تحت ضياء فضي ينثره قمر الليل الساطع، فوق دوي الأصوات المُتلاطمة لساحة المدينة الصاخبة، ظهر رجل متدثر بالسواد من رأسه حتى أخمص قدميه عند ركن هادئ من ساحة المدينة النابضة.
كظلّ وُلد من العدم، وقف هناك صامتًا يراقب تيار البشر الدافق، كأنه يتأمل نهرًا متدفقًا بأمواج الحياة.
عيناه كانتا تمسحان الحضور بحذق صقر في كمينه؛ لا حركة تفوته، ولا نظرة تخفى عليه، إذ كل شيء يتم ملاحظته بدقة متناهية.
مرت ثوان والموج البشري يتلاطم، حتى انقشعت الزحمة لتكشف عن هدفه المنتظر؛ صبي بشعر أشقر وبجانبه يطفوا مرافق آلي شفاف، لطيف كالوهم وصغير بحجم الكف، مع صاحبه الصاخب الذي يسير أمامه مسرعًا، يهرول ببراءة غافلة عن تعقيدات ومتاهات الحياة المحيطة به.
ابتسم الرجل وضغط بطرف إصبعه على سوار أسود يحيط بمعصمه، وبهذا انبثقت لوحة تحكم بيانية تظهر أمامه كالهواء، تتراقص مع نسمات الليل الخفيفة.
نقر الرجل بضع نقرات على الشاشة، فظهر بجانبه روبوت أبيض مرن يبلغ نصف طوله. أظهر الرجل للروبوت صورة الصبي وأصدر أمراً بهدوءٍ جليدي: "اقبض عليه. واجلبه إلى الحوامة."
بمجرد إصدار الأمر، تلاشى كل من الرجل والروبوت من الزاوية الهادئة، وكأنهما لم يكونا يومًا جزءًا من هذا المشهد.
وفي غمضة عين، كان الرجل يجلس بداخل حوامة سوداء مظلمة، تطفو فوق مباني العاصمة تلتف حولها الأضواء مانحةً إياها هالة من الغموض.
تبعه الروبوت بعد لحظات، حاملًا الصبي ذو الشعر الأشقر الذي بدا الآن كجرو ضائع بين مخالب القدر.
اقترب الرجل من الصبي الذي كان يحاول التملص، لكن كل حركة كانت تشبه النضال ضد أمواج البحر؛ فكلما زادت الإرادة، ازدادت قوة الردع.
همس الرجل بصوت تخللته نبرة خفية من الندم: "عذرًا، يا صغيري." ثم حقنه بإبرة تحمل سائلًا يشع بلون أزرق شفاف، وما لبثت قوة الصبي أن خارت، فسقط كدمية انقطعت خيوطها.
انطلقت الحوامة بسرعة فائقة، مخترقة عباءة الليل، متجاوزةً الصروح المعمارية المتلألئة والشوارع المضيئة بأضواء النيون الساطعة، الأضواء التي تملأها حياة المدينة.
ولم تمضِ سوى لحظات حتى توقفت الحوامة بشموخ على سطح إحدى المنازل البائسة في أطراف العاصمة، تلك النقطة الناءية البعيدة حيث يُأمل أن لا تصل ضجة الحضارة وصخب التكنولوجيا.
وبعد هبوطهم الهادئ على سطحه، ضغط الرجل على زر مُضمّن في حزامه فتغير المشهد من جديد.
انتقلوا إلى غرفة ذات جدران مصقولة لا تعكس إلا القليل من ضوء الخارج، خالية ما عدا كرسي في وسطها.
وضع الروبوت جسدَ الصبيّ على الكرسي بأمرٍ من الرجل الذي لم يكشف عن ملامحه حتى الآن.
بمجرد أن لامس جسدُ الصبي الكرسي، بدأ سائلٌ زئبقيٌّ أبيض، كقطرات الندى، بالتسرّب من الكرسي، ليزحف على جسد الصبي ببرودٍ ويلتف حوله كتوقيعِ فنان يضع اللمسات الأخيرة على لوحته.
السائلُ الذي بدا لينًا وودًا في البداية، سرعان ما تحوّل إلى قيودٍ باردةٍ وصارمة كالحديد، تحبسُ الصبيّ في مكانه.
