كان العصر يلفظ أنفاسه الأخيرة عندما خطى ريفانس خارج مركز الأمن العام، يحمل حقيبته الصغيرة، معتقدًا أن الحوامة المنتظرة سوف تكون مليئة بزملائه المتدربين، ومحادثاتهم الصاخبة وضحكاتهم المعهودة مع زوال رعب المستقبل المظلم.
ولكن الواقع؛ اللعوب كما هو دائماً، كان يخفي وراء ظهره مفاجآت شتّى.
تقدم ريفانس بخطوات متثاقلة نحو الحوامة الواقفة هناك، تنبعث منها أضواء خافتة تتلألأ، كالوشاح المرصع بالنجوم يحيط بالأفق المسائي.
تملكه إحساس مفاجئ بالدهشة الخفية عندما رصد الشارة المُعبرة عن رتبة العليا نُقشت بدقة على جانب الحوامة.
مع ذلك، لم يظل مُشدد الانتباه إلى تلك التفصيلة، بل واصل مسيره نحو الداخل دون أن يُولي الأمر أكبر قدر من التفكير.
لحظة دخوله، التقت عيناه بعيون القائد العام، وحده مع ضابطين آخرين في جلسة هادئة، فائقة التركيز. تسمر ريفانس في مكانه، ذهنه يحاول استيعاب التغيير الدراماتيكي في رفقة الرحلة. "أين الجميع؟" سأل نفسه في صمت.
أخبره أحد الضباط برسمية متحفظة أنه سيسافر مع القائد؛ فكل المتدربين الآخرين قد أرسلوا للعاصمة في اليوم المنصرم، في حين كان هو مغشياً عليه، نائماً في غرفة الإستراحة.
"ريفانس!" صوت مألوف انقطع بمزيج من الحماسة والدهشة، كان ميلد، المتدرب المعروف بثرثرته، يخرج رأسه خلف مقعد القائد. "لقد قُرر أن أكون مساعدك!"
نظر ريفانس إلى الضابط الذي كان يقف بجانبه نظرة متسائلة والذي أومأ بدوره تأكيداً على صحة ما سمع.
الصمت كان ملك اللحظة، وعيون ريفانس المتسعة تتجول بين الضابط وميلد الذي كان يدعوه للجلوس بجانبه.
بطريقة ما، وبينما كان ريفانس يغط في بحر اللاوعي انحنى القدر ليقدم لريفانس المساعد الأقل توقعاً: ميلد. ميلد ذو اللسان الذي لا يكف عن الثرثرة، زميلهم الأكثر إزعاجاً صار مساعداً ومرافقاً له طوال فترة مكوثه في الأكاديمية.
ولكن مع صدور الأمر لم يكن هناك ما يمكن قوله، ومع هذا القبول السريع للأحداث توجه ريفانس إلى المقعد المجاور له.
وقبل أن يستقر في مقعده، بدأ ميلد بسرد حكاياته بلا توقف، منغمسًا في وصف فخامة الحوامة، الأنظمة الذكية التي تشغلها، لمعة الأسطح الداخلية التي تكاد تكون مرآة.
حتى القائد الأعلى نفسه لم ينجو من تيار ميلد اللامتناهي من الكلام.
كان يثرثر، بحماس أخفى جميع القواعد والبروتوكولات المعتادة، حتى أن القائد العام—بكل رتبه وهيبته—بدا بصمته كمن يستمتع بالمونولوج المستمر.
ومع انطلاق الحوامة، زادت ثرثرة ميلد زخمًا، وهو يتحدث عن كل شيء بدءًا من الكراسي المصنوعة من الجلد النادر، إلى الشاسيه الذي يمكن أن يصمد في وجه الصواعق الكهربائية، ومحركات الدفع القوية التي تجعل من السفر عبر القارات مجرد نزهة قصيرة.
وكان الأكثر إثارة للدهشة أن ميلد لم يبد أي اكتراث لحضور القائد الأعلى وضباطه ونظراتهم المتفحصة؛ كان يتحدث بصوت عال دون خوف أو وجل.
هنا تسلل الاستغراب إلى أعماق ريفانس وأثار فيه حيرة عميقة، أين ذهب هذا الخوف المتأصل؟ كيف يمكن لميلد أن يكون بهذه الثقة وسط هذا المحفل العسكري الرهيب؟
ومع استمرار الرحلة كانت السماء تتخللها بقايا النور البرتقالي المتلاشي، والنجوم تبدأ بالكشف عن وجودها تدريجيًا.
بينما اعتبر ريفانس استماع القائد الصامت لثرثرة ميلد، ولا مبالاته بالحديث الجانبي، نوعًا من الإذن الصامت بتجاوز الحواجز التي رسمها النظام العسكري الصارم، لينسل بدلك إلى عالم الاحلام.
استفاق ريفانس من غفوته التي استمرت لساعة واحدة مع توقف الحوامة.
