عندما وجد المتدربون أنفسهم محاصرين بلا مخرج، استل كل واحد منهم خنجره فيما اندفعت مجموعة من الذئاب المتأهبة من الأدغال، وتقدمت نحوهم كطوفان من الفرو الأبيض.

ببراعة، بدأ المتدربون في تلويح بخناجرهم، مدافعين عن أنفسهم.

وفي وقت قصير، بدأت بعض الذئاب تسقط كجثث هامدة، وكانت شجاعة المتدربين تبعث على الإعجاب.

عند ذلك فقط، اخترق عواء مفاجئ وشرس الهواء، تلاه هجوم عنيف من مخلب ضخم أطاح باثنين من المتدربين؛ أُلقي بهما جانبًا، وأجسادهما مشوّهة ومُمزّقة جراء تلك الهجمة.

قائد القطيع الذي لم تُرقه وتيرة المعركة الجارية، قرر التدخل بنفسه.

ومع تدخل رأس القطيع، انتشرت الفوضى في صفوف المتدربين، و أصبحوا فرائس سهلة أمام بطش الذئاب.

سقط العديد من المتدربين ضحايا للذئاب، مسلوبي الإرادة على التصدي أو الدفاع عن أنفسهم.

في خضم تلك الفوضى، تعرض يوهان لهجوم مباغت من ذئب، ولم يمتلك الوقت الكافي ليتفادى الهجوم، فاقتصر رد فعله على رفع ذراعيه بسرعة لحماية رأسه من أنياب الذئب الحادة.

توقع هجوماً مدمراً، لكن... لم يحدث شيء.

وعندما خفض يوهان يديه متحيراً، وجد جثة الذئب ورأسها قد انفصل عن جسدها.

وإلى جوار الجثة وقف شاب ذو شعر اشقر وبشرة شاحبة، تلطخت ببقع من دماء الذئب، وفي يده خنجر ما يزال يقطر دما.

كان ريفانس، هو من انقده.

ثم مد له يده، يوهان الذي أعتقد أنه ربما يريد مساعدته على النهوض.

أمسك بيده مع شعوره بالغرابة، وما أن أمسك يده حتى انقلبت رؤيته رأسا على عقب، وتحول المشهد الذي أمامه في غمضة عين، ليجد نفسه فجأة فوق شجرة شاهقة إلى الحد الذي أصابه بالدوار عندما نظر إلى الأرض، فتشبث بسرعة بالجذع الذي بجانبه، غير قادر على تصديق ما حدث.

لكن رياح الشتاء الجافة القاسية على وجهه كانت تأكد على واقعية الأمر.

جال ببصره حوله، ليفاجأ برأيت المتدربين يكافحون الذئاب في مسافة ليست بالقريبة.

ثم رفع بصره للأعلى، ليرى ريفانس يستقر بهدوء على الغصن الذي فوقه.

في تلك اللحظة امتلأت أفكار يوهان بالحيرة والارتباك، فقد كان من الواضح أن المدربين بذلوا قصارى جهدهم ليتأكدوا من أن الجميع خالٍ من أي أسلحة أو أدوات قد تكون عونًا لهم.

تساءل يُوهان في حيرة: "كيف بحق الله؟! كيف تمكن أن يجتاز مثل هذه المسافة الشاسعة في غمضة عين، بلا معين أو نواقل؟ هذا يفوق حدود العقل، إلا إذا..." – فجأة، تسللت إليه فكرة غريبة، لكنه سارع بأبعادها بقدر سرعة ظهورها، بسب بُعدها التام عن المنطق.

"رفانس، كيف تمكنت من فعل ذلك؟" وقبل أن يتلقَّ أي رد، دوى صوت عواء مخيف في المكان، ما أجبر يوهان على تحويل انتباه إلى المتدربين الذين كانوا يتبعثرون في فوضى، تحت وطأة مطاردة وحش شرس وقطعانه، مما جعلهم هدفًا سهلاً.

"ألن تساعدهم؟" سأل يوهان بعد مشاهدته مدى قوته.

اجاب ريفانس دون تردد: "ولماذا عليّ ؟"

من مجرد النظر في عينيه، أدرك يوهان أن ريفانس لا يكترث لما قد يحصل لهم.

بل ربما كان يستمتع برؤية حال الفوضى والهلع الذي أصابهم.

"حسناً، إذًا لماذا مددت لي يد العون؟" كان يوهان غارقاً في الحيرة.

ابتسم ريفان باختصار وقال: " انا لم أساعدك، وإنما ارد لك المعروف."

" معروف ؟!." لم يتذكر قط أنه قدم معروفاً لريفانس.