وهنا، بعد إنجاز المهمة على ما يبدو، نال الرجل ثوابه الأول - رنين سواره.
كان الزبون ينتظر خبر النجاح، فأجابه الرجل وبنبرة تملؤها الثقة: "لقد وقعت الطريدة في الفخ"، متسلّحاً باليقين بأن لا شيء يمكن أن يختلّ في خطته.
ثم أملى العنوان الذي سيكون مسرحاً للقاء الختامي، معلناً أنه ينتظر العمولة المتفق عليها.
ما لم يكن الرجل يعلمه هو أن الصبي كان اختياراً سيئاً للغاية ليكون الفريسة.
********
أشعّت النجوم بنورها الخافت في سماء الليل. وفي أحد المساكن العريقة المكسوة بقناديل من ضياء هادئ، كان القائد نيتيان يجلس مع معلمه فيوس في لقاء نادر الوقوع.
تبادلا الذكريات والأحاديث الودية. لكن فجأة، قُطع الجو الودي بصوت تنبيه متميز يصدر من سوار القائد.
لاحت على شاشة زرقاء رسالة سوداء – إنذار بحدث عاجل:
[إنذار: عملية اختطاف. المتدرب ريفانس تعرض للاختطاف. التقارير الأولية تشير إلى تورط المجرم كيروم.]
"ما الأمر؟" سأل فيوس، متأثرًا بتغير ملامح تلميذه.
بصوت قلق لكن متزن، أوضح القائد: "اثنان من المتدربين كانا معي، تركتهما في الساحة للمرح والتعرف على البيئة. لكن يبدو أن أحدهما واجه مصيرًا غير متوقع، فقد اُختطف.
وكل المؤشرات تشير إلى فاعل واحد: إنه كيروم، المجرم المأجور الذي لطالما زرع الرعب في قلوب الناس، متاجرًا بالأرواح كما يتاجر بالعملة الرخيصة."
سأل الأستاذ بإستغراب واضح: "من ذا الذي يمكن أن يدفع لمثل هذا المجرم ليختطف متدربًا؟ ما الفائدة التي قد يجنيها من ذلك؟"
أيّد القائد قائلًا: "أنت على حق، فلماذا يُقدم على اختطاف متدرب بدلاً من شخصيّة بارزة كجنرال أو سياسي؟ وما المكسب الذي يتوقعه من فعلته هذه؟"
تحدّث فيوس بصوت هادئ: "أنت مخطئ، فكيروم لا يختار ضحاياه بناءً على مراكزهم، بل بناءً على مقدار السخاء الذي يُظهره الزبون."
شرد القائد بفكره، ثم تنهد قائلًا بثقة: "أعتقد أني أعرف من هو الزبون. يبدو أن غريق الأمس قد أبى إلا أن يجذبه إلى قعر اليأس معه. اعتقد إنه أحد المدربين الفاسدين الذين فقدوا مناصبهم بسبب سياسات التطهير التي قمت بها."
علق المعلم بسخرية: "يا إلهي! نيتيان! منذ متى كان لديك موظف بهذا الثراء؟"
حملق القائد في معلمه، المشاعر تتنازع في عينيه: بين العجز والخجل والقلق. ثم قال متوسلاً: "فضلاً، سيدي، أجّل تأنيبك حتى نجد الفتى."
وأردف بهمس خافت، "كما ترى، لا يمكنني التحرك مباشرة..." قاله لنفسه أكثر منه لمعلمه.
بما أن القائد كان مُجرد طيف في الإمبراطورية التي يتواجد بها، بلا سلطة رسمية أو نفوذ يُذكر طبقًا للقوانين الإمبراطورية، كان عليه العمل من وراء الستار، مما يقتضي تدخلًا ذكيًّا.
أدرك الأستاذ العجوز قلقه ورفع رأسه قائلًا، " لن أسمح لهذا أن يطول. هذا المتدرب تحت حمايتي بما أنه قد قُبِل كطالب في الأكاديمية."
مع شعوره بضيق تلميذه وإحساسه بثقل المسؤولية، أمر الأستاذ رجاله المخلصين بالتحرك في الخفاء لمصلحة متدربٍ ذي أصلٍ غير معروف.
