7 - وجبة مرضية قبل التشرد

سار كورجا نحو المطعم، يجر قدميه تحت ثقل صدمة عميقة، غير قادر حتى على التفكير في لجوئه المعتاد إلى الانتقال الآني، سار الطريق بأكمله سيرا على الأقدام.

لمحه زارك فور دخوله، وأشار إليه بالإسراع.

أمامه، كانت تتجمع وجوه رفاقه الثلاثة؛ زارك المنزعج الغاضب كالعادة، يانيث بابتسامته الساخره، وباير الذي يرسل دخان سيجارته الضار في الهواء الراكد وكأنما يصور جوًّا من اللامبالاة

برقت عينا زارك بانزعاج وهو يسأل: "كورجا، ما الذي حل بك؟ هل تم إبادتهم؟"

لم يرد كورجا بكلمة، بل انهار على كرسيه مكتفيًا بالصمت، وكأن عجزه عن الكلام كان أبلغ في التعبير عن ما يعتمل في نفسه.

ومع عدم إجابة كورجا أدلى يانيث بدلو من السخرية، قائلاً بنبرة ملؤها الاستهزاء: "إن يأسه ينطق بكلمات لا تحتاج إلى ترجمة."

سأل زارك بانفعال:"كورجا، تكلم. ما بك؟ هل ما زعمه يانيث حقيقة؟"

بقي كورجا على صمته مُطبِقًا شفتيه كالموتى.

تدخل باير قائلاً:"ألا ترى أنك تبالغ في التظاهر؟"

رد كورجا، والغصة تكاد تخنقه ،"أنا لست أتظاهر... ليت الأمر كان كذلك،"

ضرب زارك الطاولة بقوة فتكسرت، وتناثرت الأشياء التي كانت فوقها، وصاح: "كفى، كورجا! توقف عن اللف والدوران وتكلم بصراحة!"

علق يانيث ساخراً: "على مهلك زارك، لا داعي لتحطيم مقتنيات المطعم. أنت تعلم أن ثمن التصليح سيثقل كاهل محفظتك."

"اصمت، يا يانيث، وإلا..." زأر زارك والغضب يهز كلماته.

"وإلا ماذا، يا عزيزي؟" قاطعه يانيث بنبرة ساخرة، مستندًا إلى مسند الكرسي بتجاهل تام.

"يكفي هذا!" صاح كورجا وهو يلوح بيده محاولًا احتواء التوتر المتصاعد. "لا داعي للقلق بخصوص المتدربين، فقد نجا منهم ثلاثون بالفعل، وهم بأتم الصحة."

بدافع من الغضب الخام، قفز زارك منتصبًا وأمسك كورجا من ياقته بقوة. "أنت.. كيف تجرؤ على اللعب بأعصابنا هكذا!"

تدخل باير بهدوء،"هدئ من روعك، زارك. دعه يتم حديثه. ألا ترى ملامح وجهه البائسة؟"

نظرة واحدة من زارك كانت كافية ليلاحظ الظلال التي ألقت بثقلها على محيا كورجا، فتركه وعاد للجلوس في مكانه بصمت.

وبدأ كورجا يتحدث بهدوء: "قبل أربع ساعات من الموعد، استعددت لإعداد التقرير، لكني واجهت مشكلة مع الكاميرا الخفية، أو هكذا اعتقدت. لذا توجهت إلى آخر مكان سجلته الكاميرا، واستخدمت جهاز الكشف للبحث عنها، لكن لم يُظهر الجهاز أية إشارة لها. وكان الأمر نفسه ينطبق على المتدربين والذئاب؛ لم أُعثر على أي أثر لهم، ميتين كانوا أم أحياء."

"ماذا تحاول أن تقول؟" سأل زارك بنبرة محتارة.

قام كورجا بالعبث بأزرار سواره بلا مبالاة حتى ظهرت شاشة تعرض آخر ما سجلته الكاميرا. وقال: "الآن، هل بدأتم تفهمون ما أشير إليه؟ الموقع الذي شهد تلك المعركة الشرسة كان خاليًا تمامًا عندما عاينته. لم يكن هناك أي دليل يشير إلى الأحداث القتالية التي وثقتها الكاميرا."

قال زارك: "لا يمكن!"

رد كورجا بهدوء: "هذا ما حصل معي أيضًا، لذا..."

قاطعه يانيث بسخرية، "يا لها من حكاية مثيرة لترويها، كورجا!"

رد كورجا بثقة: "إن كنت تظن أني أكذب، لماذا لا تذهب وتتحقق من الأمر بنفسك؟"

أنهى باير النقاش بصوت جاف: "يانيث، كف عن مقاطعته. دعنا نسمع ما لديه حتى النهاية."

رد يانيث بفتور هازا كتفيه: "افعلوا ما تشاءون."

