1 - محكومون بالاعدام

“اسمعوا أيها الأوغاد القصر ، لن أكرر نفس الكلام مرتين !”

صرخ رجل ذو بنية قوية و لحية خفيفة بينما يحدق في حشد من الأولاد بعمر الخامسة عشر أو نحو ذلك.

كانوا يقفون في طوابير طويلة وسط غابة ثلجية، يرتدون معاطف من الفرو لكنهم لا زالو يرتجفون البرد القارس.

" يجب عليكم الهروب من الغابة المجمدة والوصول إلى قرية قورن الواقعة في الشمال خلال ثلاثة أيام، دون استخدام أية أجهزة أو مساعدة خارجية. ستعتمدون فقط على حواسكم وغريزتكم للتنقل.!"

مثل مجموعة من الجنود مدربين تدريباً جيداً ، قام الأولاد بالتحية والصراخ في انسجام تام.

"علم سيدي!"

ابتسم رجل نصف ابتسامة … ثم ضغط على الزر في حزامه ليختفي من المكان، بينما الهواء ينقل صدى تحذير أخير: "تذكروا، الغابة ليست هي العدو الوحيد. انتبهوا من الوحوش الطامعة التي تستشعر طاقاتكم."

بدون إضاعة لحظة، اجتمع الجميع سريعًا لوضع خطة عمل محكمة.

"علينا أن نغادر هذه اللحظة"، أعلن أحدهم بإلحاح.

"لكن لماذا التعجل؟" تساءل آخر. "نحتاج أولًا إلى استكشاف المنطقة وكسب فهم أوضح للموقف الذي نحن فيه."

"مع الأخذ بعين الاعتبار أن لدينا مهلة ثلاثة أيام فقط، فإن السفر إلى القرية قد يستنزف الوقت الكثير؛ من الحكمة ألا نضيع الوقت بلا ضرورة هنا." جادل الأول، متشددًا على رأيه.

"وماذا إذا كان هناك وقت كافٍ؟" رد الثاني. "إن إنفاق ما يصل إلى نصف ساعة في استقصاء محيطنا قد يزيد من احتماليات نجاحنا."

"أتفق معك"، أضاف ثالث، وقد بدا متأملًا. "يجدر بنا التحرّي عن أي دلائل تشير إلى وجود حيوانات أو مخلوقات مفترسة. سيكون من الخطورة بمكان أن نتجول دون أي معلومات في مناطق قد تكون تحت سيطرتها."

على قمة شجرة ليست بعيدة عنهم ظهر رجل نحيف يرتدي زيا مشابها لرجل العضلي الذي اختفى قبل فترة وجيزة.

بعد رأيت كيف كانوا يتجادلون ألقى عليهم، نظرة باردة وغير مبالية، واصبح تقييمه الأولي لهم.

“لا يبدو أنهم يستحقون العناء” ، كانت كلماته تحمل نبرة من الخيبة والازدراء.

بعد ذلك أخرج كرة صغيرة بحجم لؤلؤة وألقاها في الهواء لتتحولت إلى كاميرا جوية ، وما أن وصلت إلى الارتفاع المناسب حتى اختفت عن الأنظار، مما جعلها مثالية لتسجيل المشاهد دون علم أحد.

كما أنها تحتوي على وظائف متقدمة مثل تحسين صورة الفيديو والتحكم عن بعد وتخزين البيانات.

ضغط رجل على بعض الأزرار من سوار كان على معصمه، لتنبثق شاشة تظهر منظر غابة الصنوبر ثلجية والصبية المتجادلين كالصورة واقعية.

" حسنا. سيكون هذا كافيا."

بعد قوله ذلك عاد إلى غرفته الدافئة، مع فكرة أخذ قيلولة حتى موعد انتهاء هذا الهراء.

مع أنه كان من المفترض إبقاء عينيه عليهم وتدخل حين الحاجة إلا أنه لم يرى أنهم يستحقون وقته.

وهكذا جعل الكاميرا الخفيه تحل محله. وكل ما عليه فيما بعد هو تقديم التقرير.

وانتهى.

وهكذا مرت نصف ساعة في جدال عقيم.

فمع اجتماع أكثر من مائة صبي مراهق بلا قائد، كان كل شيء يسوده الفوضى، ولم تجد المجموعة أيّ نقطة توافق تتماسك حولها، حيث ظلّ كل منهم متمسكًا بآرائه الخاصة.