كانوا بانتظار فتح الحاجز ولم تنقضي بضع دقائق حتى سُمح للحوامة بالعبور إلى قلب العاصمة.
ميلد، الذي كان قد توقف في وقت ما عن الثرثرة، كان يتنقل بحماس بين النوافذ، مُطِلّا بانبهار من كل زاوية على المشاهد المتغيرة التي تتسم بجمال لا تراه إلا في العواصم، وكأنه طفل يستكشف العالم لأول مرة بعيون ملؤها العجب والفضول.
تحركت الحوامة ببطء شديد، وكأنها تعي رغبته في تأمل الأفق والمباني الشاهقة، مُتمهلة في تقدمها كمن يُراعي إحساس الطفولة المتجددة التي تغمره.
أما ريفانس، الذي استقر في مقعده محافظاً على هدوءه المُعتاد دون أن يظهر أي تعابير تدل على مشاعره، لكنه - على طريقته الخاصة - كان مأخوذًا أيضًا بالجمال المبهر للعاصمة.
تربعت عاصمة فوقانيا في قلب امبراطورية سيليستيوم، كجوهرة متلألئة تحتضن في ثناياها مزيجاً فريداً من التقدم التقني والطبيعة البكر.
تميّزت المدينة بتقسيمها إلى طبقتين: العلوية المحلقة والسفلية المزدهرة، مثل لؤلؤة ثنائية تعانق فضاءً وأرضًا.
الطبقة العليا، مُعلقة كعش للنسور الفخورة، وطن لذوي السلطة والمراتب العالية.
تحوم قصورها البراقة ومؤساتها الحكومية وهيئاتها السياسية متتلألأ بجدرانها المطلية بما يبدو أنه طلاء من الذهب اللامع فوق الغيوم بفخامة مُرهفة، تدير شؤون المدينة بدقة الساعة.
بنظر إلى الجزء سفلي من الأعلى، كانت المدينة تشبه قرص العسل بتصميمها الحضاري، حيث المباني الشاهقة والمعابر المعلقة والأبراج المتوهجة بأضواء زرقاء وخضراء.
تخلل المدينة نقابات وجمعيات مختلفة، تعمل كخلايا نحل تحفها روح العمل الدؤوب.
تجدر الإشارة إلى الأسواق التي تعج بالحركة مع بائعين يرتدون الأقمشة المشرقة، ينادون ويعرضون أحدث الابتكارات التكنولوجية التي تغازل الحس الفضولي لكل من يمر بها.
المصانع والشركات حيث يدخل العملاء والشاحنات والبضائع، كانت تنبض بصوت الآلات؛ أصوات متناغمة في سيمفونية النشاط الاقتصادي الذي لا يعرف الكَلَّ.
ومن السماء، كانت الحوامات النحيلة كحبات الزئبق المتهادية على الأفق، تنقل الركاب والبضائع بسرعات خاطفة، ضوء يلمع هنا ويُطفأ هناك، تشق طريقها في ممرات هوائية مستقيمة بين الأبراج، تنقل معها ضجيج المدينة وحيويتها.
تنتشر المنازل، بعضها فخم وبعضها متواضع، مشيدة بأشكال هندسية جريئة، ومضاءة بأضواء صاخبة أو هادئة تكاد تكون مؤشورات لعبة الألوان المنعكسة من سطح الحقل الواقي.
وما يزيد من تنوع المنظر الحقول العمودية المتدلية من أعالي المدينة، مستغلة كل شبر لزراعة النباتات الغريبة والفواكه العجيبة التي تلبي حاجات الشعب.
التنقل بين الطبقتين وداخلهما يتم من خلال الحوامات الخفيفة التي تنقل مستقليها بسرعة الضوء تقريبًا، باستخدام شعاع هادروني متقدم يتيح الحركة السريعة والملاحة الدقيقة من غير اصطدامات.
أخيرًا، الأسوار المحيطة بالمدينة كدرع واقٍ يجمع بين الجمال والوظيفة، فهي موشاة بالزخارف ومعززة بطبقات متعدة من الفولاذ والسبائك المعاد تركيبها على المستوى الفرع ذري، ترتفع لأميال، وعلى قمها نقاط مراقبة مضاءة كنجوم أرضية تؤدي إلى الاعتقاد بأن السماء قد هوت لتصافح الأرض، بينما الحقل الواقي الذي يغطيها من الأعلى كقبة شفافة تغطي سقف المدينة ويحجب خطر الطبيعة والاعداء الحاقدين، غير مرئي خلال النهار ولكن ملهم في توهجه ليلاً.
كما أنه يمكن تعديل تردداته للسماح بدخول الطائرات الصديقة أو لحجب الأعاصير الغريبة التي قد تولدها الطبيعة الغاضبة خارج الأسوار.