"ألم تكن أنت الشخص الذي جاء لعلاجي عندما لم يكترث أحدٌ آخر بعد قضية موت المدرب ؟"

في تلك اللحظة فقط، استرجع يوهان ذكريات حادثة وفاة المدرب حيث كان قد تُرك بلا رعاية طبية، وهو من قدم له بعض العناية.

"أوه، نعم، هذا كان ذلك إبان تلك الحادثة. لكن كيف علمت بهذا وأنت كنت فاقدًا للوعي آنذاك!" تساءل يوهان مذهولًا.

"علمت أنك كنت أنت."، أجاب ريفانس بهدوء.

وبما أن يوهان وجد نفسه عاجزًا عن التعقيب، حوّل انتباه نحو الوضع البائس الذي كان يعاني منه المتدربون.

كانوا يعترّضون لهجمات ذئاب شرسة تقتل بلا شفقة أو رحمة.

المتدربون، في محاولاتهم الفوضوية للدفاع عن أنفسهم، عانوا الأمرّين.

بينما بدأ بعضهم في إظهار قدراتهم الكامنة، إلا أنهم واجهوا صعوبة بالغة في السيطرة على هذه القدرات وتسخيرها للدفاع عن النفس.

ولم يزد الأمور إلا تعقيدًا التحدي الكبير المتمثل في مواجهة زعيم الذئاب الذكي والماكر.

قال يوهان: " يال القسوة، لم يحكموا بالموت على الذين لم يمتلكوا القدرات فحسب، بل حتى على أولئك الذين أصبحت قدراتهم عقلية."

علق ريفانس بلا مبالاة : " السبب واضح. هم يحتاجون فقط إلى أفراد يقومون بدور الدروع البشرية على نحو لا تشوبه شائبة، لرميهم في مناطق الخطرة. ولا شك أن هذه الطريقة هي الأفضل للانتقاء."

في هذه اللحظة، شعر يوهان أن ريفانس ربما هو الوحش الذي اتخذ شكل إنسان.

"هل لن تساعدهم حقًا؟" سأل يوهان.

" لا."

" لماذا ؟ "

هز كتفيه بخفة وقال: "أليس هذا واضحاً ؟! أنا لا أملك اي سبب يدفعني لمساعدتهم ؟"

"سبب... إنهم يعانون من نفس الإهمال الذي واجهته أنت شخصيًا في ذلك اليوم؟ إلا يعد ذلك سبباً كافياً في نظرك." أجاب يوهان بنبرة تحد.

بمجرد أن أنهى يوهان جملته، تفاجأ بانزلاق ريفان بمهارة من على الشجرة، مما أثار هلعه للحظة.

إلا أنه تفاجأ أكثر برؤيته يهبط بسهولة ورشاقة على الأرض الثلجية.

ثم انطلق يركض بتجاه جموع من الذئاب بسرعة فائقة، حتى بدا مظهره كالظل تقريبًا.

طبعًا، لم يكن وصوله غير ملاحظ من قبل زعيم القطيع، الذي سرعان ما كرّس انتباه الذئاب نحوه.

و تمت محاصرته في لمح البصر.

وعلى الرغم من الهجوم الهائل والشرس الذي شنته الذئاب، استطاع ريفانس أن يحافظ على سلامة جسده بأسلوب مثير للإعجاب؛ فقد كان يتنقل بين أعدائه بسرعة مذهلة ومهارة عالية غير مسبوقة.

الخنجر الذي كان بيده ينساب بمهارة عبر الأنياب المكشرة والمخالب الحادة للذئاب بدقة متناهية.

كانت كل حركة يقوم بها تشبه الرقص، حيث يدور حول نفسه وينحني برشاقة ويهاجم بسلاسة تامة.

كل ضربة من خنجره، التي تنفذ بسرعة البرق، لم تترك للذئاب فرصة للتراجع أو الهجوم المضاد.

الجروح التي كان يلحقها بأجسادها كانت دقيقة وفتاكة في ذات الوقت؛ فكل ذئب يقع تحت ضرباته يُسلَم لمصيره بلا أمل في الحياة.

كانت الدماء تتطاير في الهواء مكونةً أقواسًا قرمزية على الثلج الناصع البياض مما يبرز جمالية المعركة.

في نظر المشاهد كانت معركة تُشبه الرقصة الحماسية أكثر منها قتالًا مميتًا.

وفي غضون ثوانٍ معدودة فقط، استطاع ريفانس أن يُسقط العديد من الذئاب جثثًا بلا حياة، مُقترِبًا من زعيمهم بمهارة.