وبعد جدال حاد، اتفقوا أخيرًا على إجراء قرعة أفضت إلى تقرير البحث سريعًا حول المناطق المحيطة.

كما تم اختيار قادة فرق الاستطلاع بنفس الطريقة.

كان يوهان يستكشف قسمًا من المنطقة رفقة مجموعة من عشرين فردًا.

ومع كثافة الأشجار وخطر الضياع، كان عليهم بين فينة وأخرى وضع علامة على الأشجار حولهم ليعرفوا الاتجاه الذي أتو منه.

وأثناء وضعه علامة على إحدى الأشجار جلس فتى بالقرب منه.

" يبدوا أنها آثار أرنب بري."

عندما نظر يوهان إلى مكان الذي اشار إليه، وجد جحرًا في قاع شجرة عليه آثار أقدام صغيرة مطبوعة على الثلج.

" يبدوا أنه كان هنا قبل وقت ليس ببعيد."

"همم. حسنا ربما." أجاب يوهان ببعض تردد

" هاي يا رفاق هذا يكفي دعونا نعد." بعد ذلك الاعلان من قائد الفرقة عادت المجموعة أدراجها.

نظر يوهان إلى ظهر الفتى الذي كان يتحدث معه قبل قليل، كان زميلا لهم يدعى ريفانس.

شعر أشقر بشرة ناصع البياض مثل معظم سكان قارة الشمالية، لم يكن هناك شيء مميز عنه لكنه كان مخيفاً وغريبًا بعض الشيء.

كان معظم الأطفال هنا أيتامًا، لديهم خلفيات متشابهة، لم يعرفوا من هو والدهم ووالدتهم.

كان حظهم الوحيد في الحياة أنهم وجدوا وهم في سن أقل من عام، لأنهم لولا ذلك لاختفوا في دهاليز الحياة من الإهمال.

وسبب يعود إلى مجرى مائي غامض لا يعرف أصله، مليء بالطاقة.

إذا غمس جسد الطفل فيه، فإنه يمتص تلك الطاقة، مما يمنحه قدرات خارقة.

لكن هذه القوة كانت محدودة، فقط لأولئك الذين غمرت أجسادهم في المجرى قبل أن يبلغوا عامًا واحدًا من العمر.

ولكي تظهر تلك القدرات، كان على شخص أن يوضع في محنة، أو ظروف بيئية خطرة مثل الآن.

ومع أنه كانت هناك طرق آمنة الا أنها مكلفة لهذا كان من الواضح أن لا أحد يريد تضييعها على نكرة مثلهم.

على كل السبب الذي أعطى لقب المخيف الغريب لريفانس، كان سلوكه الغير معهود بالنسبة لشخص عاش مثلهم.

فبعد أسبوع من وجوده في الثكنة سقط على الأرض خطاً أثناء تنفيده عقوبة جائرة من المدرب.

"هاي انت هل تدرِّب نفسك على أن تكون وليمة للعصا؟" سخر المدرب

وكانت الإجابة التي أتت من فمه صادمة تماماً، " نعم سيدي .. تمامًا كما تدرب نفسك لتكون... ملك الأوغاد."

لم تكن لتاتي مثل هذه الإجابة من شخص طبعت دنيوية في عظامه. وعاش يتيما يساء معاملته منذ نعومة أظفاره.

بطبع المدرب الذي سمع أجابته تلك. ضربه حتى كان على مشارف الموت، ثم أمر بحبسه في المخزن المؤقت والذي كان بمثابة سجن المحكومين عليهم بالاعدام في ثكنة.

في تلك الليلة توقع الجميع أنه في الصباح اليوم التالي سيضطرون لدفن جسده المشوه، لأنه كان معروفاً إذا أمر ذلك المدرب أحدا بوضعه في ذلك المخزن فسوف يستمتع بتعذيبه حتى الموت.

ولكن لدهشة الجميع، كان ما وجد جثة المدرب المشوهة وبدى أنه تعرض لتعذيب شديد.

بينما تم العثور على ريفانس في المخزن بحالة خطيرة لدرجة أنه لم يستطع التنفس بشكل صحيح وجسده يغلي مثل الغلاية.

ومع ذلك فقد جروه لإجراء بعض الفحوصات لتأكيد ما إن كان يمتلك نوعا من القدرات، لكن النتيجة كانت سلبا.

