9 - فنان في إثارة الشفقة

في اللحظة التي وطأت أقدامهم المكتب، استقبلهم القائد بابتسامة دافئة قائلاً: "مرحبًا بالرجال البواسل".

في تلك اللحظة، انهار أحد المتدربين على الأرض، متجاوزًا حدود التحمل، وبدأ يتوسل بنبرة متهدجة: "أرجوك، سيدي القائد، أنا آسف. أتوسل إليك، أرجوك، ارحمني ولا ترسلني لأكون فأر تجارب في إحدى تلك المعامل القاسية"، وذرف دموع التوسل.

لتنتشر حالة من الذهول بين الحاضرين في المكتب، والقائد على رأسهم.

في تلك الأثناء، تلاشت الابتسامة الدافئة التي كانت تزين وجه القائد وحلت محلها تعابير باردة قاسية.

فأمر القائد المتدرب بصوت جاف: "ارفع رأسك وانظر في عينيّ." الصبي، الذي تجمدت أوصاله من نبرة القائد الجافة، لم يتمكن من الاستجابة بسهولة.

"أمرتك أن ترفع رأسك. هل أنت أصم؟" صدح صوت القائد بقوة متزايدة، مليء بالإنذار.

المتدرب الشاب، تحت وطأة الهيبة والخوف، ارتعش بصمت وانتصبت عضلات عنقه وهو يرفع رأسه بخضوع، ولفترة وجيزة نظر إلى عيني القائد قبل أن يخفض بصره ثانيةً إلى الأرض.

القائد، الذي كانت تفاصيل وجه الصبي تبدو له وكأنها مرآة تعكس هول الرعب، شعر بأن صدى صرخة أخرى قد يكون كفيلاً بإيقاف قلب الفتى.

لذا خفض صوته وسأله بهمس شبه أبوي، "ما اسمك، يا متدرب؟"

بصعوبة بالغة، وكأن كل حرف كان يتطلب مجهودًا جهيدًا، جاء الرد متقطعًا، "ر..يـ..فـ..ـا..نـ..س سـ..يـ..د..ي."

حاول كورجا إنقاذ الموقف قائلاً بنبرة متماسكة "سيدي، إنه..."

قاطعه القائد بحزم، "كورجا، يظهر أنك قد أضعت بوصلة انضباطك في مكان ما."

عند سماع هذه الكلمات، تقدم كورجا باعتذار سريع، مطبقاً شفتيه احترامًا وأدبًا.

أعاد القائد نظره نحو المتدرب قائلًا، "وأنت، هل هذا ما اُكتسبت من تدريبك – الزحف، والدموع، والتلعثم وأنت واقف أمام قائدك؟ أين هو انضباطك بحق الله؟"

بهذه الكلمات، استجمع الصبي الراجف شجاعته ووقف مستقيمًا بانضباط وثبات، مخفيًا ارتعاشه بأحكام.

بعد ذلك، تغيرت نبرة القائد لتصبح ألطف حيث سأله، "ريفانس، هل أبدو لك كشيطان زاحف من العالم السفلي."

بصوت ضعيف ومتهدج،: "بالطبع لا، سيدي."

"إذًا ما الأمر؟"

"إنه... إنه طمعي، سيدي."

"وضح كلامك."

"أعني أن كلما استطعت ايقاظه هو قدرة لا تعدو كونها قمامة. ومع ذلك، كنت أبتغي، بوقاحة، تحسين وضعي على نحو غير مستحق."

بتلك الكلمات، سقط المتدرب مغشيًا عليه، عاجزًا عن تحمّل المزيد.

شاهد القائد الموقف، وبقية الضباط وهم في حالة من الذهول التام.

حتى المتدربون، والذين كانوا يشاركونه مشاعر الرهبة، انتابتهم الصدمة.

من جانبه وقف كارل محتارا غير قادر على فهم سبب تصرف ريفانس هكذا.

أما كورجا، صاحب نبوءة المظلمة، فمن الأجدر عدم الاستفسار عن حاله.

الوحيد الذي نَفَض عنه الصدمة وتحرك كان ميلد، الذي كان يقف بمحاذاة ريفانس.

وبوجهٍ مضطرب، حاول بكل ما أوتي من قوة إيقاظه، ولكن دون جدوى.