حينئذٍ، قرر قائد القطيع إنهاء الأمر بمعركة فردية لعلمه أن لا أحد غيره يمكنه مواجهته.

فتحرك سريعًا وأرجح مخالبه الكبيرة بشكل مهددٍ نحو تلك الفريسة المزعجة.

لكن تم تفادي هجومه بكل سهولة، وليس ذلك فحسب، بل وصل ريفانس إلى جانبه، وانتزع قائمته الأمامية من موضعها بخنجره.

الوحش الذي كان مصروعًا من الألم، عوى بشكل مُروِّع.

عند سماعهم لعواء قائدهم، اجتمع القطيع بأكمله حوله.

المتدربون، الذين تُركوا لحالهم في تلك اللحظة، غرقوا في حيرة شديدة.

بما أنهم لم يتمكنوا من رؤية ريفانس، الذي اختفى وراء الحشد المجتمع حوله، تساءلوا عن الأمر الهام الذي استدعى قائدهم لدعوتهم، فهم تركوا وجبة طازجة ودسمة في صقيع الشتاء القارس.

لم يخطر ببال أحد منهم أن القطيع تجمع ليس لشيء إلا لإنقاذ قائدهم من متدرب واحد.

بعد أن تجمع القطيع حول قائدهم المصاب، حالوا بينه وبين الصبي المتوحش.

وتحولت المعركة الفردية إلى ميدان تجمع فيه القطيع باكمله للإجهاز على شخصٍ واحد.

وعلى الرغم من ذلك، النتائج لم تكن مختلفة.

ذلك الشخص كان ينتقل بين خصومه كظلٍ سريع، يتلاعب بالضوء والأجسام من حوله.

وفي دقائق معدودة استطاع تخلص من الأتباع، وطارد القائد الفار.

دار جسده حول الوحش الهارب مثل الشبح، وهو يفتك بأطرافه واحدة تلو الأخرى، وينثر اشلائه في كل مكان...

عوى الوحش بضعف مستمر، محاطًا بأطرافه، واشلائه المتناثرة حوله.

وأخيراً. غرس ريفانس خنجره بلا رحمة في رأسه ليخترق جمجمة الوحش.

جاهد الوحش بشكل عنيف، يائسًا في محاولة للتشبث بما تبقى من حياته.

أما المتدربون الذين كانوا عاجزين عن فعل أي شيء سوى المراقبة، فقد وقفوا مشدوهين، واختلطت أنفاسهم السريعة مع الأصداء الغابة الموحشة، تراقب أعينهم ريفانس بمزيج من الامتنان والرهبة.

كانت الأرض حول ريفانس مُنقوعة بالدماء، ولكنها لم تكن دماءه، وإنما كانت دماء الوحوش الذين قتلوا على يديه بكل وحشية.

وتناثرت دمائهم واشلاؤهم لترسم لوحة فنية على الأرض الثلجية الكريستالية.

مشكلة منظراً يجمع بين القسوة والجمال في آن واحد.

بينما وقف هو هناك مغطى بستار من العرق والدم.

ولم تعكس الغابة الثلجية حوله سوى الصمت، كما لو أنها تقف في حداد على روح الوحش الذي كان يحكمها ذات مرة.

فجأة، إنهار الشخص الذي كان يقاتل بكل ضراوة وعنف قبل لحظات، وبدأ يسعل بعنف.

"أوغ..!" كان ذلك صوته وهو يقذف بالدماء من فمه.

بعد أن شاهدوا ذلك، اندفع الجميع نحوه معتقدين أنه جريح.

لكن حين رأوا التحولات الغريبة التي طرأت على جسده، استولى الخوف علىهم وبدوا في التراجع.

" إنه... إنه هولغاي!"

امتلئة الغابة بصوت همساتهم وضجيج أقدامهم وهم يتراجعون خطوة تلو الأخرى.

حتى إن بعضهم أتخذ وضعية الدفاع.

عند رأيت ردود أفعالهم ابتسم ريفانس بسخرية.

في تلك اللحظة رن صوت لاهث من الخلف "ريفانس هل انت بخير ؟."

كان يوهان الذي استطاع أخيراً نزول من الشجرة يركض نحوهم.

" يوهانس احذر أنه من الهولغاي." حذره صديقه وزميله في الغرفة ميرال مشيراً إلى ريفانس.

" "ابتعد عنه؛ إنه وحش!" أردف غلين، أقرب شخص إليه بعد ميرال.

" ماذا؟." كان رد يوهان مليء بالدهشة وعدم الفهم.

2024/01/08 · 105 مشاهدة · 1409 كلمة
Let
نادي الروايات - 2026