وبعد اسبوع من التحقيقات العقيمة سلم المشرفون القضية وجثة المدرب لمكتب الجنائي العام، وأحضر مدرب جديد.

ولم تكن تلك النهاية.

كان لدى ريفانس العديد من الشذوذ الأخرى التي لا يمكن تفسيرها بشكل صحيح.

فبعد وصول المدرب الجديد كان أول شيء فعله هو استدعاء ريفانس إلى مكتبه.

وتكليفه بتنظيف الحمامات وقاعة التدريب يدويا وهو ما كان مستحيلاً على شخص واحد بطبع.

لكن المدرب عاد وألقى العقوبات في اليوم التالي، بل إنه ذهب إلى حد تخفيف من واجباته.

كما لان تعامله مع جميع المتدربين، يدربهم بحسم وليس بقسوة، يعاقبهم ولكن لا يعذبهم، كما أن حالة الطعام في ثكنة تحسنت بشكل ملحوظ.

حتى إن بعض المتدربين ادعى أنه لاحظ خوف المدرب منه.

وهو ما دفع رئيس المتنمرين إلى فكرة ضمه إلى مجموعته .. وعندما قوبل بالرفض جره هو وعدد من تابعيه ليلا .. في محاولة منهم لتلقينه درسا لا ينسى .. ولكنهم وُجدوا في صباح اليوم التالي مصابين بمرض غريب لدرجة أنهم توفوا بعد يومين، دون أن يعرف أصل المرض وماهيته.

تداخلت هذه الظواهر الغريبة ، وأدت إلى عزل ريفانس ، ومعاملته كشيء مشؤوم من قبل الجميع.

وهكذا كان الحال مع يوهان، كما أنه نأى نفسه عن الاخرين بنفس الطريقة.

لهذا كان غريباً أن يحاول فجأة الإقتراب منه، لدرجة أن يوهان تساءل عن ما إذا كان ارتكب اي خطأ في حقه.

وهل سيختفى بشكل مساوي مثل من سبقوه.

*****

بعد فترة، تجمع الفريق مجددًا في نقطة الانطلاق ليقدموا تقاريرهم بالمشاهدات التي أجروها.

أحدهم بدأ بقوله، "هناك آثار تدل على وجود ثعالب في المنطقة."

آخر تحدث مضيفًا، "ورصدنا أيضًا آثار عديدة تشير إلى وجود أرانب برية في المنطقة. كما تم العثور على علامات مخالب تغزو لحاء الأشجار، مما يشي بأن الحيوانات الأكبر حجمًا تقطن هذه البيئة أيضًا. آثار الخدوش على اللحاء تحمل إشارات قوية على احتمال وجود الذئاب."

ثم تقدم ثالث برأيه، "بكل تأكيد، هذه العلامات تخص الذئاب، ويجب علينا الابتعاد عنها. الأمثل هو أن نسلك طريقًا غربيًا حيث تقل الآثار، ثم نتجه شمالًا."

واعترض رابع قائلًا، "رغم ذلك، لا يمكنا تجاهل وجودها بشكل كامل. ثم ماذا عن الجدول الزمني المحد؟ لا يمكنا أن نضيع الوقت بالتجول في هذه المنطقة."

وتابعه اخر بقوله، "أوافقك الرأي، بالإضافة إلى ذلك، الغابة كثيفة إلى درجة قد تؤدي بنا إلى فقدان الاتجاه."

مع الغموض الذي يكتنف المسافة بينهم والقرية، وعدم وضوح السرعة التي يتعين عليهم السير بها للوصول في الوقت المناسب، اختارت الأغلبية المرور بسرعة خلال أراضي الذئاب.

وبعد مضي عدة ساعات، بقي المنظر الطبيعي دون تغيير، وبدا وكأن غابة صنوبرية المكسوة بالثلوج عاقدة عزمها على الاستمرار بلا نهاية.

ولم يواجه الفريق حتى الآن أية مواقف خطرة، على الرغم من تواجدهم في منطقة التي اشتبهوا في أنها موطن الذئاب،

لتغرب شمس ذلك اليوم إيذاناً بتوقفهم عن المسير لأخذ استراحة مستحقة، حيث اجتمعت أصواتهم على ضرورة الراحة خلال الليل.