في هذه الأثناء، دخل النادل ليتعامل مع الفوضى التي تسب بها زارك، لكن باير لوح بيده مشيرًا إلى النادل بأن يبتعد.

ليتابع كورجا حديثه: "عندما لم يُجدِ الكاشف نفعًا، بدأت بالبحث والتحري حتى وقعت عيني على المتدربين.

لحقتهم على أطراف القرية، بملابس ممزقة وملطخة بالدماء و أجساد سليمة."

يانيث بنبرة شك ممزوجة بسخرية: "يا رجل، هل أنت في حالة تُمكِّنك من الوثوق بحواسك لتقول ما تقوله؟"

حثه باير بالاستمرار، دون اكتراث لسخرية يانيث، "اتركه وأكمل حديثك. هل استفسرت منهم عمّا حدث؟"

أومأ كورجا مؤكدًا: "بلى، لقد فعلت. الأمر المحير هو أن ذكريات المتدربين انتهت جميعًا عند نفس النقطة التي انقطع عندها التسجيل. وعندما أجريت فحصًا أوليًا لأجسادهم ولم أجد شيئًا ملحوظًا، قررت نقلهم إلى العيادة لإجراء فحوصات دقيقة."

سأل زارك باهتمام: "وماذا اكتشفت؟"

أجاب كورجا بيأس: "لا شيء. لم يكن هناك أي موادة أو شذوذ تُذكر في أجسادهم. كلهم كانوا بصحة ممتازة، وكانهم لم يواجهوا اية مشقة طوال وجودهم في الغابة."

زارك مظهًرًا عدم اهتمامه بتلك التفاصيل، تحدث بحماس: "رغم غرابة الوضع، إلا أننا بخير طالما نحن قادرون على إرسال ثلاثين متدربًا. من المؤكد أنا سنتغلب على لفونل هذا العام و..."

لكن قبل أن يكمل، قاطعه كورجا وهو يخمد نار تفاؤله: "كل هذا لا يجدي نفعًا."

سأل زارك بانزعاج، وقد خمد حماسه،: "ما الذي تعنيه بقولك هذا؟"

قام كورجا بالرد بلا مبالاة قائلاً: "ثلاثة وعشرون منهم يمتلكون قدرات عقلية، من بينهم ثلاثة ذو قدرات استثنائية، وأربعة بقدرات بدنية متوسطة. اثنان منهم لا يملكان اي شيء. و الأخير يملك سرعة فائقة لكن من دون قدرة تحمل تدعم هذه السرعة، لذا فهو أيضا بلا فائدة ."

زارك أجاب بنبرة غاضبة مليئة بالإنكار: "هذا مستحيل! أنت تهذي اليوم، بالتأكيد!"

"صدق أو لا تصدق زارك، إنها الحقيقة."

بعد رايت التعابير الصادقة لكورحا وقف زارك عازما على التحقق من الأمر بنفسه، وبضغطة زر من حزامه اختفى من المكان.

يانيث، الذي كان يسخر منه طوال الوقت، أصبح فجأة جادًا عند سماعه الكلمات الأخيرة وانتقل هو الآخر.

من ناحيته، نفخ باير دخان سيجارته بهدوء وسأل كورجا: "اعتقد أن الشيء الذي حولك جسداً بلا روح ما زال مفقوداً؟"

أقر كورجا بالحقيقة، قائلاً: "نعم، أنت محق." ثم غرق في ذكريات أسوأ خطأ اقترفه في حياته.

****

[قبل ساعة من الآن]

تلألأت شمس الظهيرة بخيوطها الذهبية مرسلة تحيتها الدافئة إلى واجهة المبنى الذي يتألف من أربعة طوابق في قلب قرية هادئة.

عند المدخل وقف كورجا وخلفه اصطف ثلاثون متدربا، ظهر التعب بوضوح على ملامحهم، لكن لم يطفئ ذلك لمعان الحماس في عيونهم، وهم يتنفسون عبق النجاح.

"هيا الى الدخل"، أمر كورجا بجفاف.

وما أن اجتازوا عتبة المبنى حتى غمرتهم موجة دافئة، تحيط أجسادهم المنهكة كمعطف الراحة بعد ثلاثة أيام من التجوال في أحضان الغابة الجليدية.

امتزجت رائحة الأجسام المتعبة بعبق هواء المكان المعطر، فما كان من كورج إلا أن يصارع زوبعة من الضيق في داخله؛ إذ كانت رائحة أجسادهم القذرة وملابسهم الرطبة والعفنة التي علقت بها الأوساخ، شديدة ولا تُطاق.

وبعبارة قصيرة، قادهم كورجا إلى غرفة الفحص بالطابق الثاني، حيث أسرع باتجاه الأمر الضروري دون أن يسمح لنفسه بأن يأمرهم بالاستحمام أو تغيير أثوابهم قذرة؛ فقد تكون الآثار اللازمة للتحقيق محصورة تحت طبقات الأوساخ.

