كان يوهان يراقب تحركات ريفانس من بعيد، إذ كان يجد صعوبة في النزول من الشجرة نتيجة لإصابته بجرح في ساقه في وقتٍ سابق.
كان يشعر بالصدمة إزاء قوة ريفانس الوحشية، لا سيما أنه كان، دون شك، أحد الأشخاص الأقل لياقةً في المجموعة. كان نحيل البنية، قليل العضلات والدهون، إلى درجة أنه بدا وكأنه يعاني من نقص حاد في التغذية.
ومع ذلك، حتى عندما احتشدت الذئاب حوله بالعشرات، كل منهم يلوح بمخالبه وأنيابه القادرة على إلحاق ضر جسيم لا يمكن إصلاحه، ظل ريفانس يتحرك بمهارة وخفة. ومع كل حركة متقنة من خنجره، كانت رقبة ذئب تُقطع وتطير لتقع بعيدًا.
لم يكن للخنجر الذي يحمله ريفانس أية وظائف خاصة، فقط كان صلبًا، ومن هنا كان واضحًا أن ما تبقى كان ينبع من قوته الخاصة وبراعته.
وفي فترة وجيزة، تخلص من الذئاب كلها تقريبًا، وإذ به ينهار على الأرض فجأة.
سارع الجميع نحوه، وكان يظن أنهم ربما سيشكرونه ويعتنون بجراحه، لكن ما حدث كان العكس؛ فقد تراجع كل المتدربين وأصبحوا فجأة حذرين منه. عندها فقط، هبط الشخص الذي ظل يناضل طويلًا لينزل من الشجرة بسرعة تفوق الخيال.
وبحلول الوقت الذي استعاد فيه عقله، كانت قدماه على الأرض مع شعور بشيء دافئ يتدفق في عروقه، كأن شيئًا في داخله قد استيقظ فجأة.
لاحظ أن جسمه قد أصبح أخف وزنًا بكثير، ولم يمضِ سوى لحظات حتى وصل إلى رفاقه.
نادى: "ريفانس، هل أنت بخير؟"
"يوهان، احذر! إنه من الهولغاي!" صاح صديقه ميرال.
"ابتعد، إنه وحش!" تبعه غلين في التحذير.
"ماذا؟" أجاب يوهان متسائلاً.
أبتسم يوهان ابتسامة ساخرة وقال: "أوه، حقًّا؟ أظن أنكم فقدتم عقولكم. أين يوجد هولغاي يساعد الناس في هذا العالم؟"
بعد قوله ذلك، اقترب يوهان بلا تردد من ريفانس، الذي بدأ يسعل ويقذف الدماء مرة أخرى.
عندها فقط رأى يوهان بشرة ريفانس عن قرب، وأدرك فورًا ما كان الآخرون يتحدثون عنه.
أمامه الآن، ظهرت تلك الخطوط الدقيقة والمتوهجة بلون أزرق فاتح تزين جلده.
في تلك اللحظة، اضطر يوهان للتراجع عن إنكاره السابق.
كان الأمر حقيقيًا بالفعل، ولا يمكن إنكاره؛ ريفانس هو فعلاً أحد أفراد تلك السلالة المروعة.
تلك النقوش الزرقاء لم تكن سوى الدليل القاطع على أنه ينحدر من عرق الهولغاي، تلك الكائنات التي تحمل كل أوصاف الشر والتي انتشرت على امتداد الأرض. أقوياء، متعطشون للدماء، يتلذون بألم الآخرين وعذابهم.
مع قلة عددهم وقصر أعمارهم، فإن الواحد منهم كان يمتلك القدرة على ترويع شعوب بأسرها وتشريد ملاين النفوس خلال فترة حياته القصيرة.
يُقال إنهم يكونون ضعافًا في مرحلة البلوغ؛ ربما كان هذا الأمر صحيحًا عند النظر إلى حالة ريفانس الآن.
ولكن، على الرغم من هذه الحقائق المروعة، لم تتغير حقيقة أنهم لا يزالون على قيد الحياة الآن بفضله.