وبما أن جهود إفاقة الصبي لم تُجدِ نفعًا، أمر القائد بسرعة باستدعاء المسعفين ونقله إلى إحدى الغرف المجهزة للراحة.

وجه القائد نظره نحو ميلد وسأل بحزم: "أنت أيها المتدرب ما اسمك؟"

لحظة اختيار ميلد كالشخص التالي لسؤاله عما حدث، بادر كورجا لمقاطعة الحوار مجددًا. قائلًا: "سيدي، أود أن..."

قاطعه القائد بتوبيخ حازم: "دكتور كورجا، هل فقدت صوابك دون أن أدرك، أم أنك تحاول إخفاء شيء ما عن عمد على الرغم من المخاطر المحتملة؟"

اعتذر كورجا بتواضع: "أنا آسف، سيدي.."

رد القائد ببرود: " يبدو أنك قد نسيت مبدأنا القائل بأن الندم الثاني لنفس الخطأ ليس موضع ترحيب هنا. رونكل، لطفاً، ذكّر طبيبنا العزيز بالضوابط التي يبدو أنها زلت من ذاكرته."

بتلك الكلمات، أقتيد كورجا خارج المكتب، وهو يتوسل رحمة لم تُمنح.

وبطبيعة الحال، المتدربون الذين شاهدوا ذلك انسحبت منهم أرواحهم من الرعب.

لدى مشاهدته لطريقة التعامل مع الطبيب بالثكنة، أسرع ميلد بتقديم نفسه وفق أعلى معايير النظام العسكري التي يمكن أن يستحضرها: "الرقم 82 من ثكنة تانكسي، جاهز لطاعة الأوامر."

هنا كان القائد في حيرة من أمره، غير متأكدًا إن كان هذا المتدرب قد درب على يد مجرمين أو ضباط، فتساءل مبهوتًا: "أنت... ما أنت..."

ملاحظاً التعبيرات المحتدة على وجه القائد، استعد الميلد للجثو على ركبتيه وتقديم اعتذاره.

لكن القائد، الذي بدا أنه استشف نواياه، منعه بحزم قائلاً: "توقف! ماذا تعتقد نفسك فاعلاً؟ أتتجرأ على تحويل هذه الأوقات الجادة إلى مسرحية سخيفة؟ أم ظننت نفسك تحت وطأة العبودية؟"

كلمات المدربين لا تزال تترد في آذان ميلد بوضوح مؤلم: " في حضور القائد، لا يسمح بالخطأ؛ وإذا حدث، فلا تقبل الاعتذارات ما لم يُرفَق بالركوع، ولا يُسمَح حتى بحلم البقاء على قيد الحياة مع الخطأين".

على الرغم من هذه الكلمات، كان ميلد في حيرة من أمره، غير قادر على تحديد الزلة التي ارتكبها ليتمكن من تصحيحها، وخاصة عندما كانت حياته على المحك.

في قلبه، لم يتمكن إلا من توجيه اللوم والسباب إلى ريفانس، الذي كان سبباً في إيصاله إلى هذه النقطة الحرجة.

'لولا التورط مع ذلك الشخص المنحوس، لما وجدت نفسي في هذا المأزق المحفوف بالمخاطر. ذلك.....'

القائد، الذي لاحظ شحوب الصبي المتزايد، أدرك بوضوح أن الأمر لم يكن مجرد دعابة. "أيها متدرب، قف باستقامة، أنت في مأمن هنا. أطلعني على كيفية التدريبات لديكم، وما الذي كان يهذي به رفيقك منذ قليل."

وقف المتدرب، ونظر إلى القائد نظرة شكر صامت.

" التدريب، يا سيدي، هو... تجربة تبدأ قبل الفجر، قبل أن تلمس أشعة الشمس الأرض.

نستيقظ على صرخات المشرفين الذين يصدحون أوامرهم كأنها النفير الحربي.

ليس هناك وقت للاستيقاظ برفق؛ فمع الإنذار الأول، علينا أن نكون قد قفزنا من الفراش.

كل يوم، يغمرنا البرد حتى يتشقق جلدنا، فنستقبل اليوم بعضلات تتصرف على الإرادة وحدها، وقلوب تدق انتظاراً للمعركة القادمة، وتتجمد الدماء في عروقنا كأنها التحدي الأول الذي يجب أن نتغلب عليه.

