10 - فنان في إثارة الشفقة 2

وسط الفلك المتداول لإمبراطورية سيليستيوم العظمى، تقبع مملكة ثاليس التابعة لها.

ومع شروق الشمس الخجول فوق عاصمتها كرايثولن، تنسل خيوطها الذهبية من خلف ستائر الثلج الكثيف، الذي يزين سماء المدينة طوال العام.

المؤسسات الحكومية تُظهر الواجهة الحديثة للمملكة، مع واجهاتها الزجاجية المبتكرة والأضواء الذكية التي تَتَأَقلم مع أوقات النهار والليل.

نقابات العمال تحفها رايات تموج بفخر، تروي قصص الانتصارات الصناعية وأكتافها المتحدة تساند عوالم الإبداع.

الجمعيات، بكل نشاطها وحيويتها، تفتح أبوابها للمبدعين والمخترعين من كل حدب وصوب.

المصانع والشركات هما القلب النابض للاقتصاد في ثاليس، مع مداخنها التي تنبعث منها ليس دخان، بل سحب من البخار الآمن بيئيًا.

التجار يتجولون بثقة بين المتاجر المتراصة، والتي تعرض منتجات لم تُرَ مثلها في المدن المجاورة - من إكسوارات تكنولوجية إلى مخلوقات نباتية مروضة قد تُستخدم في الدفاع أو الزينة.

حين يشرق النور، يبدأ الناس بالتنقل باستخدام الحوامات السريعة كالبرق، تنساب بين الأبنية والنواطير، متناغمة مع أجواء الصباحية الباردة.

الأسوار العالية التي تحيط بالمدينة تشبه تنانين قديمة متحجرة تقف لحماية الحضارة.

وفوق هذا كله، هناك حقل الحماية الذي ينشر قبة شفافة، معتمدًا على الطاقة الزرقاء النقية، مما يجعل السكان في أمان من الوحوش والنبات المفترسة العملاقة القابعة خارج حدود المدينة.

وفي قلب المدينة، يكمن المركز الأمن العام الذي يعرض قوة النظام والقانون بصرامته الجذابة.

في جناح معد خصيصاً لاستراحة الضباط، يفتح صبي صغير عينيه للتو من سباته، متنبهاً لأشعة الشمس التي تتسابق مع بريق الثلوج المتلألئة عبر النافذة.

الغرفة مفروشة ببساطة، حيث تضم المستلزمات الأساسية فقط.

شحوب وجه الصبي، عيناه الغائرتان، ونحوله البالغ كانت توحي وكأن هذا المكان عبارة عن مشفى قبل أن يكون مركز أمن.

فُتح الباب، ودخل رجل في عقده الرابع، ذو بشرة سمراء حسن البنية، بملامحه حادة يزين وجهه لحية وشارب رقيقان بلون أسود.

نظر الصبي إلى الرجل نظرة محتارة لبعض الوقت قبل أن يستعيد بصره تركيزه ويحاول النهوض على عجل ليقدم التحية.

أوقفه الرجل بحزم: "قف حيث أنت."

"لكن، ايها القائد..."

"إنه أمر!"

بسماعه لتلك الكلمة توقف الصبي عن الحراك وجلس في مكانه بهدوء على الفور.

فجأة تذكر القائد التقرير الذي استلمه والذي يفيد بأن هذا الفتى قد تعرض للضرب المبرح على يد أحد جنوده الوحشين بعد فشل الصبي في تحمل عقوبة قاسية وظالمة، عقوبةً شديدة الجور لدرجة أن الصبي حُكم عليه بالإعدام بأسوء طرق بعد أن أبدى بعض التذمر نتيجة الظلم.

ولم تقف مأساته عند هذا الحد؛ بل وصل بهم الأمر إلى اتهام جسده المنهك من العنف اللامبرر بجريمة قتل، وبدلاً من تقديم العلاج له، واستهلكوا قواه بالتحقيقات العقيمة، وعندما باءت محاولاتهم بالفشل، ألقوا به جانباً دون اكتراث.

والأمر المفجع هو أنه حتى بعد أن استفاقت فيه قدرات عقلية استثنائية، كاد يموت من الرعب لمجرد التفكير في أن يُرمى به في زوايا معامل وحشية، نتيجة لنبوءات مزيفة صدرت من شخص لم يتمكن في الواقع من إيقاظ أي قدرة عظيمة.

لم يفهم القائد كيف يفتقر هؤلاء الجناة إلى أدنى درجات الضمير وهم يمارسون التعذيب على هؤلاء الأيتام البائسين.

إتنقّل القائد بخطوات واثقة نحو أريكة صغيرة تقبع في ركن الغرفة، حيث استقر هناك جالسًا.

"أيها المتدرب ريفانس،" نادى القائد بصوت رزين.

