"تحياتي، أنا عينة 8059 من منشآت يارسكي."

في اللحظة التي انبثقت فيها سلسلة الأرقام تلك من فم كارل، شعر ريفانس ببرودة تخترق مسام روحه.

الأرقام لم تكن سوى وسيلة لتجريد الذات وتحويل الإنسان إلى مجرد كائن تجريبي.. كأداة بيد علماء يُعمهم الجنون.

الغابة المتجمدة حوله بدأت تبدو كجنة بين ذكريات مختبرات يارسكي.

لحظة صمت، كانت كافية لتدور عجلة الزمن للوراء، حيث الأصداء الباردة لمرات يارسكي المعتمة بدأت تناديه من جديد.

تعيده إلى تلك الذكريات المظلمة.

الذكريات التي احتاج كل ما في وسعه ليدفنها تحت أثقال عزيمته.

كانت منشآت يارسكي سجناً، لا، هي لم تكن سجناً بل تجربة حياة قد لا يفهمها سوى من عاشها.

الأضواء الساطعة، الممرات النظيفة الباردة - العيون التي لا ترمش ولا تشعر ولا تُعبر عن شيء.

الطلاء الأبيض الذي يملأ الجدران باعتباره ملاذاً للهدوء، يخلق في نفسه انعكاساً للفراغ الممتد في أعماق روحه.

"عينة 9800، التجربة رقم 47 ستبدأ الآن."

صوت الإعلان كان نذيراً ببدء المعاناة من جديد.

الكبسولات، الأنابيب، الأسلاك - جميعها تتكالب عليه، والعيون الثاقبة تراقبه باهتمام بالغ، متوقعة، مطالبة، وجشعة لما سيُكشف من بيانات على حساب آلامه.

آلمه، صراخاته، لم تعد سوى مِعوَل يحفر في الجحيم بحثاً عن تقدم يُفترض أن يحدث للإنسانية.

كانت الاختبارات تتراوح ما بين العقلية والبدنية. هلاوس ذهنية، تحديات قوة، تجسيد الألم في أشكال لا تُعد ولا تُحصى.

ولكن الأسوأ لم يكن الألم الجسدي، بل الانفصال عن ذاته، انتزاعه من حضن الإنسانية، ليصبح مجرد رقم، إحصائية في تجربة.

عينة 9800، لا اسم، لا ماضي، لا مستقبل، فقط الحاضر المُتمثل في وجع دائم.

مع كل تجربة تجاوز فيها حدوده البشرية، شعر بالجزء الذي يفقده من إنسانيته، وكأن كل مرة يعود فيها إلى حُجرته، يعود بروحٍ أكثر هشاشة، أكثر هدوءاً، وأكثر استسلاماً لمصيره القاتم.

تمرد؟ نعم، حاول.

المقاومة؟ بالتأكيد، ولكنها كانت دائماً محكومة بالفشل.

كان الأمل يُحتضر مع كل يوم. وما الأمل في عالم يارسكي سوى كلمة بلا معنى؟

في ذلك السجن المظلم، الذي كان يُسمى بـ"غرفة الأحياء" بسخرية مُرّة، كان يجلس ريفانس، يتنفس صمتا تلتهمه الهمسات والصرخات المكتومة.

***

في احدى الليالي اهتزت المنشأة بأكملها تحت وطأة هجوم غير متوقع.

كان الانفجار الأول مجرد همسة مقدمة لعاصفة من الفوضى.

وبدأت انفجارات عنيفة متتالية لدرجة أن جدران الزنزانته التي كانت في أعمق مكان من المختبر بدأت تهتز وتتشقق، كأن أحدهم يحاول انتزاع المنشأة بأكملها من الارض.

مع تصدع الأساسات قام ريفانس بالركص في محاولة للهرب، ولكن الحراس الذين لم يتزحزحوا من أماكنهم رغم الاضطرابات، كانوا على أهبة الاستعداد، لابقائه مسجونا ولو كلف ذلك حياتهم.

