتبة.. آه، المكتبة. ذلك المكان هو الوحيد الذي أشعر فيه بالانتماء. سقفها الأبيض العالي، رفوفها الخشبية البنية التي تحتضن آلاف العوالم، وتلك الرائحة.. رائحة لا يشمها سواي. مزيج سحري من عبق المطر، والزهور البرية، والحبر المعتق. كلما أخبرتُ أحداً عنها، نظر إليّ وكأنني فقدت عقلي، لكنني كنتُ موقنة بوجودها. كانت رائحة تُسكر حواسي.
بدأت المسابقة. كانت الأسئلة تتطاير كسهامٍ معرفية؛ تاريخ، ثقافة، خيال. قاومتُ خجلي وأجبت، وناضلت، ولكن في النهاية.. لم يكن ذلك كافياً. كانت المنافسة شرسة، والفتيات الأخريات أكبر سناً وأكثر ثقة. حين أعلن الأستاذ النتائج، ورغم أنني هيأتُ نفسي للخسارة، إلا أن سماع الأسماء التي لا تتضمن اسمي كان صفعةً باردة.
لم تكن خيبة أمل فقط، بل تأكيداً لصوتٍ في رأسي يهمس دائماً: "أنتِ لا شيء.. أنتِ عادية."
هربتُ من نظرات المواساة. لم أنتظر رغداء. ركضتُ نحو زاوية معزولة في المكتبة، وتكورتُ على نفسي كجنين، وبدأتُ أبكي. بكيتُ ضعفي، ووحدتي، وشعوري بالضآلة في هذا العالم الكبير.