وفي لحظات وصلوا إلى غرفة طبية بحتة تحوي عشر كبسولات زجاجية كبيرة، تعلوها وتحيط بها شاشات زرقاء تنتظر الأوامر لعرض نتائج الفحص.

أمر كورجا" انقسموا الى ثلاثة مجموعات ودخلوا الى الكبسولات بالتتابع..."

مع صدور التوجيهات من قِبل كورجا، تطوع يورس بمبادرة شخصية ليكون القائد، مختارًا عشرة أفراد، من ضمنهم ريفانس كالدفعة الأولى.

يورس، الذي تمتع بالقدرات العقلية المتميزة ليأتي في الترتيب بعد كارل وريفانس، كان يعاني من بعض المسائل العقلية الغامضة.

لقد امتثلت في قضاء ريفانس على الذئاب وتحوله الغامض إلى هولغاي، لذا، أولى بريفانس شرف الفحص في أول دفعة، وبدا أن ريفانس يقبل هذا التعين بصدر رحب، إذ دخل الكبسولة وخضع للفحص بكل سكون وهدوء.

كارل، الذي كان يراقب الموقف، ظهرت على محياه علامات الاستمتاع، وكأنه يترقب وقوع حدث مثير بشغف.

غير أن ريفانس، دخل كبسولة الفحص، وخرج منها دون أن تسجل عليه الآلة أية مخالفات، وأخذت الأمور مجرى طبيعياً، مما أدى إلى خيبة أمل كارل وصاحبه.

وبمجرد أن اكتملت جلسة الفحص لجميع المتدربين، دوى صوت اقتحام يعبر الفضاء مع ظهور شخصين في الغرفة.

أحدهما كان رجلاً شديد النحافة، متوسط الطول، يتميز بشعره البلاتيني الأنيق الذي يتدلى على أحد كتفيه - إنه زيروف، المشرف العام على ثكنة لفونل. والآخر، شاب ممتلئ الجسم، قصير القامة، بشعر رمادي مموج - يدعى جومي، وهو الضابط المسؤول عن تجميع التقارير من الثكنات.

نظر زيروف إلى المتدربين بنبرة تشوبها السخرية وقال: "يا لها من مشهد مزرٍ."

لم يتمكن كورجا، الذي سمع تهكمه، من كبح جماح غضبه فرد قائلاً: "أوه، بالتأكيد، قد يبدون متبهدلين، ولكنهم رجال أشداء. لقد تمكنوا من القضاء على ناب الأبيض وجميع أفراد قطيعه دون السماح لأي منهم بالفرار، وكما ترى، هم بصحة جيدة."

توجه جومي بتعجب نحوهم قائلاً: "هل حقاً ما تزعم؟"

على الرغم من أن كورجا لم يكن بإمكانه التأكد تمامًا من أنهم هم من أنهوا حقبة ناب الأبيض، إلا أنه كان واثقًا من زوالهم من هذا العالم.

أجاب كورجا بنبرة مفعمة بالفخر: "ولماذا قد أكذب بشأن هذا؟"

وابتسم ضاحكًا في سره قائلًا: 'حسنًا، ما الذي يهمني حقًا؟ المهم أن تلاميذنا واجهوا معركة شرسة ضدهم ومن ثم اختفوا من الوجود.'

جومي تحدث بحماسة: "ثلاثون ناجٍ مع هذه القوة. بالفعل، تلاميذكم خطفوا الأضواء هذا العام. فحتى في لفونل، لم يبلغ عد الناجين خمسة عشر، فما بالك بالآخرين."

عند رأيت وجه زيروف المجتعد، شعر كورجا بالاسف لأنه لم تكن لزملائه الفرصة لرؤيته هكذا، وخاصة يانيث.

قال كورجا بنبرة أسف مفتعل : "إنه لأمر مؤسف حقًّا فقدان كل هذا العدد الكبير من المتدربين كل عام."

وافقه جومي بمرارة،" معك حق."

ثم أضاف: "على أية حال، سأرسل إلى يوليك بطلب تحضير ثلاثين غرفة، وسأطلع القائد على التقرير الأولي."

بهذا غادر جومي، وتبعه زيروف، متظاهرًا بأن لديه ارتباطات أخرى على الرغم من توسلات كورجا الملحة له بالمكوث حتى تأتي البقية، ولكن من هو الشخص الذي سيرغب بالانتظار إلى أن يظهر يانيث، وهو في موضع هزيمة.

ولأول مرة في حياته، وجد كورجا نفسه يشعر بالامتنان تجاه سخرية يانيث من الآخرين.