عندما رأى ميرال الصراع واضحًا في عيني يوهنا، صاح عليه باستنكار: "بربك، يوهنا! ما الذي تترد في شأنه؟ حتى لو أُنقذنا الآن، فهذا لا يمحو الحقيقة أنه من الهولغاي، وحشٌ دمويٌ قد قتل مئات الأبرياء."
في تلك اللحظة، ملأت فظائع هولغاي الموثقة عقل يوهنا، وهنا استل خنجره هو الآخر.
وقف ريفانس، متجاهلاً ألمه، بعينين تحملان برودة الجليد الذي يقف فوقه.
غطى الدم بلونه القاني كل شبر من جسده، شاهداً على المعركة الشرسة التي خاضها.
يمكن ملاحظة الدم وهو ينساب برقة من زوايا فمه، وتنفسه الثقيل يتصاعد في الهواء القارص البرودة.
حوله، تحركت أجساد المتدربين الذين أنقذهم للتو، يتسارعون نحو مخلصهم الذي بات فجأة هدفهم.
كأنهم يعزفون سيمفونية صامتة من الخيانة، لتبدأ المعزوفة بحركة من نوكس، صاحب القدرة الخارقة على السرعة، يختزل المسافات بخطوات كانت كفيلة بجعل البقية يكتفون بمشاهدة ظهره فقط.
اندفع نحو ريفانس بكل ما أوتي من سرعة وقوة، ملوحا بخنجره نحوه.
وحينما شارف الفولاذ على لمس اللحم، لوى ريفانس جسده برشاقة، متراجعاً بضع خطوات إلى الوراء، وكأنه يرقص على إيقاع آخر، إيقاع يعرفه جيداً ويسيطر على نغماته.
ودون إبطاء حاول نوكس الهجوم مرة أخرى، لكنه فوجئ بجسده يطير مسافة مترين للخلف، كأنه دُفع بقوة غاشمة.
خطاه التي كانت سريعة غدت بلا هدف وهو يعلو ثم يسقط، في حضن الثلج الذي بدا كمرقد أبيض ناعم يتقبله دون اعتراض.
ومع السقوط، غابت الأصوات المحيطة به، ولم يسمع إلا ضجيج نَفَسِهِ المتقطع الذي تلاشى ببطء على الثلج، ليزور الألم جسده متأخيراً، كرسالة مؤجلة تصل بعد انقطاع الاتصال.
لم يُسمع صوت صراخه؛ فقط زفير أنفاسه الدافئة، الذي انتُزع منه، كان يشكل سحابة بخار فوق وجه، تتلاشى بلا صدى.
الأشخاص الذين كانوا يركضون خلفه تجمّدوا كتماثيل من الجليد، عيونهم معلقة على الحفرة الداكنة التي تشكلت على الجانب الأيسر من صدره.
حفرة مروعة؛ نافذة إلى فراغ يبتلع الحياة، بحافة مماثلة للبداية المفاجئة للسكون الأبدي.
وفي إدراك متأخر، لاحظوا سلاح الجريمة؛ تلك الأداة الفتاكة التي وجدت مكانها في يد ريفانس.
مسدس بلون لؤلؤي أبيض يُحاكي لون بشرته كالحرباء.
إنه مسدس لاين، تصميم عبقري ينطق بالوحشية الصامتة، بمظهر جذاب يحتوي على تقنيات متقدمة للقتل الصامت، والتي لا تستقيم إلا بيد مهندس موت أصيل.
مقبض المسدس مُصمم ليناسب كف اليد بدقة، مما يجعله امتدادًا للذراع.
يأتي مع ناقل خفي يركب في الجزء السفلي من الدراع، بحيث أنه بمجرد لمسه بطريقة محدة، ينبثق المسدس ليستقر بيد المستخدم، كأنه لم يعد مجرد أداة، بل جزء لا يتجزأ من جسد الشخص.
لم تكن هناك حاجة لمعرفة تفاصيل أكثر لتدرك أنه رمز للسلطة الخفية، واختيار المغتالين الأول.
أما جثة نوكس، فقد كانت الدليل الصامت على قوة ذلك المسدس.