فجأة توقفت الحوامة التي كان من المفترض أن لا تتوفق إلا فوق السماء الأكاديمية في الفضاء الشاسع فوق ساحة الامبراطورية التي تمتد لأميال، مزروعة بأشجار لا تنضب أوراقها، ونوافير ترتفع مياهها كأنها تتراقص على أنغام الطبيعة.
"انزلوهما!" أمر القائد بصوت جلي.
وقبل أن يفهم ريفانس اي شيء، وجد نفسه يعبر الأجواء في مصعد شفاف مع ميلد، ينزلق بهما سلساً كحلم نحو قلب الساحة.
على معاصمهما، تلمع أساور الكترونية تتلألأ بأرصدة رقمية كافية لتغمرهما بملذات المدينة، هدية من القائد لاستكشاف المدينة.
لم يعرف ريفانس سبب كرم القائد المفاجئ ولكن وفقاً لميلد فقد أعطي يوم للإستمتاع مثل هذا لكل المتدربين.
كان برفقتهم آلي بحجم الكف، تتلألأ أجزاؤه الداخلية خلف بشرته الشفافة كمياه نقية يلعب فيها ضوء الشمس.
كانت ملامحه مصممة لتبث الراحة في القلب، وعيناه الرقميتان تعبران عن متعة خالية من الهموم.
لم تكن وظيفته مجرد مرشد، بل كان قادراً على الحس والإحساس، وبرمج بلطف ومرح يكاد يجعله حياً.
شعر ميلد بالحيوية تسري في عروقه، ولولا السلامة الإلكترونية المحيطة به، لكان قفز مسرعاً خارج المصعد.
كان كل جزء من هذا المكان صورة حية من المستقبل.
أبنية تناطح السحاب، شاشات عرض ضخمة عائمة تكسر سكون الفضاء بإعلانات تبث الحياة في كلا الطبقتين. "حلّق فوق حدودك مع أحدث موديلات أرو - الحوامة الفائقة السرعة!" أو "شراب فيتاليس: نكهات الغد في قنينة اليوم!"، تلك الإعلانات تروج للمنتجات والخدمات بصوت متفائل ينبعث من كل جانب، ومع هذا تظهر بعض الحملات التوعوية "امنع الوحوش، وقاية أفضل من قنص!"، تُذكر السكان بضرورة الحيطة والحذر.
تُبث أيضًا مقاطع تحذيرية عن نبات مفترسة جديدة "تنبت الخطر: احذروا نبات الأفعوان العملاق!"، تصدح الرسائل بتحذيراتها وإرشادات السلامة أو ترويج أحدث الأزياء "انطلق بأناقة! الدرع الثوري الجديد - كن قويًا، كن أنيقًا!" تُعلم السكان بآخر صيحات الموضة التي تتماشى مع تقنيات الأمان.
بمجرد أن انفتح باب المصعد، استقبلتهم روعة الاختلاط الثقافي والألوان الزاهية للمدينة.
الشوارع متشابكة بشبكات من المسارات التي تسيّر الروبوتات، والهواء نقي بشكل غريب، مع وجود نوع من النبات المتسلقة التي تغطي الجدران بألوان زاهية وتنقي الهواء.
والمتاجر متنوعة، مواربة الأبواب، تعج بالزبائن كنحل يحوم حول عسل الصفقات الشهي.
والناس في ملابسهم الغريبة، نظراتهم الزائغة نحو شاشات عرض تفاعلية ظهرت من اللاشيء.
حراس الأمن مزيج بين الإنسان والآلة، حيث الأليون تصحبهم قوة بشرية متقدة بقدرات فطرية لا تعرف المستحيل. يقفون شامخين كأعمدة الطبقة العلوية، ينثرون أمانا ًويوزعون الطمأنينة في حركة دائمة.
خرج ميلد من المصعد على عجل، يتبعه ريفانس الذي كان يحاول مسايرة حماسه، والذي بدا كأنه يرى العالم بعيني فتى استيقظ للتو من سبات عميق.
فجأة، وسط بهجة الاكتشاف وفرحة الجديد، تحول الهدوء إلى فوضى.
ظهر من العدم ظل غامض، قبض على ريفانس بذراع أشبه بالأخطبوط، شفافة وقوية. وقبل أن يستوعب ما يحدث، اختفى الاثنان من زحمة الساحة.
بينما عكس السوار الإلكترونية المتلألئة على معاصمه آخر موقع معروف له، قبل أن يختفي كل شيء.
ميلد الذي التفت ليشير إلى شيء ما راى ذلك، ليقف في مكانه شاخصًا يحاول استيعاب ما حدث، بينما بدأ ضوء الروبوت المرافق في التحول سريعاً إلى لون الخطر، وتنطلق إشارات الإنذار منه معلنة عن وقوع حادث.
في مجتمع حديث لا يعرف الجريمة بشكل شائع، كان هذا الحدث غريباً وغير متوقع، مما أشعل فتيل الفوضى، حيث أطلق المارة الصراخ وتحولت الساحة إلى بحر من الجلبة والضجة.