فبعد رحيله، ظهرت نتائج فحص القدرات الكارثي.

والآن، كان عليهم صياغة عذر مقنع يكون بمثابة قربان تهدئة يُقدم للقائد الذي استلم تقريرًا مفصلاً يثني على الثلاثين متدربًا الذين عادوا بلا خدوش، بعد أن نجحوا في القضاء على ناب الأبيض المتوحش وقطيعه.

فعلى عكس الجميع كان القائد يهتم بالمتدربين لانه يرى فيهم انعكاسًا لنفسه.

*****

جلس نيتيان خلف مكتبه الفاخر، وعيناه تتابعان شاشات العرض لمرؤوسيه الأكفاء وهم يتلون تقاريرهم بقطعية واقتضاب.

في قلب هذا المشهد الروتيني ظهر موجي، الضابط المسؤول عن تقرير الناجين من الثكنات اليتامى ليقدم تقريره أيضا.

كان يحمل بين يديه الجهاز الذي يختزن تقرير الناجين من محنة إيقاظ القدرات – الاختبار السنوي الذي يُميز الصفوة.

"سيدي،" بدأ موجي بصوت متماسك ملؤه الثقة، وكأنه يحمل أخبار النصر من أرض المعركة،"لدينا ألفيّ ناجٍ من أصل خمسة آلاف متدرب، ثلاثمائة منهم يمتلكون قدرات استثنائية، ثلاثون من ثكنة تانكسي..."

بينما كان موجي يمرر أنامله على شاشة العرض، والكلمات تتدفق من شفتيه، أحس القائد بفقدان الجزء المهم.

نادى القائد:"موجي".

رد موجي على الفور، "نعم، سيدي؟"

استفسر القائد باهتمام، "لم أر تقرير المتدربين من ثكنة تانكسي بعد، ألا يفترض أن يكون الأعلى عدًا هو الاول في التقرير؟"

اعترف موجي بنبرة متأسفة، "صحيح، يبدو أن كورجا لا يزال يعكف على إعداده، فكما سمعت منه هؤلاء الصبية الثلاثين قد عادوا بلا أي إصابة بعد أن أنهوا الناب الأبيض وقطيعه بالكامل."

بمجرد أن سمع القائد ذلك ابدى اهتمامه،" هذا مدهش حقًا. أود أن ألتقي بهم بنفسي. من فضلك، أنقل طلبي إلى رونكل بأن يرافق كورجا والمتدربين إليّ بأسرع ما يمكن، وليخبره أن ليس هناك حاجة لبذل جهد زائد في صقل التقرير. أنا مستعد لتخصيص الوقت اللازم لسماع التقرير منه شفهياً."

ردّ موجي بحماس: "أجل، سيدي."

بعد تلقي الأوامر اختفى موجي بصمت مثلما ظهر، كما أسدل نيتيان الستار على الجلسة الصباحية للتقارير، ليجد نفسه وحيدًا في المكتب.

بعدها، ضغط على قرص لامع تم تثبيته في مركز مكتبه، وخلال لحظات، بزغت شرارة من القرص تشكلت بسرعة على هيئة صورة ضوئية لرجل مسن شفاف.

نيتيان بصوت دافئ: "تحياتي، سيد فيوس! لقد مر وقت طويل منذ آخر لقاء."

فيوس، الذي يشغل منصب مدير أكاديمية سفيرون الراقية، الواقعة في قلب العاصمة الإمبراطورية، أدار بصره ناظراً من خلال الصورة الشفافة.

فيوس بنبرة عملية: "نيتيان، أخبرني عن إنجازات طلبتك. كم منهم نجح هذا العام؟ هل هم مائة، أم ربما فقط خمسون؟"

نيتيان، محاولاً تلين الجو: "هل تعلم يا معلمي أن قسوتك تتجاوز حدودها؟ انت حتى لم تقم برد تحيتي."

فيوس، بلهجة لا تخلو من الجدية: "إذا لم يكن لديك معلومات قيمة تقدمها، فسوف أنهي المكالمة الآن."

نيتيان بتأسف مصطنع: "إنه لأمر مؤسف حقًا أن أكون تحت توجيه معلم قاسٍ مثلك."

فيوس رفع يده هذه المرة بوضوح تام في نيّته لإنهاء الاتصال.

نيتيان قاطعه بسرعة: " لدينا هذا العام ثلاثمائة متدرب ناجح و..."

كلمات نيتيان لم تبق الهولوغرام ثابتًا؛ فقد تلاشت صورة فيوس، إيذانًا بقطع الاتصال بشكل فوري حتى قبل أن ينهي كلامه.

نيتيان، وقد أطل على محياه ظل من الإحباط:"معلم قاسٍ."

2024/01/15 · 88 مشاهدة · 1892 كلمة
Let
نادي الروايات - 2026