لكن مجموعة من المتسللين وصلت إلى المكان، مما حول انتباهم نحوهم.

استغل ريفانس الأمر وبدأ ينزلق من بينهم.

واستطاع الابتعاد والاندماج بشكل مثالي داخل الفوضى الحاصلة.

وبعد تجاوز الطوابق السفلية المظلمة، وصل الى الممرات البيضاء المطيئة للمنشاة وكانت الأبواب مشوهة ومكسورة، ونوافذ والممرات تم تحطيمها.

مما يبدو أن الهجوم قد تم تنفيذها بواسطة مجموعة مسلحة قوية ومدروسة.

مع قدراته على التنقل وصغر حجمه كطفل هزيل في الثانية عشر من العمر، كان من سهل عليه التسلل بين الحطام والأصوات المدوي للانفجارات.

بعدما طاف بلا هدى في أرجاء المكان الغريب، لاحظ ريفانس باحثاً مصابا يرتجف خفية خلف أنقاض بوابة متهالكة.

كان يكافح ليشدّ حول خصره حزام الانتقال الفوري، ذلك الجهاز الغامض الذي لم يكن لريفانس سوى معرفة ضئيلة به، لكنها كافية ليدرك أنها قد تكون وسيلة نجاته.

بخُطى واثقة لكن دون ضجيج، تقدّم ريفانس نحو الباحث الذي بدت أنفاسه متلاحقة، غارقة في بحر الذعر عندما لمحه.

الباحث الذي شاهد محاولاته اليائسة للهروب، عرف بنظرة واحدة ان ذلك الوجه البريء المشوه بآثار البؤس، ليس إلا شيطاناً في صورة طفل.

اقترب ريفانس وهمس بصوت فقد كل أثر للطفولة، "أيها السيد، دعني أساعدك في ربطه الآن أو ستفقد الفرصة الحياة أو حتى إمكانية الموت بهدوء إلى الأبد."

كانت أحزمة النقل معدة بأسلوب فريد بحيث تنشط فقط استجابةً لإرادة أصحابها المحددين.

كانت النظرات الاثنين تعكس المصير نفسه.

كانا حبيسين لخوفهما، لكن ريفانس كان قد تمرس بالخوف طويلاً بما يكفي ليتلاعب به.

بصعوبة، أومأ الباحث المذعور، واستسلم لإرادة ريفانس.

وحين اعتمر الباحث الحزام، كان جسد ريفانس يلتصق بجسده كظلٍ لا ينفصل.

تحت الأنظار المرتجفة للباحث، دوى صوت الانتقال، فكان الهواء يحمل معه دوامات مضيئة لتحفر في الفضاء ممرًا، وبلا مقدمات، اختفى الاثنان في العدم.

******

في أعلى طابق من مطعم فخم، حيث الأضواء الخافتة تنشر سكينتها في المكان مع الحفاظ على توازنها الأنيق، اجتمع ثلة من الرجال تظهر على وجوههم الجدية وتلوح من ملامحهم إيحاءات الملل.

إنهم المدربون المكلفون بالإشراف على مجموعة من الشباب الذين تركوا لمواجهة تحديات الغابة المجمدة، للوصول إلى هذه القرية.

الأول كان المدرب زارك ببشرة داكنة وشعر أسود أشعث. بجسده العريض، ولحيته الخفيفة.

يرتدي زيه الرسمي الأزرق الداكن المميز بشارة القيادة. كان مدرب التمرينات الجسدية، إذ يشتهر بقوته الجسمانية الهائلة.

الثاني، المدرب يانيث، بقامة طويلة تضفي عليه هيبة لا تخطئها العين. شعره البني المحروق مربوط بإهمال. يرتدي زيًا مماثلًا مع شارة تدل على تميّزه وأبرز قدراته الزيادة في متانة جسده وهو خبير أسلحة ومدرب الرماية.

