فجاة اخترق جدار الغرفة رجل هائل القوام، كان قد صنع ثغرة تتناسب تمامًا مع بنيته الضخمة ليتمكن من العبور.
على كتف هذا العملاق سكن جلوسًا فتى، يرتدي ملابس زهيدة الألوان تميل إلى السواد الفاحم، ويعتمر رداءً يدثر به رأسه، ورقد على وجهه قناع، يعمل كمنقّي فعال يزيل كل شوائب الهواء.
لم يكن زائرًا عابرًا، بل هو ساركين وحارسه الآلي كان قد تلقى رسالةُ استدعاء مُلحة وحاسمة قبل بضع ساعات من ريفانس، تحمل في خضم تفاصيلها توقيتاً محدداً يلزم الاستجابة العاجلة. وذلك من خلال إشارة مبرمجة سلفاً تُفَعَّل بلمسة خفية للسوار.
تلقيه لذلك الاستدعاء يكسر أي قيد قد يكبله، مما يمنحه الحق الفوري للوصول إلى المعلومات المحفوظة داخل سواره للكشف عن الموقع المطلوب والتفاصيل الملحة المتعلقة بالحالة الطارئة.
عندما اكتشف أن ريفانس قد تم اختطافه، لم يستطع منع نفسه من الشعور بالشفقة تجاه الخاطفين، مدركًا أنهم سائرون على نهج مؤسف يشبه طريقه السابق.
بعد هبوطه على الأرض، سأل ساركين: "هل وصلت متأخرًا؟"
"بثانيتين فقط." رد ريفانس بهدوء وتأكيد.
اعتذر ساركين بنبرة جادة: "أعذرني، لقد كان تسللي إلى العاصمة محفوفًا بالمخاطر. ولولا وجود هذا الملجأ في أطراف المدينة، لكنت اعتقدت أن الوصول في الموعد المحد أمر مستحيل. علاوة على ذلك، واجهت حاجزًا أمنيًا محكمًا خارج المبنى."
ما إن وصل ساركين إلى المكان حتى بادر فورًا بفحصه بدقة متناهية.
وعندما اكتشف حاجزًا غير مرئي يمتد بسطوته عبر المساحة المحيطة بالمبنى، شرع دون تأخير في مهمة فك تشفيره.
وبمجرد أن أزال القيود التي فُرضت عليه، أصدر أمرًا لحارسه بتشيد حاجز جديد لتحصين المكان.
وبعد لحظات قليلة قام بتفجير قنبلة مخدرة، مما أحاط الموقع بالكامل بسحابة كثيفة من الدخان المخدر، مما أعاد تشكيل المشهد برمَّته.
يُستخدم هذا الحاجز لإحداث تشويش على عمليات النقل الآنية، مما يؤدي إلى احتجاز جميع الأشخاص في الموقع المُحاصر. ونظرًا لعدم تأثر ريفانس بمعظم المواد المُخدرة، فقد أصبح الآخرون هم الأكثر عُرضة لآثار القنبلة.
ريفانس استفسر بهدوء: "ما هو العد الإجمالي للمهام المطلوبة؟"
أجاب ساركين بهدوء مُبينًا الأرقام: "عشرون طلبًا، أما بالنسبة للأفخاخ، فقد نجحنا في صيد خمسة آلاف حيوان وتسعة آلاف نبتة. لقد قمت بتسليم جميع التفاصيل إلى سوارك."
تمتم ريفانس بصوت منخفض: "أعتقد أن بمقدوري تخصيص أسبوع كامل لتجاوز الأمر، وذلك بفضلهم."
غلق ساركين بنبرة جادة: "أعتذر عن المقاطعة، ولكن هناك أمر يتوجب عليك معرفته."
"وما هو؟"
دون كلام لمس ساركين السوار في معصمه، فأدى ذلك إلى ظهور عدة شاشات عرضت وجه ريفانس مع عنوان "مفقود"، وكشفت الشاشات أن الخاطف والروبوت المصاحب له مطلوبان أيضًا. كما تضاعفت المكافآت المقررة لمن يأتي بهم.