نجري الجري حتى تتشابك أقدامنا بجذور الأرض كأننا نحاول الهروب لكن الأرض تأبى إلا أن تسجنا. ونحمل الأثقال حتى يصبح العرق مزيجًا بين دموعنا ودم التحدي.

ونجابه البرودة، نعم، البرودة التي تجعل نيران الحقد لا تتحرق إلا لتدفئة الإرادة.

وعند الظهيرة حين يصبح الظل خيطًا، تتحول التدريبات إلى معارك حقيقية حيث الضربات ليست لتعليم بل للبقاء، للنجاة.

الندوب التي نحملها... ليست منقوشة على جلودنا فقط، بل عُمقت في نفوسنا أيضًا، ولكل واحدة قصة نجاة من حافة الموت.

لكنا نرى معلمينا... رحماء في قسوتهم، فهم يشدون قبضاتهم لتسري القوة فينا، كأم تضرب طفلها لا لتعاقبه، بل لتعده لمصارعة هذه الحياة المتوحشة.

لا يوجد أمان أو رحمة، فقط شغف وإصرار على تمرير التلميذ من نار الحقيقة القاسية.

هكذا نتشكل، كتماثيل من نار وجليد، في صقل دائم ومعركة لا تنتهي بين الذات والمرسوم لها.

نشكر آلامنا لأنها تمنحنا فرصة أن نُولد من جديد، كل يوم، كمحاربين لا يعترفون بحدود الجسد أو قيود الخوف."

انتهى ميلد من وصف كيف تم التفاني في تدريبهم، وفي عينيه وميض أشبه بلحظة إدراك قدسية الآلام التي تصقل الروح والإرادة.

بدا الصمت الذي تبع كلماته كأنه نشيد قديم يردده صدى الجدران المتحجرة.

القائد،واقفًا في مكانه، تساءل:" اليس ما تصفه تعذيباً."

"تعذيب؟ لا، يا قائد، إنهم يصنعون منا الآلات."

قال ميلد بصوت حزين يخفي وراءه إعجاباً غير مفهوم بتلك الوحشية، "لم يتركوا لدينا متسعاً للشكوى أو الدمع، فقط التحمل والامتنان للمتدربين الأكثر قِدمًا، الذين يتعاملون معنا برحمة أشبه بتلك التي يجدها الفحم تحت يد الحداد. يكسرونا ليعيدوا تشكيلنا، وفي كل كسر، نرى النور."

بعد استماع القائد إلى ما قاله ميلد، انتابه شعورٌ بالذهول؛ لم يعد متأكدًا إن كان إشرافه يقتصر على تدريب عسكري نظامي أم أنه يدير مكانًا أشبه بحاضنة لتفريخ أعضاء في منظمة سرية شريرة.

كان الوصف الأمثل لحالة المتدربين هو أنهم ضحايا، قد زُرع فيهم شعور بالامتنان تجاه جلاديهم. ولم يرد سماع المزيد وأمر.

"تايندر، رافق المتدربين إلى مقر إقامتهم."

" فورًا، سيدي." أجاب تايندر وسحب المتدربين معه. وبينما كان يخرج من المكتب، استوقفه حضور مفاجئ لشخص كان واقفًا عند الباب.

طلب الغريب الصمت، مانعًا إياه من الكلام بوضع إصبعه على شفتيه، قدم تايندر تحية عسكرية صامتة، موضحاً احترامه وتقديره للغريب، قبل أن يقود المتدربين نحو وجهتهم المقصودة.

على الجانب الآخر، القائد الذي كان غير مدرك للحدث الصغير الذي وقع على عتبة باب مكتبه، واصل إعطاء الأوامر لرجاله بحزم.

"ريفر، استدعِ كافة مشرفي الثكنات على الفور."

"فورًا، سيدي." رد ريفر بسرعة واختفى من المكتب.

ثم تابع القائد موجهًا كلماته لضابط آخر: "نيان، أريد منك تكليف إهار بإجراء تحقيق كامل لجميع الثكنات وإطلاعي فورًا على أي مخالفات."

"كما تأمر، سيدي." استجاب نيان بحزم واختفى هو الآخر.