رفع ريفانس نظره نحو القائد ورد بأدب، "نعم، سيدي."

لاحظ القائد ارتسام القلق واضحًا على ملامح الفتى، الذي كان جالسًا على حافة السرير.

بنبرة حازمة ولكن مشجعة، أفصح القائد، "لقد أوصيت بتسجيلك في الأكاديمية العلمية بيراجيا، ويشرّفني إبلاغك بأنه قد تم قبولك. ستُمنح إقامة دائمة في العاصمة الإمبراطورية، وبعد اكمال دراستك، سيكون لك الحرية في اختيار مكان عملك طبقًا لتقديراتك الأكاديمية."

ارتسمت على وجه ريفانس علامات الدهشة وعدم التصديق، ولكنه رد بكل صدق وامتنان، "أفهم، سيدي. سيظل قلبي مملوءًا بالشكر لرعايتك وكرمك طوال حياتي."

عندما شاهد القائد كيف أجاب الصبي بعبارات موجزة وتماسك واضح، بالرغم من الفزع المتسلل إلى نبرته الذي عجز عن تمويهه، انتابت القائد موجة من الغضب ضد نفسه مجددًا، متأسفًا لعجزه عن توفير الحماية اللائقة لهؤلاء الأيتام المساكين.

"ليس هناك حاجة للتعبير عن الامتنان أو الشكر، ما قدمته هو الحد الأدنى مما يمكن عمله تجاهكم بعد كل ما مررت به."

"أنا أسـ..."

"كفى. لا أرغب في سماع المزيد من الاعتذارات. سوف تُنقل إلى الإمبراطورية بعد ظهر هذا اليوم، وسيكون مساعدك معك."

"تمام،" اختصر ريفانس ردّه بكلمة واحدة، وُجدت أمامه خيوط من الحيرة تتلوى داخل ذهنه دون أن يدعها تتحول إلى كلمات.

كان القائد يُشاهد في الخفاء، متسائلاً بصمت كيف يُمكن لشخص بمواصفات ريفانس أن يتطور ويبرز كباحث مُتميز في حين أن سلاح الباحث الأقوى هو الفضول وسيل الأسئلة لا الصمت.

راقب القائد تمثال ريفانس الصامت للحظة قبل أن يعاود الكلام، "استمع إليّ يا ريفانس، من الضروري أن تدرك أنك لست مجرد آلة تستقبل المعلومات وتمضي، أنت إنسان. إذا اعترضك شيء لا تفهمه، يجب عليك أن تسأل وتستوضح لتُلمّ بما هو مطلوب منك."

"سوف أضع ذلك في اعتباري،" ردّ ريفانس، وعلى شفتيه أمسك تباشير ابتسامة عرجاء من الرهبة.

مع بضع إرشادات إضافية، غادر القائد على عجل خشية إسكات قلب الصبي إلى أبد.

ما إن غادر القائد الغرفة، حتى بدأ ريفانس بخدش الجزء الخلفي من رقبته حيث ظهرت لصاقة شفافة بين أصابعه.

بلمسة خفيفة، قسم اللصاقة إلى نصفين؛ لتتبدد فوراً في الهواء، متحولةً إلى جزيئات ناعمة بيضاء اللون، لتختفي تماماً.

هذه العملية أعادت حيوية بشرته واستقرار جسده الذي كان متأثراً بالرعب.

تلك اللصاقة، في الاستخدام العام، تكون ملاذاً للمدمنين الذين يبحثون عن هروبهم في مواد مخدرة مدمجة ضمن تركيبتها، لكن ما استخدمه ريفانس كان من نوع آخر؛ فقد احتوت اللصاقة التي تعامل معها على سمٍ يُحاكي أو يُفاقم الخوف إلى مستويات غير طبيعية.

ثم استحضر ريفانس في ذهنه الرسالة التي تلقاها سابقاً، تلك الرسالة التي دفعته إلى التورط في هذا المشهد العبثي.

ومع ذلك، لم تعد هذه التفاصيل مهمة، المهم هو أنه في الأخير حقق أكثر مما كان يطمح إليه.

*****

ساركين، الذي كان متردًا بشأن العودة إلى معمله بعد الفوضى التي اندلعت هناك، قرر أخيرًا التوجه إلى غرفته بحثًا عن قسط من الراحة.

عززت الوجبة الشهية التي تناولها والنوم المريح الذي حظي به الحالة المعنوية لديه، واستطاع أن يتخطى بعضاً من إحباطه السابق.

بعد أن انتهى من الاستعداد والتأهب ليوم جديد، لفت نظره الكاميرا التي تلقاها من الزعيم في اليوم السابق.

داهمه فضول ملحّ حيال الشخص الذي يملكها والأسباب التي أدت إلى وجودها معلقة بشكل غير مألوف على جهاز صيده.

