8 - وجبة مرضية قبل التشرد 2

بعد تسوية المستحقات مع مالك المطعم، سحب باير كورجا، الذي بدا كأنه جسد بلا روح، إلى مسكنهم.

وما أن اجتازا عتبة المبنى حتى استقبلتهم ثورة زارك المتفجرة وهو يصرخ غاضبًا: "حثالة! كيف تجرؤون على العودة وأنتم تحملون مثل هذه القدرات البائسة؟! سحقاً لكم! أترغبون في دفننا جميعًا تحت وطأة الخزي؟! كلا، سأدفنكم تحت قدمي قبل أن تحلموا بذلك!"

البهو الذي دخلوا إليه كان صورة للخراب، الجدران المتشقة والأثاث المحترق والمبعثر على الأرض، والزجاج المتناثر كحبات البرد القاسية، ينعكس عليها الضوء مُظهرًا الخراب في كل زاوية.

يانيث، الذي كان يعتمل بالعواطف بقدر زارك، تحدث بتحكم وتماسك، مانعاً إياه من قتل المتدربين: "تمالك نفسك، زارك. هذا ليس الوقت لتُطلق العنان لاندفاعاتك الهمجية ."

صاح زارك ونبرته تنذر بالشؤم: "انفعالات، هاه؟ أيها الوغد، أمرتك أن تبتعد الآن، وإلا..."

وقبل أن يتم تهديده، انهار على الأرض كفحل منهك، ساقطًا دون مقدمات.

خلفه وقف كورجا، ممسكًا بمسدس تخدير بتصميم فائق، ومظهره المعدني يخفي تحت طلاءه همسات سلام قسري.

"آه!" زفر يانيث بارتياح شديد، "أشكرك كورجا؛ إن لم تكن هنا لفقدت أعصابي وأرديته قتيلاً."

ألقى باير نظرة نحو المتدربين المحشورين على جنبات البهو المهدم، بينما كانوا يكتمون أنفاسهم من الرعب، وأمرهم بصرامة،"إلى غرفكم."

أمر باير كان له وقع السحر في نفوس المتدربين، فانتشروا كأنهم ينفذون خطة هروب محكمة.

وفي لحظات، خلا المكان من الجميع إلا ثلاثهم الذين نظروا إلى بعضهم البعض بوجوه بائسة، وزارك المسجى على الأرض بلا حراك.

سأل كورجا بنبرة ملحة: "ما الحل الآن؟"

أجابه يانيث بنبرة تشوبها لمحة من الاستهزاء: "حل، هاه؟ يبدو أنك ما زلت تطارد الأوهام، إعصر عقلك كما تشاء ولكن دون جدوى. أما أنا، فسأذهب لتناول وجبة مرضية قبل التشرد."

مع اختفاء يانيث تحرك باير بهدوء نحو الأريكة التي ظلت صامدة كشاهدة آخيرة على زوبعة الغضب التي هدمت كل ما حولها، واستلقى عليها بإهمال، قبل أن ينطق بصوت يمتزج فيه الجد مع السخرية: "أظنني أؤيد يانيث في رأيه، بودي أن أنصحك أيضا أن تغتنم فرصة القيلولة في سرير نظيف لآخر مرة قبل بدء رحلتك القسرية نحو الزنزانة."

بالكاد صدحت هذه الكلمات في الأجواء حتى ابتلع الفضاء حولهم تشوهاً مفاجئاً، وظهرت بين تموجات الهواء الراكد أربعة أشخاص ببزات عسكرية سوداء ووجوه جامدة، وعيون تشع ببرودة الحديد.

تتألق على صدورهم شارات رتبهم المطرزة بخيوط فضية تلمع تحت الضوء الخافت، وأحذيتهم السوداء التي تعكس صورة الانضباط والحزم.

كانوا الضباط القادمين من المقر رئيسي لاصطحاب المتدربين.

ومع قدومهم، هزّ باير رأسه بنوع من الأسى والمواساة، وهو يلقي نظرة خاطفة على كورجا الذي كان يرتجف لا إرادياً، محاطاً بهالة من الرعب المحض، كانت ردة فعل طبيعية لمن يواجه مصيراً مثل مصيره.

"كاين، رونكل، نايتد، انطلقوا وحشدوا المتدربين"، أمر رونكل بثبات، متجاهلاً الفوضى السائدة في المكان، وغياب قائد الثكنة عن الوعي.

بمجرد أن أكمل توجيهاته، التفت رونكل بثبات نحو كورجا، غير متأثر بشحوب وجهه الواضح، طالباً منه بنبرة رسمية، لا تشوبها أي علامة تعاطف: "التقرير الرسمي لو سمحت،"

خرج الرد من كورجا، كصدى من وادٍ مجوف، "لم أنتهي من تجهيزه."

