" أحتاج مساعدتك للقضاء على اتحاد كُرافيم،"
"في أحلامك، أليس كذلك؟"
"هل ستستمر في هذا السخرية حتى بعد مشاهدة ما لديّ؟" تحدى كارل، وهو يمد يده ويقذف قرص تسجيل متوهج على الأرض، حيث انبثقت منه فوراً شاشة عرض.
ظهر فيها نيارني، الرئيس الحالي للاتحاد، وهو جالس في مكتبه الفخم، وبجانبه مساعده نويلوم. كلاهما بدا أصغر بكثير، مما يشير إلى قِدم التسجيل المعروض.
تحدث نويلوم والقلق يبدو في صوته، "سيدي، لقد فقدنا الهدف."
الإحباط والسخط كانا واضحين في رد الرئيس، "أنتم فَشلة لا يُعتمد عليكم."
"قم بإزالة الجزيرة وكل ما تحتويه من الوجود." تسقط الأوامر الباردة من شفاه نيارني دون أدنى ترد.
"ولكن سيدي، جزيرة سيلكوبتيا مأهولة بالسكان بكثافة." عارض نويلوم بقلق.
نيارني قاطعه بنبرة حانقة: "كم أمقت هذه ال'لكن'..."
"سيدي، هذا..." حاول نويلوم التحدث فقاطعه الرئيس بحدة.
"نويلوم، ألم تفهم بعد؟ أم أنك ترفض تنفيذ الأمر؟" قال الرئيس بضيق واضح.
"اعذرني، سيدي. سننفذ الأمر." انصاع نويلوم أخيرًا.
خيّم الصمت على الغابة المتجمدة، ذلك الصمت العميق الذي رسم نفسه في كل شيء بعد انتهاء التسجيل الذي وجد ريفانس نفسه محاطًا بالذهول.
كانت عيناه تتسعان مع تشكل كل كلمة تصدر من الشخصين في التسجيل.
"ما معنى ذلك؟" استفسر ريفانس، مُحاولاً استعادة سيطرته وموقفه القوي، بينما كانت ركبتاه توشكان على الانهيار تحت وطأة ما سمع.
فتح كارل فاه بابتسامة تنم عن معرفةٍ أعمق من مجرد كلمات سطحية، "أنت تدرك تمامًا أن ما وقع في الجزيرة لم يكن مصادفة، أليس كذلك يا ريفانس؟ الانفجار... كان تسترًا على شيء أعظم."
بالفعل، لم يستقر خاطره أيضا على قبول ذلك كحقيقة، ولذلك هو هنا.
"لدي معلومات كافية بشأن الجزيرة، أسباب الانفجار، والأيدي الخفية وراء الأحداث... باختصار املك ما يكفي لإيضاح السبب الذي جعلك تمر بكل ما مررت به."
شعور ضاغط كجمرة متقدة يلف قلب ريفانس، مشتعلاً تحت وطأة الحقيقة المتكشفة.
لم يستطع استيعاب أن عبارة قاطعة من شخص واحد كانت كافية لمحي كل ما كان جميلاً في حياته، والدته، والده، أخته، وجميع أقاربه؛ تلاشى كل شيء بفعل كلمة واحدة.
تم ذكر في التقارير بأن سبب الانفجار المدمر كان ناجمًا عن انفجار مختبر سري غير مشروع، كان موجودًا تحت سطح الجزيرة.
ونتج عن الانفجار سحابة غامضة من الغاز السام اجتاحت الجزيرة بأسرها.
لحسن الحظ، نجا عد قليل من الأطفال الذين كانوا يلعبون في أرخبيل صغير يقع على مقربة من الجزيرة.
وعند سماعهم لهدير الانفجار، عاد الأكبر سنًا من بينهم، ومن ضمنهم أخته، في حين تُرك هو وباقي الصغار خلفهم.
ومع الانتظار الطويل لأخته، انغمس ريفانس الصغير في لعبة الغميضة مع رفاقه.
في تلك اللحظة، شدّته رغبة مغامرة نحو زاوية مُحرّمة سابقًا بسبب مخاطرها المعلومة، لكن في غياب الراشدين بدت الفكرة مغرية لتحدي القواعد واختبار الشجاعة.
أخذ يتفحص المكان بحثًا عن ملاذه المنشود حتى دله حدسه على شجرة مجوفة استرعت اهتمامه.