وبعد طرد الجميع جلس القائد على مكتبه مغمض العينين مستنداً على يده في مسعى لاستعادة هدوئه.

ولكن فجأة، دون مقدمات وعلى نقيض صريح لأوامره السابقة بعدم الإزعاج، انفتح الباب.

شعر بارتفاع موجة الغضب داخله وهو يرفع رأسه بنية أن يلقن الجاني درساً لن ينساه.

ولكن كلماته توقفت عندما استوعب هوية الزائر.

"من... معلمي؟ ما الذي جاء بك إلى هنا؟ لا. متى... متى وصلت؟"

فيوس متجاهلاً الشعور بالحرج الذي بدا على وجه تلميذه تقدم بخُطى واثقة نحو الأريكة، ليجلس عليها بهيبته المعتادة.

"لا أجد لك في نفسي سوى الشفقة. نيتيان! كيف تركت الفوضى تعم بين مرؤوسيك!" أفصح فيوس بنبرة لا تخلو من الازدراء.

نيتيان رد بصوت منخفض، مليء بالتسليم: "أنت على حق، لقد كنت دائمًا دقيقًا في أحكامك. إنني فاشل حقًا. ولهذا قررت أن أنعزل لأجل تصحيح أخطائي."

"أنت ماهر حقًا في تشويه مقاصدي وتحريف كلماتي." تمتم فيوس بنبرة ساخرة.

"أستاذي..." همس نيتيان، في محاولة لاسترجاع كرامته المتزعزعة.

"لا يسعني تخيل أن يكون لقائد مثلك، بمستوى الضعف هذا، تفكير في الهرب عند أول تحدٍ يواجه. إنه ذروة الجُبن." حكم فيوس بقسوة شديدة على نيتيان.

تحدث نيتبان ونبرة صوته محملة بالمسؤولية، "لكن يا معلمي، أنا وحدي من عليه تحمل عبء الأخطاء التي وقعت."

لم يترك فيوس الكلمات تستقر، حيث قطع حديث تلميذه بحركة من يده:" كم هو غريب حديثك، من قال بأن القيادة تعني العصمة من الخطأ؟"

تابع كلامه بنظرة عميقة، ملؤها الحكمة والتجربة، "يخطئ كل فرد تبعًا للدور الذي يلعبه، ولكن الذي يجب عليك فهمه هو أن العمل مع الآخرين ينطوي دومًا على مخاطر. ورغم هذا، هي مخاطر يجب التكيف معها لأجل خلق فريق متماسك وقوي."

ابتسم فيوس وهو يقوم من الأريكة، مخففاً من حدّة المحادثة:" القيادة ليست فقط حول الأعمال، بل حول الناس، مرؤوسوك يحتاجون إلى معلم فعّال وقائد رزين، وليس شخصًا ينسحب عند أول عثرة."

دعا نيتبان معلمه بعجلة قائلاً:"معلمي، لماذا الاستعجال؟ هلا تريثت لشرب فنجان من القهوة قبل الذهاب؟"

أجاب فيوس بنبرة جافة ممزوجة بسخرية لاذعة: "أبعد ذلك الاستقبال الذي بدا أقرب إلى طرد مقنع، لا أظن ذلك."

اضطرب نيتبان قائلاً، "لم أقصد... لم تكن تلك نيتي. لقد كنت فقط..."

قاطعه فيوس بحزم: "مهما يكن، أنا لا أنوي البقاء بمكان تسوده الفوضى مثل هذا. ربما تزورني في مسكني بعد أن تعيد النظام إلى هذا المكان."

بهذه الكلمات، اختفى فيوس من المكتب، تاركًا وراءه ابتسامة متحمسة ترتسم على وجه نيتبان.

ليظهر في الحظة التالية وسط حوامة سوداء أنيقة واستقر براحة على إحدى المقاعد المصنوعة من جلد ناعم يتغير لونه بلمسة زر، وتستجيب لحرارة الجسم وتتكيف مع شكل الجلوس لتوفير أقصى درجات الراحة.

ثم أشار إلى أحد مرافقيه بحركة موجزة، والذي اقترب على الفور، وهو يعد نفسه لتلقي الأوامر.

2024/01/18 · 87 مشاهدة · 1675 كلمة
Let
نادي الروايات - 2026