بقيت خمس ساعات فقط حتى الموعد النهائي عندما استفاق كورجا من نومه العميق.
خلال الأيام الثلاثة السابقة، كان المدربون يستمتعون بإجازاتهم باستثناء كورجا نفسه، والذي تلقى مهمة مراقبة المتدربين خلال المحنة.
على الرغم من أهميته كطبيب في الثكنة، إلا أن الإدارة العليا لم تشأ إشراكه، معتبرة كل يوم في حياته بمثابة إجازة بالنسبة لهم.
إلا أن كورجا لم يُقدّر هذه الفرضية؛ فابتكر حيلة ذكية حيث استعان بكاميرا ذكية لتأدية دوره بينما ينغمس هو في استحقاقه الصحيح للراحة.
بعدما أعد كورجا نفسه وارتدى حزام النقل الخاص به، مد يده ليلمس سواره الإلكتروني، في انتظار أن توفر له عينه الخفية المعلومات الضرورية لإعداد تقريره.
إلا أنه، وبكل استغراب، لم يجد سوى الظلام الدامس يكسو الشاشة.
بحث في التسجيلات، متراجعًا ساعة تلو الأخرى، ثم لمدة يوم كامل، حينها فقط بزغت اللقطات المطلوبة من الضباب الأسود - وكانت قد تم تسجيلها قبل ثمان وعشرين ساعة بالتحديد.
على الشاشة، ظهر المبتدئون وهم يخوضون معركة شرسة ضد الدب، ثم الذئاب التي انجذبت إلى الفوضى التي أثارها القتال.
كان كل شيء يبدو أنه يسير وفقًا للخطة الموضوعة بعناية.
ومع ذلك، عندما تدخل زعيم الذئاب في المعركة، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ انقطعت الإشارة البث إلى غير رجعة.
هذا ما جعل كورجا يقف محتارًا، متسائلاً: هل ما حدث كان مجرد عطل تقني أم شيءٍ آخر؟.
قرر كورجا أن يتبع آخر إحداثيات التقطتها الكاميرا. وحالما وصل إلى الوجهة المحددة، استقبلته نسمات الريح الباردة المنبعثة من الغابة المكللة بالثلوج.
ألقى نظرة شاملة حوله؛ لا وجود لأي أثر، لا للمتدربين ولا للذئاب التي كانوا يتصارعون معها.
كان المشهد الذي يحيط به هو بساط أبيض شاسع يكسوه الثلج والصقيع، حيث تتوارى الأشجار العريقة تحت شال الشتاء الناصع، وتنحني الأغصان تحت ثِقل الثلوج، وكأن الطبيعة نفسها قد توقفت عن الحركة للحظات، فيهيمن الصمت المُطبق إلا من أصداء خطوات كورجا التي تكسر الهدوء الراسخ.
لم يكن هناك سوى هذا المنظر، لا شيء يعكر صفوه.
توجه كورحا نحو الشجرة الأطول التي يمكن رؤيتها، أخرج جهاز ماسح الأثر الخاص به في محاولة لرصد الكاميرا الضائعة.
[لا أثر]
هذه الكلمات القليلة هي ما استمرت في الظهور على شاشة الماسح الخاص به، مرارًا وتكرارًا، حتى بدأ يشك كورجا في صلاحية كافة أجهزته هذا اليوم، وكأنها جميعًا ابتليت بلعنة ما.
لكن الكاشف أكد بثقة على طهارته من أي نوع من اللعنات، بعد أن استخدم كورغا الجهاز على جسده، مُظهِرًا بكل شفافية قائمة مُفصّلة من الأشياء التي يحملها.
ومن خلال تلك الدقة في الكشف، بات من الجلي أن الكاميرا هي ما اختفى من المكان، لا غير.
على إثر ذلك، بدأ كورجا رحلة بحث مضنية في أرجاء الغابة، مستخدمًا حزامه الناقل، يجوب المنطقة، حتى تمكن أخيرًا من العثور على المتدربين عند أطراف قرية قورن.
قرية قورن، قرية ساحرة محاطة بأسوار كبيرة، وأبراج ترتفع مداعبة للسحب تحرس أطرافها بكل وقار وعزة، تقع أسفل زخات النور التي تتساقط من أشجار الغابة المتجمدة المحيطة، مُبدِية مشهدًا يُشبه لوحة فنية مرسومة بتفاصيل دافئة وعريقة.
"وأخيرًا وجدتكم"، أعلن كورجا بنبرة تختلط فيها الراحة والإنجاز.
"المدرب!"، صدح يورس، متدرب نحيل بشعر أشقر داكن يتماشى مع بريق عينيه الزرقاوين، بنبرة تملؤها الدهشة والارتياح.
"سيدي، ما السب وراء وجودك هنا؟"، تابعه ميلد ذو الشعر البني والقامة القصيرة بصوت متسائل.
توجهت انظار جميع المتدربين في انتظار جوابه.
تسارعت الأفكار في ذهن كورجا وهو يفكر في مأزقه. 'كيف سأسألهم عن ما حدث بالضبط؟' تساءل في صمت، وهو يتأمل الأمر.
"كم تعدادكم هنا؟" سأل بجدية.
"ثلاثون،" أجاب ميلد مباشرةً.