زاول داخلها، وهناك، بين عمق الجذوع وظلالها، لمح بالصدفة قوقعة متفردة الصورة.
نبض قلبه بالحماس وهو يضيفها إلى كنوز مجموعته الطفولية، على غرار أي فتى في السن السابعة يعتبر كل جديد كنزًا لا يُقدر.
وفي خضم لهوه، سقط من القوقعة قطعة غامضة مكعبة الشكل، زيّنتها خطوط زرقاء وأحاطت بها هالة دفء ناعمة ومُريحة.
دفعه الفضول إلى استكشاف نكهتها الغامضة، لكن قبل أن يدرك مذاقها، أطاح به رفيقه عن غير قصد، فانزلق المكعب العجيب إلى داخل حلقه بسرعة.
في اللحظة التي تلت ذلك، شعر بألم حارق يخترق صدره، وكأن إبرة ساخنة تطعنه من الداخل.
جسده استسلم لتشنجات الألم واهتز حتى خارت قواه وفقد الوعي.
وعند عودته إلى وعيه، وجد نفسه بداخل كبسولة غريبة في مكان غير مألوف.
"أسرعوا، أخبروا السيد هارتون! لقد استفاق النموذج!" صاح أحدهم.
"استدعوا الحراس فورًا!" أمر آخر.
حالة من الفوضى انتابت المكان، وكان ريفانس عاجزًا عن فهم ما يدور حوله؛ إذ كان الجميع يتحدثون لغة غير مفهومة بالنسبة له.
ريفانس كان لا يزال طفلاً لا يتجاوز السابعة من عمره، لذا كانت كل تلك المرات التي جروه فيها وعذبوه تحمل نوعًا من الغموض بالنسبة له؛ فلم يتمكن عقله البريء من استيعاب سبب تلك القسوة التي يلاقيها من قبل هؤلاء الكبار المحتشدين لمجرد تعذيبه.
مضت خمس سنوات معتصرة الألم والشدة على صدره وهو يرزح تحت وطأة تجارب المريرة في ذاك المكان الموحش.
كل محاولة للهروب أو الثورة على واقعه كانت تصطدم بحائط من الحراس ذوي القدرات الخارقة والمسلحين بأسلحة التخدير الفتاكة، الذين لا يتردون في استخدام كل ما بوسعهم لإجباره على الاستسلام.
الزمن كان كفيلًا بأن ينسج خيوط اليأس في قلبه، حتى تخلى عن الفكرة نفسها للتحرر والتمرد.
أخذ يتساءل في صمت مدوٍّ: "هل ما عانيته من جحيم وفقدان الكثير. كان مجرد أمر لشخص واحد، هل هذه هي قسوة القدر؟"
نظر ريفانس إلى كارل حامل كل تلك الحقائق المروعة، وسأل: "إذًا، ألا تمانع في إطلاعي على الأسباب التي تجعلك تسعى للقضاء على الاتحاد؟" محاولًا استشفاف ما يخفيه الآخر من نوايا.
رد كارل بصوت مطمئن ومتزن، قائلاً: "لكل منا تبريراته التي تنبع من عمق تجاربه الخاصة. وأنا لست استثناءً من ذلك."
نظر ريفانس إلى الأفق الذي كانت تغشاه الغيوم. ثم استنشق الهواء المتجمدة للغابة المحيطة به، ليشعر ببرودته تعمّ رئتيه.
توجب عليه أن يتخذ قرارًا، وكان قلبه يميل نحو إجابة يعرفها جيدًا.
استدار إلى كارل، ومد يده نحوه قائلاً بثبات: "لدينا صفقة، لكني سوف أبرمها فقط بعد التحقق من صحة المعلومات التي لديك."
بعد استلام القرص، رفع ريفانس كمّه ليكشف عن سوار إلكتروني أبيض معقد يلتف حول معصمه، وسرعان ما شرع بالنقر الدقيق على لوحة الأزرار المدمجة فيه.
عندما استوقفت نظرة كارل تلك القطعة التكنولوجية البارعة، لم يتمالك نفسه عن إلقاء تعليق ساخر، "سوار آيري، ها؟ يبدو أن مدربينا ارتكبوا خطأ جسيماً في إبصارهم للأمور."
يعد سوار آيري أداة مذهلة تمكن حاملها من استدعاء أي جسم جامد من المخزن المرتبط به، شريطة أن يكون الشيء متوفراً هناك ليتم الحصول عليه.