لإشباع فضوله، لم يجد خيارا سوى أن يجلس على الكرسي الأقرب إليه ويربط الكاميرا بسواره الإلكتروني، وفي غضون ثوانٍ معدودة، انبثقت أمامه شاشات عائمة تُدار من خلال سواره، ولم يمر وقت طويل حتى نجح في فك شفرات الأمان الخاصة بالكاميرا وبدأ بالتسلل خفيةً إلى أنظمة الأجهزة التابعة لمالك الكاميرا.

وبينما كان غارقًا في ذلك، أسرت انتباه مجموعة من الفيديوهات والتقارير التي كانت تُعدَّل بالتزامن مع مراقبته.

"أوه، حقًا؟ أنت لا تدرك حجم الخطأ الفادح الذي ترتكبه"، همس ساركين لنفسه بنظرة تحمل في طياتها غموضًا مبطنًا.

بعد تلك الهمسة، تسارعت حركة أصابعه فوق واجهة السوار مجددًا، وبكفاءة عالية قام بنقل تلك البيانات وعرضها على السوار الشخص الذي كان يعقد الخط ضده.

وبما أنه لاحظ عدم استقبال الطرف الآخر للرسائل النصية المرسلة، فقد قرر تحويل المحتوى إلى صيغة صوتية وإرسالها بذلك الشكل، لضمان إيصال المعلومات.

*****

ريفانس، الذي كان يجلس في مقصورة الحوّامة، استغرب للحظة عندما تلقى إشعاراً على سواره التقني.

كان ذلك محيراً إذ كان قد أعلم الشخص الوحيد الذي يعلم ترددات سواره بأنه سيكون خارج نطاق الخدمة لفترة.

وعلى الرغم من رغبته في فحص الرسالة دون أن يلاحظه أحد، إلا أن الصبي الذي لازمت عيناه مراقبته طيلة اليوم قد حال دون ذلك، مما جعل من المستحيل عليه تفقد الرسالة بشكل سري.

مرت لحظات، ولم يقم ريفانس بأي استجابة، حتى وصلته رسالة صوتية مباشرة إلى الجهاز الخفي الذي يرتديه داخل أذنه والذي كان للطوارئ.

وبدلاً من أن تكون الرسالة لأمر عاجل أو لإبلاغه بحدث خطير، كانت عبارة عن تلاوة صوتية لتقرير شخص ما.

[كنت أقوم بدوري المعتاد في المراقبة السنوية، وكان قد مر يومان حيث يؤدي المتدربون مهامهم بالكفاءة المطلوبة.

فجأة، هجم "ناب الأبيض" مع قطيعه على المجموعة.

في البداية، لم يشارك زعيم القطيع في الاشتباك، لذا لم أجد داعيًا للتدخل؛ لكني ظللت مستعدًا لأي طوارئ قد تحدث.

بعد مرور وقت قصير، لمح ناب الأبيض القدرات التي يتمتع بها صغارنا، وبدا بالتحرُّك.

كنت أرغب في أن أعلّمه درسًا بالانخراط مع من هم في مستواه، إلا أني، وقبل أن أستطيع فعل أي شيء، فقدت الوعي بشكل مفاجئ.

لم يقتصر الأمر على ساعة أو حتى ساعتين، بل استمر لما يناهز الأربع وعشرين ساعة؛ اختفت خلالها الكاميرا التي كنت أستعين بها لتسجيل تفاصيل المكان.

كما اختفى الناب الأبيض و قطيعه مع ستين متدربًا كأنهم لم يكونوا هناك قط.

عندما أفقت من غيبوبتي، وجدت أن ثلاثين متدرباً كانوا ملقين دون وعي فوق الحقل الأبيض، ولكن أحدهم، ظل واقفًا بلامبالاة وسط الحقل.

ذلك الشخص كان متدربًا يُدعى ريفانس.

في الحقيقة، هناك العديد من الأحداث المحيطة بهذا الفتى التي كانت تنطوي على عدة شبهات وظواهر غامضة، مثل....]

ومن خلال هذا التقرير، بات جلياً ما الذي كان يسعى إليه المراقب الذي أهمل مهامه؛ كان يسعى إلى إلقاء اللوم على متدرب كان يحيط به بعض الغموض، ليتهرب بذلك من تحمل المسؤولية والجزاء اللائق به.

بعد أنهى كورجا من صياغة التقرير بصورة مستعجلة، أسند رأسه على مسند الكرسي مستسلمًا لإحساسه بالرضا.

في الوقت نفسه، ريفانس، الذي غمرت وجهه ابتسامة عريضة دون أن يشعر، وأثار دون قصد قشعريرة في العمود الفقري ليورس، الذي كان يراقبه سراً، أو هكذا اعتقد.

2024/01/19 · 73 مشاهدة · 1461 كلمة
Let
نادي الروايات - 2026