وفي نهاية الجلسة، كان المدرب باير ببنيته المتوسطة وشعره الرمادي وبشرته المجعدة، يحمل نظرات توحي بالحنكة والخبرة.

استنشق نفسًا عميقًا من سيجارته الداكنة وهو يرتدي زيًا مشابهًا لكن مع تفاصيل تُظهر ميلاً للتميز، كان مدرب التكتيك والتوجيه.

"من المحتمل أن ذلك الشخص الكسول ما زال نائمًا في غرفته حتى الساعة," تحدث زارك بنبرة تحمل بعض السخرية.

"في الحقيقة، غيابه ليس بالأمر الجل، إذ دومًا ما يصل متأخرًا عن الموعد المحد بساعة كاملة في كل عام," رد باير بلا مبالاة.

"حسنًا إذًا، هل نبدأ الآن دون تأخير؟" اقترح يانيث بلهجة مرحة.

زارك فتح فمه قليلاً، وفي حين كان يداعب لحيته الخفيفة بتأمل، وقال بثقة، "أراهن بعشرين، لا أكثر."

ضرب يانيث يده على الطاولة، وهو يقول، "أنت متشائم دائمًا. أراهن على أربعين، لقد دربناهم جيداً بالفعل".

ألقى باير نظرة ساخرة تجاهما. "إن كان يجب أن أراهن، فأنا أقول خمسة فقط هم من سينجون، لا أكثر".

اجتمع جميع المدربين هنا اليوم لأنه كان اليوم الأخير من الموعد، وكان من عادتهم الرهان بمن سينجوا من المتدربين الذين تركوهم في الغابة، في هذا المطعم كل سنة مثل الآن.

تبادل الجميع ابتسامات متواطئة قبل أن يضع يانيث قرصا لتنبثق شاشة سوداء اللون.

زمجر زارك وهو يضع كوبه باستياء، " ما هذا ؟ ما الذي حدث للكاميرا ؟."

الشاشة التي كان من المفترض أن تظهر المشاهد الحية للحالة الحالية للمتدربين كانت سوداء الآن.

وقف زارك بغضب، ووجهه يعكس برودة أكثر من التي في الظلام خارج النافذة. "يجب أن نتأكد مما حدث."

لكن يانيث وضع يده على معصمه موقفا إياه. "لا تستعجل، لعله مجرد خلل فني.".

وضع باير سيجارته جانباً، وتحدث متلاعبا بالدخان الفار مع كلماته، "لنسمح للقدر بلعب دوره، فهذا سيجعل لرهان بعض المتعة."

تابعه يانيث بضحكة: " كورجا سيكون أيضاً في ورطة، أنا أتطلع لذلك." [هنا يقصد المدرب الذي وضع الكاميرا مكانه.]

بعد تلك الكلمات جلس زارك مجددا.

كل منهم يغرق في تخيلاته وتوقعاته عما قد يكون يحدث في الغابة الآن.

ويتراقص الشعور بين الترقب والخوف ولذة الانتظار لنتيجة رهاناتهم.

ظلوا جالسين، متجاهلين العالم الخارجي، يغرقون في ذكرياتهم واحاديثهم الخاصة.

واستمرت الساعات تمضي دون جدوى، وتحولت الجلسة إلى شبه احتفال صامت بالترقب والقلق، متوجًا بسؤال معلق في الجو: مَن مِن المتدربين سيخرج ليحكي قصة النجاة ضمن جحيم خلقوه بأيديهم؟.

رن الصوت الرتيب لنادل المطعم إيذاناً بوصول زائر جديد.

إلتفت الجميع نحو الباب حيث دخل رجل طويل القامة، يُلقي عباءته المبتلة بثلوج الشتاء جانبًا، ويتقدم نحو الطاولتهم بخطى مترنحة، وقد أضاءت عيناه بنذير أخبار ......

2024/01/12 · 89 مشاهدة · 1163 كلمة
Let
نادي الروايات - 2026