ريفانس أجاب ببرود، " تكلم عن نفسك."
كانت حيرة كارل تتعاظم؛ إذ كان يتوق إلى فهم كيف نجح ريفانس في تهريب كل تلك الأشياء.
فهو حقا لم يستطع تهريب القرص كما اعتقد ريفانس.
وإنما كان غيره هو من قدم له المساعدة.
لكن، نظرًا لرغبته في تجنب الغوص في تلك التفاصيل المعقدة، وجد كارل نفسه مضطراً لكبح جماح فضوله كذلك.
بعد مضي دقائق، ظهرت أمامه حقيبة شفافة تحوي أقراص داكنة تثير الريبة، بحجم حبات الفاصولياء، وبجانبها مجموعة من الحقن تحوي سائلا أحمر داكنا كالدم، متساوية العد مع الأقراص.
دون ترد، أفرغ ريفانس محتويات الحقيبة ووضع القرص في الفراغ الذي أحدثه، وعلى الفور اختفت الحقيبة كأن شيئًا لم يكن.
"ما الذي تحمله بيدك؟" سأل كارل بفضول.
"أقراص دي-لوسكو وحقن لييف"، أجاب ريفانس بلامبالاة.
أقراص دي-لوسكو غرضها مسح ذاكرة الأربع والعشرين ساعة الماضية من العقل، ما لم يكن الشخص يتمتع بقدرات استثنائية في الصمود ضد تأثيرها.
أما حقن لييف، فهي مستحضرات طبية مصمة لتسريع عملية التئام الجروح.
"ماذا؟! يالك من كذاب!" قال كارل بنبرة تحمل طيفا من الشك والاستنكار.
اقترب كارل من ريفانس بسرعة ليتحقق بأم عينيه، ولم يكن هناك مجال للشك؛ فقد وجد أمامه ثلاثين قرصًا وعدد مماثل من الحقن.
"كيف حصلت على هذا الكم الهائل؟" سأل كارل بصوت يغلب عليه الحيرة.
"لقد طلبتها، أليس الأمر بديهيًا؟" قال ريفان ببرود.
"لست في مزاج للسخرية، أتحدث عن التكلفة!" اعترض كارل بجزع.
"أنا لا أدفع ثمنها. إذ يوجد من يوفرها لي مجانًا" كشف ريفان متجاهلاً وجه كارل المتصلب.
"مجانًا. كيف؟ قيمة كل واحدة تبلغ عشرة آلاف مورف. وما تحتفظ به يساوي تكلفة شقة في المدينة العائمة!" أضاف كارل، وقد بدت الحيرة جلية في نبرته وتحولت إلى دهشة.
"صانعها مدين لي بخدمة،" اعترف ريفانس بهدوء.
كارل انفجر ضاحكًا، "أنت فعلاً شخص لا ينفك عن إذهالي بمفاجآتك."
ثم تمتم في نفسه بسخرية، 'متأكد من ذلك؟ لا يبدو أن هذا الكيميائي يعيش كالمدين، بل كالعبد!'
انطلق ريفانس نحو البقعة الأولى التي شهدت قتالهم الشرس ضد الذئاب.
وجد الموقع مغمورًا بجثث المتدربين، بعضهم قد ودع روحه من غير رجعة بينما كان البعض يتأرجح على حافة الموت.
استقر ريفانس بجانب أحد المتدربين - ضحية لعضة ذئب، حيث خلفت الأنياب المدبة جروحًا غائرة في كتفه، ممزقة الجلد الرقيق ومستأصلة العضلات إلى جانب تحطيم عظم الكتف تحت وطأة الهجوم العنيف.
الصدر كذلك لم يسلم من آثار المخالب الوحشية.
"أرجوك، قل لي إنك لا تنوي إهدارها على هؤلاء المتدربين؟" طلب كارل بنبرة ساخرة.
"وإلا لمادا طلبتها؟" رد ريفانس، محافظًا على هدوئه.
كارل يضحك في نفسه بمزيج من الشفقة والسخرية: 'الكيميائي المسكين... أستطيع تخيّله الآن، مسجونًا في مختبره كمتشرد بين الأنابيب المخبرية أمبيقاته، وهو يفقد عقله ليوفي بديونه التي لا نهاية لها!'