رد رونكل بنفس النبرة الجافة الخالية من المشاعر:"إذًا، سترافقنا إلى المكتب العام لتقدم التقرير شفويًا."

******

وقفت مجموعة من الأشخاص تحت ظلال حوامة ضخمة غطاها هيكل مصقول بلون فضي لماع يعكس نور الشمس بزوايا متنوعة، مما يجعلها تلمع كجوهرة في السماء.

تحيط بها أقسام شبكية الشكل تضاف إلى هيبتها الآسرة.

بخفة عابرة للخيال، كانت تطفو على بُعد قليل فوق المبنى ذو الطوابق الأربعة، وكأن قوة خفية تحملها في استهزاء بجاذبية الأرض.

أسفلها، كان هناك قرص عملاق يشع بنور راسخ كنجم راكد متوهج، يكسر أفق الظلام بضيائه.

صعد عشرة من المجموعة على هذا القرص الساطع بتؤودة، ليحملهم بلطفٍ صوب جوف الحوامة العالي، والذي ابتلعهم موصلاً إياهم إلى وسط الحوامة.

وبمجرد دخولهم، أحاطت بهم مقصورة داخلية ساحرة، بأسطحها الناعمة المنحنية وهيكلها الناصع البياض مع ومضات من الضوء الأزرق الكهربائي.

والشاشات البلورية المنتشرة على جدرانها، مشغولة بعرض معلومات حية عن الرحلة وبيانات حسية متصلة بأجهزة الحوامة.

هؤلاء الأشخاص كانوا المتدربين والضباط المسؤولين عن نقلهم.

وقد تم استبدال لباس المتدربين ببزز زقاء داكنة مرصعة بخطوط بيضاء هادئة، تلتف حولهم كسلاسل تبرز رسمية اللحظة.

وشعار المملكة الفاخر، كان متوهجًا بوضوح على الجانب الأيسر من صدورهم.

نظرًا للحدود الواضحة للأحزمة الناقلة التي لا تقوى على حمل أكثر من 100 كيلوجرام ولمسافة تقتصر على 50 كيلومتراً، فضلاً عن استهلاكها المرتفع للطاقة وتكاليف بلورات التشغيل الباهظة، فقد تم استبدالها بالحوامات ذات الكفاءة العالية في توفير الطاقة كخيار افضل لنقل مجموعة كبيرة مثلهم، خاصةً وأن مسافة طويلة تفصل عن المكان الذي يتجهوون إليه.

وبعد عشرين دقيقة بضبط، قطعت الحوامة أربعة ألف كم، لتظهر طافية بسلاسة فوق مركز القيادة العسكري، واضعةً نفسها في قلب مملكة بريستال.

طوال تلك الرحلة ظلت وجوه جميع المتدربين قاتمة، رغم الإبهار الذي توفره مناظر الحوامة وجمال الرحلة والتناسق اللافت في أزيائهم.

[أتظنون فعلاً أن هناك من سيقبل بكم؟ إن كنتم تفعلوان فما هذا إلا سرابٌ جميل ترسمه خيالاتكم الساذجة.

في الواقع، ستجدون أنفسكم إما موزعين في مصانع تشريح الوحوش أو تم تكليفكم بتنظيف السجون، أو حتى كعينات منسية في زوايا معامل مروعة. هكذا يُقدّر مصير الرعاع مثلكم.]

وكيف يُتوقع منهم أن يستمتعوا بالرحلة بعد أن علقت هذه التنبؤات المشؤومة للمستقبل في أذهانهم؟.

وبغض النظر عما إذا كان الضباط يدركون الحالتهم النفسية أم لا، فقد بادروا بجرّهم دون تردد إلى مصيرهم المحتوم، ملبين أمر قائدهم باقتيادهم بأقصى سرعة إلى مكتبه.

وفي اللحظة التي وطأت أقدامهم المكتب، استقبلهم القائد بابتسامة دافئة قائلاً: "مرحبًا بالرجال البواسل".

في تلك اللحظة، انهار أحد المتدربين على الأرض، متجاوزًا حدود التحمل، وبدأ يتوسل بنبرة متهدجة: "أرجوك سيدي، أنا آسف. أتوسل إليك، من فضلك، الرحمة، لا ترسلني كعينة إلى أحد تلك المختبرات القاسية، أرجوك"، وذرف دموع التوسل

لتنتشر حالة من الذهول بين الحاضرين في المكتب، والقائد على رأسهم.

في تلك الأثناء، تلاشت الابتسامة الدافئة التي كانت تزين وجه القائد وحلت محلها تعابير باردة قاسية.

فأمر القائد المتدرب بصوت جاف: "ارفع رأسك وانظر في عينيّ." الصبي، الذي تجمدت أوصاله من نبرة القائد الجافة، لم يتمكن من الاستجابة بسهولة...

2024/01/16 · 71 مشاهدة · 928 كلمة
Let
نادي الروايات - 2026