في ذلك الوقت، تقدّم يوهان ليعرض فكرته على الجميع قائلاً: "أليس من الحكمة تشكيل مجموعة استطلاع للعثور على موقعٍ ملائم لنتخيم فيه؟"

بعد يوم من السير دون الوقوع في أي مخاطر، كان هناك شعور عام بالأمان أخذ يتسلل إلى نفوس الجميع، مما كاد يدفعهم إلى اختيار مكانٍ عشوائيٍ للتخييم.

ولكن، بإدراك متأخر للخطر المحتمل، تنبه الجميع إلى الخطأ الذي كاد أن يُرتكب، وذلك بفضل التحذير الذي طرحه يوهان.

وطبقا لذلك سرعان ما شكلوا مجموعات تولت كل واحدة مهمة ما.

فواحدة للاستطلاع وأخرى لتحضير الطعام، وتلك لتحصين المأوى بطريقة ما.

كما وزعوا اوقات الحراسة فيما بينهم.

ومع هذا التنظيم، بدأ الأطفال في العمل معًا بانسجام تام.

ومع استقبالهم لنور الفجر الجديد، انطلقت المجموعة مجدداً في رحلتها.

وبعد مسيرة استمرت حتى منتصف اليوم، اختاروا التوقف للراحة قليلاً، حيث بدت مؤشرات قربهم من نهاية الغابة واضحة مع تناقص الأشجار حولهم.

فجأة، انقطع سكون الظهيرة بأصداء ذئاب تعوي في البُعد. "الأصوات تأتي من الأمام مباشرةً"، أشار أحدهم.

"بهذا، لا بد أن نغير مسارنا لنتجنبها"، اقترح آخر.

"أنت على صواب، فمع الخروج من الظلال، زال خوف التيه في الغابة"، أكد ثالث.

وبتوافق الرأي، انعطفوا غربًا، يستعدون للالتفاف نحو الشمال، مستكملين مسيرتهم.

ولكن ما أن ساروا بضع ساعات حتى واجهوا دبا كبيراً، والذي ما إن راى المجموعة حتى ركض لمهاجمتهم.

ولأنه كان دباً واحداً.! لم يشكل تهديدًا لمجموعة كبيرة مثلهم.

علاوة على ذلك ، كان كل شخص مزود بخنجر يدوي مما جعل مهمة القضاء عليه سهلة ، ومن دون خسائر تذكر.

بمجرد أن تنفست المجموعة الصعداء، حتى صدح في الفضاء نباح مخيف. "ذئاب!" يبدو أنها انجذبت إلى صوت الدب وأقبلت لتستولي على الفريسة.

في البراري الشمالية التي تخيم عليها الثلوج طوال العام، كانت الفرائس نادرة، مما يجعل هذا السيناريو محتملاً.

بسرعة، وجدت المجموعة نفسها محشورة بين أنياب قطيع من الذئاب.

بينما، برز بينهم ذئبٌ عملاق، يتجاوز حجمه الضخم حجم ذئب عادي بأكثر من الضعف، مما جعله يقارب طول الإنسان.

أعطاه الفراء الفضي الأملس، وعضلاته المفتولة، بالإضافة إلى أنيابه البارزة ومخالبه القاسية التي تشبه السكاكين, هيئة الوحوش.

“وحش بري! يجب أن يكون وحشا بريا!”

لم يكن البشر وحدهم الذي يمكنهم الاستفادة من مجاري الطاقة ، بل أي شكل من اشكال الحياة لامسه في سن مبكرة أمكنه الاستفادة منه.

وكان هذا هو الحال مع زعيم القطيع.

“نحن محكوم عليهم بالاعدام … ماذا يتوقعون من متدربين عزل أن يفعلوا ضد وحش بري؟“

أصيب معظم المتدربين باليأس ، مع ذلك، لم يتخذوا موقف الاستسلام لمصيرهم المحتوم بالهلاك، واستعدوا للقتال حتى الموت.

في خضم هذا الوضع المتأزم، كان هناك واحداً يتصرف باستخفاف، مظهرًا ضجرا واضحًا من كل ما يحدث حوله.

كان يدير حلقة فضية بين أصابعه لا أحد يعلم من اين اتى بها.

كان ذلك ريفانس.

2024/01/07 · 140 مشاهدة · 1797 كلمة
Let
نادي الروايات - 2026