لم يترد ريفانس في بدء الإجراء الطبي، حيث أقدم على ادخال الإبرة بهدوء في جسد المتدرب.
لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى بدأ مفعول الإبرة يظهر، واستعاد المتدرب الذي كان مستلقياً بلا حراك كأنه جثةٌ، الحياة بصرخةٍ عالية: ” اااااااهههه !!”. التئم الجرح بسرعة واضحة للعيان، إلتأمت العظام المكسورة تباعاً، مع تشَّكل الأنسجة الجديدة بديلاً عن القديمة.
مع ذلك، كان الألم الناتج عن رد فعل الدواء سباً في كره الكثيرين له، خاصةً أن استخدام أي مسكنات معه كان محظوراً، مما يستدعي تحمل المريض للألم حتى نهاية فترة العلاج. لهذا السبب، يستخدم الدواء غالباً في التحقيقات بدلاً من الاستخدام العلاجي.
قال كارل وهو يقف بثقة خلف ريفانس الذي كان مستديراً بكل اطمئنان وهو يشرف على تلك المجموعة من المتدربين غير الأكفاء، "ألا يخالجك القلق من أن أطعنك في ظهرك؟".
رد ريف دون انزعاج، "إطلاقاً."
وما السبب؟" استفسر كارل بنبرة فضولية.
ابتسم ريفانس وأجاب، "لم لا تجرب ذلك وترى بنفسك؟"
"هل نسيت أنا شركاء؟". قالها كارل وفي كلامه نبرة سخرية واضحة.
"ولكن لماذا تنقذ هؤلاء الشبان ؟"، استفسر كارل.
أجاب ريفانس بهدوء بينما ينتقل الى الشخص التالي، "لا أرى سباً يدعوني لإزهاق أرواحهم."
"إذاً دعهم يواجهون مصيرهم، لا حاجة لإهدار كل تلك الأشياء الثمينة عليهم!" حثه كارل بلهجة جادة.
رد ريفانس وكأنه يكشف عن قرار محسوم مسبقاً، "كنت سأترك الأمور تسير كذلك، ولكن المشرفين قد يصلون في أي لحظة."
أظهر كارل دهشته، "كيف؟ لم يحن الوقت بعد!"
ورد ريفانس بثقة، "لأني قد تخلصت من العين التي تراقبنا."
امتلأ كارل بالذهول، يتساءل في سره 'أتراه قتل المراقب؟ لكن متى حدث ذلك؟ وكيف لم أنتبه؟!'
ثم تبنى كارل نبرة أكثر جدية، وأفاد "إذا كان الأمر كذلك، يتوجب عليك اعطائهم الأقراص التي تفقدهم الذاكرة فحسب."
حافظ ريفانس على صمته، الأمر الذي دفع كارل لطرح سؤال آخر،"لكن كيف علمت بعدد الناجين منهم؟"
لم يجب ريفانس هذه المرة أيضا، وبدا أنه لم يعد يرغب في مواصلة الحديث.
********
في فضاء واسع يحمل طابع المصانع، ترتفع الجدران الخرسانية المجردة متداخلةً مع السقف المرتفع، حيث تشابكت الأنابيب المعدنية والأسلاك الكثيرة عبره بطريقة توحي بشبكة أوردة ضخمة تنبض بالحياة الصناعية.
تتخلل الغرفة مجموعة من الآلات المعدنية الراقية والأجهزة عالية التقنية المنتشرة على نطاق واسع.
الأكثر إثارة للإعجاب هو جيش الروبوتات الشفافة الصغيرة، التي تبدو كما لو أنها مولودة من الهواء ذاته، تسير بخفة ودقة تبعث على الدهشة، تشبه في حركتها الانسيابية رقصة تكنولوجية متسقة الإيقاعات.
وسط هذه الأجواء المفعمة بالحيوية، وقف فتى يُقدر عمره بأنه لا يتجاوز الثانية عشرة أو الثالثة عشرة، لكن الحقيقة كانت تخفي أنه في الريع الرابع والعشرين من عمره.
هذا هو ساركين عبقري شاب حكم عليه بالصبا الأبدي، كان يرتدي ملابس تناسب بيئة العمل الصناعية، عملية ومريحة.
فوق أنفه، تستقر نظارات شفافة رفيعة، تنساب من ديسك صغير مثبت بدقة على صدغه، تعرض سيلًا مستمرًا من البيانات الرقمية والرسوم البيانية التي يتفاعل معها ساركين بإيماءات يده الماهرة.