كما اتخذ زمام المبادرة في إبلاغ الخلايا الأمنية المتخصصة في مكافحة الجريمة، مستعينًا بشبكته الاتصالية الواسعة.
في غضون دقائق، تحولت الغرفة الهادئة إلى عنبر قيادة طارئة.
ومع تتالي الأوامر والتقارير، اُطلقت سلسلة من ردود الفعل المتوقعة لعملية إنقاذ محكمة.
وبذلك، بدأت الساعات تتابع دقاتها المتسارعة، في سباق مع الزمن، لرسم خطة إنقاذٍ ذكيةٍ وسريعة، تحفظ السيادة ولا تثير فوضى دبلوماسية.
كانت المهمة تتطلب تحرياً بالغاً في الدقة وثباتاً في النفس، للبقاء خطوة واحدة أمام ذاك الشبح الماكر، الذي لا تُنقَذ ضحيته إلا بأعجوبة.
******
في وسط الظلام، كان ممكنًا سماع حوار بين صبيّ مكبّل ومختطفه.
"من أنت؟" ... "أين أنا؟" ... "ماذا تريد مني؟" كانت الأسئلة تترد من الصبي، مظهرًا حيرة وارتباكًا.
رد الخاطف بلامبالاة، "ليست المسألة ما أرغب به، وإنما ما يُطلب مني. أنا مجرد وسيط مأجور لتنفيذ رغبات الذين استأجروني."
وفي تلك اللحظة، تنحى الخاطف جانباً، ليفسح المجال أمام رجل ذي شعر بلاتيني طويل يقف خلفه حارسان كأعمدة صلبة.
تحدث الرجل ذو الشعر البلاتيني قائلًا، "المتدرب ريفانس، ألست على حق."
وجه ريفانس إليه نظرة حائرة واستفسر، "من تكون؟"
تجلى على ملامح الرجل حزن مصطنع: "مؤلم حقًا، فعلى الرغم من لقائنا الذي لم يمض عليه سوى ثلاثة أيام، يبدو أن ذاكرتك لم تمنحني شرف الخلود فيها. أنا زوروف، المشرف العام على ثكنات لفونل."
سأل ريفانس بصوت محايد: "إذًا، سيدي المشرف، ما السبب الذي يجعلكم تلجأون إلى اختطافي؟"
رد زوروف، وظلال الحقد تلوح في استجابته: "أخطاؤك الجمّة هي السبب؛ أنت السبب في خسارة وظيفتي والطعن في سمعتي مما جعل اسمي يُسجل ضمن المطلوبين. أليس هذا سببًا كافيًا؟"
ريفانس، الذي بقي هادئًا بطريقة ما رغم الوضع الذي هو فيه، سأل: "ما هو قرارك إذًا؟ ماذا تنوي أن تفعل بي؟"
"مثير للإعجاب حقًا،" قال زوروف بنبرة ماكرة. "أُختطف ويظل هادئًا. يجب أن يكون ارتعاشك في ذاك اليوم محض مسرحية. لكن اطمئن، لن يكون هناك المزيد من العروض. لقد قررت أن أبيعك لمركز تجارب، حيث يمكنك أن تكون أكثر فائدة."
ثم أكمل بنبرة شخص مستمتع: "سأبيعك إلى أسوأ مركز للتجارب، هناك ستصبح أحد النماذج البشرية. ومع هذا الثبات العقلي، ربما تكون محظوظًا وتنجو بحياتك لتصبح وحشًا بدلًا من ذلك."
ابتسم ريفانس بتهكم وقال بهدوء: "ومع ذلك، لا أعتقد أنني سأساوي الكثير."
هز زوروف رأسه باستنكار ورد: "أنت تساوي بالفعل أكثر مما يكفي لتعويضي عن الخسارة التي سببتها لي."
ثم التفت إلى المختطف الذي كان يشعر بأن فريسته هذه المرة مثيرة للاهتمام بشكل خاص.
"ها هو المبلغ المتفق عليه..."
فجأة، وقف الصبي - الذي كان من المفترض أن يكون مكبلاً بالقيود - كظل خفي يتحرك متواريًا عن الأعين، يظهر في الأماكن التي لا يتوقعها أحد.