حيث بدأت الجثة بالتفتت، اللحم والعظم كانا يتحلان إلى ذرات دقيقة، تختفي واحدة تلو الأخرى.
كأن الروح المغادرة للتو تركت الجسد يلحق بها في تلاشٍ يتناغم مع قسوة الفعل.
الثلج الذي تلون بحمرة الحياة يعود ليسوده البياض من جديد.
ملأ الهواء عبق رائحة الخوف والتوتر الناتجة عن الرعب والإنكار، اللذين كانا يلفّان المتدربين كشحنات كهربائية. الثلج تحت أقدامهم كان كالزجاج؛ يعكس ببرودة، المنظر المظلم الذي تجلى أمامهم.
نوكس، الذي كان في السابق رمزًا للقوة والأمل في قلوبهم، ذاب بطريقة تشبه الخرافات؛ فقد تبدت جزيئاته فلا تُرى، كأسطورة - قصة تُروى دون أن يرى لها أثرًا.
انقسمت المجموعة إلى قسمين:منسحب فار وهم الاقلبية.
ومكمل يائس. لم يستطيع بلوغ هدف متنقل يتجاوز حدود الزمن والمكان.
ريفانس، الذي لم يكن يملك النية لمنح الفرصة لأي من الطرفين، كان يطلق الرصاص من مسدسه بصمت، مخترقًا ظلام الليل البهيم.
لم تكن هذه هي النهاية التي رسموها في أذهانهم.
بعد فترة من الزمن استعاد الصمت عرشه في المكان، مخيمًا السكون على أرجاء الغابة مرة أخرى.
تاركًا وراءه فقط همس النسيم، الذي بدا وكأنه ينعي الأرواح الراحلة.
ليسود المكان مشهد الفتك الذي لم يكن متوقعًا في لحظة كانت من المفترَض أن تكون احتفالية.
نظر ريفان إلى الشخص الواحد الذي لم يقتله.
كان ذلك الشخص هو كارل، الوحيد الذي لم يحاول الهجوم عليه. وقف كارل هناك، مرتعشًا وعيناه ملآنتان بالرعب.
قال ريفان بصوت مبحوح: "أنت الوحيد الباقي، أليس كذلك؟"
أجاب كارل بصوت مرتجف وخافت: "نعم، أنا الوحيد الذي... الذي تجاوزتم قتله."
سأل ريفان، والابتسامة الشريرة تعلو وجه: "إذًا، لما؟ لما لم تحاول القتال أو الهروب مثل البقية؟"
حاول كارل التركيز وتجاوز الخوف الذي ينتابه. كان يعي تمامًا أن عليه الإجابة بسرعة إذا أراد النجاة.
" لـ - لأنـ - نك لست هـ - هولغاي في الحقيقة.!" كان الجزء الأخير من جملته بالكاد مسموعا.
ثم صمت فجأة، وانتابه الذعر من احتمال تفسير كلماته على أنها إهانة. "أنا آسف، لكن عندما التقيت بهولغاي منذ خمس سنوات، كان مختلفًا تمامًا عنك."
ألقى ريفانس نظرة عليه ملؤها الدهشة والارتباك؛ لكنها كانت للحظات فقط، قبل أن يستعيد مظهره المعتاد ويقول بجفاء: "تابع."
حاول كارل جمع شتات أفكاره، والتي بدت كما لو أنها تفر من تحت وطأة النظرات الثاقبة التي يلقيها ريفانس. قال بترد: [لا أعلم كيف أصف الأمر بدقة، لكن الهولغاي الذي رأيته يبدو كمن أصابه جنون من نوع ما... فكلما مات شخص كان يستمتع بتعذيبه، يصبح في حالة من الذهول ثم الغضب.]
كانت عينا كارل تتنقلان بحذرٍ في تعابير وجه ريفانس أثناء حديثه، محاولاً التأكد من أن كل كلمة ينطقها لا تثير غضب الأخير.
[في صباح أحد الأيام، توجهت أنا ومجموعة من رفاقي إلى مكان عملنا في مصنع الألبان.