كان يمسك في يده حالياً ملقطا دقيقا تعلق به حجر لؤلؤي صغير يُشع ضوءا أخضر متوهج يتذبذب بأنماط إيقاعية، مثل قلب نابض بالحياة. ذاك الحجر هو جوهر الابتكار، المكون الأساسي للشريحة التي كان يعمل على تكوينها لأسابيع.
وبينما كان منهمكاً في عمله، في لحظة غير متوقعة، أضاء سواره الإلكتروني المثبت على معصمه برسالة واردة فاجأته، وفي لمسة غير مقصودة - ربما بتشتت التركيز - تحرك الملقط، ليلمس الحجر مكان الخطأ مما أدى إلى تلف الجزء الحساس من الشريحة.
وهكذا تلاشت جهوده في لحظة وذهبت أسابيع عمله أدراج الرياح.
أما هو، فقد اختفى على الفور، تاركاً كل شيء وراءه، مدفوعاً بأهمية الرسالة التي تلقاها.
****
في زوايا معمل للأدوية يعج بأحدث الأجهزة، ويتصل بحديقة غنّاء يعتني بها فريق من العمال المتفانين ومجموعة من الروبوتات الذكية ذات الأشكال الخضراء شبه الشفافة، تجوب المكان بخفة ودقة.
وبينما كان الهدوء يخيم على المكان، دخل ساركين فجأة إلى المعمل، أخذت الأنظار تتبعه حتى استوقفه أورال، الشاب النشيط الذي يملك منصب رئيس المعمل في أواخر العشرينيّات من عمره، بشعره المصبوغ بدرجة داكنة من الأخضر وعينيه التي تشعان بنفس اللون، مرتديًا الزي الرسمي للمعمل المؤلف من قميص وسروال ومعطف كلها بألوان خضراء متدرجة، مما يُظهر ميله الفريد وشغفه البالغ باللون الأخضر.
وقد ناداه بنبرة تفيض بالاهتمام، قائلاً: "ما الذي جاء بك إلى هنا بشكل مفاجئ، ساركين؟"
ساركين، الذي ظهرت عليه علامات العجلة وكأنه محمّل بمهمة لا تتحمل التأخير، رد بصوت هادئ: "الزعيم أرسلني بطلب عاجل؛ علي إرسال ثلاثين قرصًا من دي-لوسكو والعد نفسه من الحقن الخاصة بـ لييف."
بدا على وجه أورال تعابير الحسد والإعجاب وهو يقول: " أتعلم، أنا أحسدك. أنت الوحيد الذي يحظى بمثل هذا التواصل المباشر. حتى نائب الزعيم لا يتمتع بهذا الشرف."
تكشيرة طفيفة تمر على وجه ساركين كأنه يرفض الثناء الذي يسمعه، وتومض عيناه بلمعة معرفة وتجربة وهو يرد قائلاً، "فقط... أسكت. إن كنت تعرف الزعيم كما أعرفه أنا، لما اشتهيت مثل هذا الشرف!"
أورال يقطب جبينه ومضة غضب تبرز على ملامحه، ولكنه سرعان ما يستعيد تماسكه قائلاً بحماس، "يا رجل، انت تجعلني أشعر بالغضب. حتى في تفاخرك تكون متحفظاً! لا توجد نقابة تحظى بزعيم أكثر كرماً من زعيمنا."
ساركين الذي انتهى من تغليف الأقراص، تجاهله بشكل طبيعي، وبدأ بوضع الأشياء في حقيبة زجاجية صغيرة مزودة بتقنية عالية لحفظ الأدوية لضمان سلامتها وفعاليتها.
انتقل ساركين بعد ذلك إلى مخزن ناقلات المواد وهو فضاء آخر محصن ومجهز بأحدث التقنيات نقل الآني.
وضع الحافظة برفق على أحد الأرف المخصصة للأدوية، لتختفي من الرف.
وتظهر في مكانها رسالة عن وقت الإرسال والاستقبال، والمرس والمستقبل....."
عند ذلك فقط لاحظ ساركين غياب مسدس لاين.
رفع حاجبيه بتعجب مصطنع، وشفتاه تلتفان بابتسامة ساخرة قائلاً: " يبدوا أن أحدهم تجاوز الحد ."