"جيد، إنه عد كبير مقارنةً بالأعوام الماضية." وأخذ كورجا يفكر في الخطوة التالية.
عندها لاحظ شيئاً أثار عجبه: ملابس المتدربين جميعًا كانت ممزقة مغطاة بالدماء. مع ذلك، كانوا يتحركون بخفة ويسر دون أي معوقات.
بدا واضحًا أنهم تعرضوا لهجوم الذئاب، لكن غرابة الأمر تكمن في عدم وجود أي جروح تذكر على أجسادهم.
دعى كورجا بصوت جهوري مليد، ذلك الصبي القصير المعروف بميله إلى الثرثرة وعدم قدرته على الاحتفاظ بالأسرار.
"نعم، سيدي؟" استجاب مليد على الفور.
"أود أن أعرف لماذا لا يظهر على أي منكم جراح تتناسب مع حالة ملابسكم التي تبدو كأنها عانت من صراع عنيف."
"آه، هذا بالفعل شيء يدعو للحيرة، سيدي." اعترف مليد وفي وجهه تعابير شخص وجد نفسه أمام لغز معقد.
"لقد كنا في قتال ضارٍ مع الذئاب حتى تدخل زعيم القطيع، وكان كائنًا مهيباً... بعد ذلك.... لم أعد أذكر شيئًا."
وقد كان الحال نفسه بالنسبة للمتدربين الآخرين.
في حيرة من أمره، استخرج كورجا من حقيبة فخده جهاز كشف محمول، وهو عبارة عن آلة صغيرة مزودة بشاشة رقمية تعرض نتائج التحاليل بسرعة، وأجهزة استشعار دقيقة قادرة على رصد الإشارات الكيميائية الدقيقة في الجسم.
يُستعمَل هذا الجهاز غالباً للكشف الفوري عن السموم أو أي عوامل غريبة قد تكون موجودة في الجسم.
أراد كورجا معرفة إذا ما كانت هناك أية مؤثرات خفية قد أصابتهم ليحل هذا اللغز المحير.
أظهر الكاشف مدى البرودة القارسة التي تتسل إلى أوصال المتدربين، دون أن يُقدِم أي معلومات إضافية.
كان هذا يضع كورجا في متاهة من التساؤلات؛ فبدايةً من الكاميرا، مرورًا بالماسح، وصولاً إلى الكاشف، كل آلة بدت لا تفعل الا القليل لما يبدو أنه لغز محير يكتنف هذه الأرض.
"أيُعقل أنك وجدت شيئًا، سيدي؟" سأل ميدل والفضول يبرق في عينيه.
"اصمت، وإلا سأقوم بدفنك هنا في هذه الغابة لتتجمّد حتى الموت!" كان الرد حادا ويحمل نبرة تهديد.
ميدل استغرق في التفكير، عاكفًا على فهم سبب هذا التحول المفاجئ في مزاج كورجا الذي كان هادئًا للتو. "ما الذي أثار غضبه إلى هذا الحد؟".
مع نبرة كورجا الحادة، خاط جميع المتدربين أفواههم، واتجه الجميع نحو القرية في صمت رهيب.
ولكن كان هناك شاب بشعر رمادي وعيون زرقاء، يرسم على وجهه ابتسامة شخص مستمتع.
كان هذا الشاب، كارل، وحده من حفظ كل ما جرى دون أن تمسح ذاكرته.
وعلى الرغم من ذلك، لم تكن لديه الرغبة في أن يعالج حيرة المدرب أو يوضح الأمور للمتدربين.
بينما كان جميعهم يسيرون بهدوء، حول كارل نظراته نحو الشخص الذي كان محور كل هذه الأحداث، تاركاً أفكاره تعود إلى الحوار الذي دار بينهما مسبقاً.
*******
[قبل بضع ساعات]
وقف كارل أمام ريفانس وقفة تحدٍ، وتراءت له رواسب الماضي وأهواله التي تعلو وجه ريفانس عندما أدرك المشترك بينهما في مآسي منشآت يارسكي.
بصوت محمل بسخرية لاذعة، علق كارل قائلاً، "لقد نقشت يارسكي ملامحها البائسة على وجهك يا ريفانس."
صمت ريفانس للحظات، واقفًا بصلابة، موجهًا سلاحه نحو كارل بصمت.
كان كارل ينطق كلماته بتؤدة وعمق، وكأن كل حرف يترسب في الصقيع المحيط، "تلك الذكريات، تحرق الروح كجمر من النار، أليس كذلك؟" صدح صوته، محمّلًا بنغمة تنضح بالألم والبؤس على غير المتوقع.
أخيرًا، خفض ريفانس مسدسه بينما خمدت جذوة الغضب في نظراته، وسأل، متخطيًا عبء المشاعر الثقيلة، "ما الذي ترغب فيه مني؟"
نظر كارل إلى ريفانس وقال، "شراكة. أحتاج مساعدتك للقضاء على اتحاد كُرافيم،" قال بجدية تامة.
ريفانس رفع حاجبه ساخرًا ورد بلهجة مستهزئة، "في أحلامك، أليس كذلك؟"
"هل ستستمر في هذا السخرية حتى بعد مشاهدة ما لديّ؟" تحدى كارل، وهو يمد يده ويقذف قرص تسجيل متوهج على الأرضية، حيث انبثقت منه فوراً شاشة عرض....