وبينما كنّا في الطريق، انفجر المبنى الذي كنّا نمشي بجواره. أُصبت جراء الانفجار وتُركت في مكاني مغشيّاً عليّ، بينما فرّ كل رفاقي باستثناء أربعة منهم، والذين وافتهم المنية.]
بعد لحظات من الصمت، أخذ كارل نفسًا عميقًا، وأكمل حديثه بتعابير وجهٍ تكشف عن لمحات من ماضٍ أليم.
[بعد فترة، استفقت على صوت ضحكات وصيحات مروعة من أشخاص يصرخون من شدة الألم.
كان الضحك يعود لصبي بشعر أسود، شاحب البشرة، نحيل كجثة متحركة.
والأدهى من ذلك، أن فمه كان يقطر دماً.
من الوهلة الأولى، اعتقدت أن الدماء التي تلوث فمه ناتجة عن عملية التهامه للحم ضحاياه، لكن... وبشكل مفاجئ، انتابته نوبة سعال عنيفة، بدأ على إثرها بالتقيؤ دماء، ترشحت منه بغزارة مثيرة للصدمة.
حوله، كانت جثث حراس المملكة متناثرة على الأرض، مقتولين بشكل مروع. أما المدنيون، لا تسأل عنهم.
في الوقت الذي أفقت فيه واستعدت وعي، كان الصبي يستمتع بتعذيب ثلاثة من الحراس الأحياء المتبقين. وعلى وجه تلوح علامات نشوة غريبة.
كان يصغي إلى صرخاتهم المفزعة والمؤلمة وكأنها ألحان متناغمة تمتع الأذن.
حتى بعدما قتل الجميع، لم يحاول الفرار؛ بل واصل البحث عن ضحية آخرى.
ولما وصلت فرقة الحراسة الأخرى للتصدي له، استقبلهم مهاجمًا دون مبالاة بأذى جسده؛ كان كالجماد الذي لا يحس بالألم أو بأي شعور آخر.
وفي النهاية، قُتل بعدما أزهق أرواح 450 حارسًا، 136 منهم كانوا من النخبة، بالإضافة إلى آلاف المواطنين.]
ثم صمت للحظة، قبل أن يقول بحذر: "معظم البيانات والمعلومات الموثقة تشير أيضًا إلى نفس الشيء... أعني فقدان العقل. لذا اعتقدت أنك لست منهم."
"أنت تتحدث عن حادثة مصانع ألبان كرور، صحيح؟" سأل ريفانس بصوت جاد.
كارل، متناسيًا للحظة شعوره بالخوف، أجاب: "بالضبط، أنت محق في ذلك."
"إذًا، كيف نجوت بينما تشير السجلات إلى عدم وجود ناجين؟" سأل ريفانس بحدة، وكأنه يلفت الانتباه إلى التناقض في السرد.
"بالإضافة إلى ذلك، تم توثيق الحادث على أنه انفجار ناتج عن خلل تقني أدى إلى تسرب الروشانين، وهي مادة شديدة التفاعل قادرة على إحداث دمار هائل."
أجاب كارل بنبرة مشحونة بالمرارة، "لأني كنت طفلًا يتيمًا تحت رعاية المملكة، فقد تم نقلي إلى ملجأ آخر وأُغلقت القضية بالاستناد إلى عدم وجود ناجين. أما بخصوص المادة، فقد قالوا ذلك لتستر على الإخفاقات الكارثية في إجراءات السلامة.."
"غير صحيح"، قاطعه ريفانس بحزم. "حتى لو كان كلامك صادقاً، يجدر بالملكة أن تكون قد محت ذكرياتك كجزء من سياستها للتعامل مع الشهود. كيف إذًا تمتلك ذاكرة كاملة لتلك الوقائع؟"
"يبدو أني محاصر... ربما وجب عليّ الآن تقديم نفسي بشكل صحيح." ومع هذا الإقرار، ذابت الصورة الهشة للفتى الجبان كأنها لم تكن.
"تحياتي، أنا العينة 8059 منشآت يارسكي." وهنا كانت الصدمة لريفانس.