كان يطفو خلف خاطفه، مستعدًا لتوجيه ضربته.
لم يلحظ المختطف شيئًا حتى اهتز عالمه بركلة عنيفة استقرت في رقبته.
القوة التي حملتها كانت كافية لجعله يترنح في دوامة مُربكة.
وبينما كان يحاول جمع شتات عقله المتهالك، انهالت عليه الركلة الثانية، مستهدفةً ساقه بحركة سريعة وحاسمة، فحوّلته إلى كُتلة من الألم المُتجسد عندما تهشّمت عظامُ ساقه، فارتفعت صرخاته المروعة مخترقة سكون الليل بعنف.
وقبل أن يتمكن الحراس من تمييز آثار أقدام الصبي على الأرض، اختفى وجوده ثم ظهر فجأة بجوار أحد الحراس الغافلين، موجهًا إليه ركلة قاضية بجانب الرأس، مما أفقده الوعي فورًا.
اختفى الصبي مرة أخرى ليظهر سريعًا معاقبًا الحارس الثاني بركلة مدوية أسفل ذقنه، وكأنه كان ينسل من بين ثنايا الزمن.
في تلك اللحظة، الخاطف الذي اعتقد أنه قد استشرف الخطوة التالية للصبي، أطلق النار مع أمل فانٍ بأن تصيب طيف الصبي الذي لا يُمسك.
لكن الرصاصة أخطأت مسارها لتستقر في صدر الحارس، وترديه قتيلاً.
تلا ذلك صوت ارتطام عميق خلف الرجل، مما جعله يستدير متسائلًا وهو يشهد بأم عينيه مشهدًا ختاميًا لمسرحية لا تخلو من الحيرة والدهشة؛ كان روبوته مُلقى بلا رأس، وفي يد الصبي مسدس، يرمز للزوال السريع.
باندهاش يكاد يشلّ حركته، وجد المدرب نفسه ضمن دوامة من الأحداث المتسارعة. وفي لحظةٍ بدت كأنها الأخيرة، انتابته غريزة البقاء؛ فضغط بعجالة على زر حزام نقل الخاص به، في محاولة يائسة لتفادي ما يبدو أنه انقضاض محتوم.
ولكن، لخيبة أمله، خذلته التقنية الموعودة بالنجاة؛ فالحزام ظل خاملاً، دون أي بادرة حياة.
وقبل أن يدرك المدرب ثغرات الخلل في خطته، باغته الصبي بركلة محكمة استقرت في وجهه مباشرة.
الخاطف الذي كان يراقب المشهد من بعيد لاحظ التغير الغريب الذي طرأ على بشرة الصبي.
شعر بقشعريرة الصدمة تسري في قلبه، وتسللت من بين شفتيه همسات مذهولة: "إنه هولغاي!" انطلقت الكلمات بنبرة تحمل الذهول كشخص لم يستطيع تصديق وجودهم في عالم الواقع.
وعلى الرغم من الثروة الطائلة التي كان يُمكن أن يكتسبه منه، إلا أن الإصابة التي ألمت بساقه، تاركةً إياها مكسورةً، لم تترك له خيارًا سوى الفرار.
فحاول بعناد أن يتبع خطى المدرب، محاولًا تنفيذ فراره عبر حزام ناقل مشابه، لكن ما انتهى إليه الأمر هو الخيبة، ولا شيء سوى الخيبة. و أثناء محاولته فهم الموقف، شعر ببرودة الفولاذ وهي تنغرز في عنقه.
كانت الصدمة تتيح مجالها حين انتشر الدخان الكثيف معلنًا تغييراً مصيريًا في مسرح الأحداث. بات كل شيء مغلفًا بستار من الضباب الذي يعصف بالمكان، ومعه تكشفت الحقيقة المدوية: لم يكن الصبي وحيدًا منذ البداية؛ كان لديه رفقة.
"يبدو أنني كنتُ الفريسة... وليس الصياد." جملة اجتاحت ذهن الخاطف بقوة عاصفة، مُختتمةً مأسآة سقط فيها الصياد فريسة لعبته الخاصة.