وقف ريفانس مذهولًا من هذا التطور غير المتوقع، إذ كيف يمكن أن تثير فرق الأمن كل هذه الضجة بسبب متدرب يتيم لا يعرف أصله؟ كان يعتقد أنه بإمكانه استغلال حادثة الاختطاف هذه لتنفيذ بعض المهمات المؤجلة، وزيارة الطبيب أو ما شابه، ثم العودة قبل أن يُسجل في السجلات كمتوفى، وهو أمر يستغرق عادةً أسبوعًا واحدًا للأشخاص الذين في نفس وضعه.
بتوجس، سأل ريفانس: "من الشخص الذي يقود عملية البحث هذه؟"
أجاب ساركين بنبرة غير متأكدة: "لم أحصل على تلك المعلومات بعد. هل ترغب في أن أتحرى عنها؟"
ثم تحدث ريفانس بتعبير منزعج: "لا، كل ما أريد معرفته هو المدة الزمنية المتاحة لي وسط هذه الضجة العارمة."
أجاب ساركين بهدوء: "اثنتان وسبعون ساعة كحد أقصى."
تمعن ريفانس في الشاشة التي تنبثق من سواره قائلًا: "إذًا نتحدث عن ثلاثة أيام بالإجمال، أظن أن هذا كافٍ لإنجاز المهام."
اعقّب ساركين، متسائلًا وباهتمام: "أتساءل، لماذا تصر باستمرار على رفض فكرة استخدام المرتزقة؟ من الواضح أن وضعك يزداد سوءًا يومًا بعد يوم."
رد ريفانس، وهو لا يزال مشغولًا بالنظر إلى الشاشة، قائلًا: "لأسباب عديدة؛ أولًا، الكلفة المرتفعة لمهمة لا تتطلب جهدًا كبيرًا من طرفي؛ ثانيًا، المرتزقة يحتاجون إلى وقت طويل لإنجاز المهمة؛ ثالثًا، استخدامهم ينطوي على خسارة العديد من الأرواح؛رابعًا، أرى في عملي هذا فرصة للتدريب والتحسين المستمر. وكلما كان التحدي أكبر، كان ذلك أفضل بالنسبة لي. هل تود سماع المزيد أم أن الفكرة قد وصلت؟"
كان هناك سبب آخر لم يستطع ريفانس البوح به، وهو أن إبادته للوحوش الأقوى تساهم في تحسين حالته الصحية. بالرغم من بشاعة هذا الواقع، وشعوره بالنفور من هذا الجانب من ذاته، إلا أنه يبرر ذلك بكونه خيرًا من إلحاق الأذى بالبشر.
رد ساركين بهدوء: "لا. لقد فهمت،"
على الرغم من الخوف الذي يملأ قلب ساركين من ريفانس - خاصةً عندما تظهر طبيعته الهُوليغانية بكامل قوتها - إلا أن القلق يغمره عليه أيضًا؛ فهو يخشى أن يراه يلاقي حتفه وحيدًا وبطريقة بائسة، كونه لم يختر نسله بنفسه كي يُعاقَب بسببه.
"إذًا، أتمنى ألا أسمع هذا السؤال مرة أخرى في حياتي"، قال ريفانس بنبرة جليدية.
ساركين، في محاولة لتغيير الموضوع، تحدث قائلاً: "حسنًا، ماذا عن أن أرافقك هذه المرة؟ أستطيع أن..."
لكن ريفانس قاطعه بحزم، قائلاً: "لا، هذا مستحيل."
أبدى ساركين خيبة أمله وتساءل: "إذًا، لعل تيتروس يمكنه...؟"
أجاب ريفانس بالا مبالاة: "إنسى الأمر."
استفسر ساركين بحيرة: "ولكن لماذا الرفض؟"
بصوت هادئ وثابت، أجاب ريفانس: "إذا أصطحبتك معي، كيف سأضمن سلامة الأسرى؟"
"ولما لا توكل أمرهم إلى فيورنيتا أو ألدريكس؟" اقترح ساركين.
"لأن كلاهما لا يستحق الثقة." أعرب ريفانس عن عدم قناعته بوضوح.
كاد ساركين يشعر بالرضا من المديح الغير المتوقع، لولا كلمات الريفانس التالية: "قد يقدمان على قتل الأسرى، وأنت بحد ذاتك عبء ثقيل، ولا يمكنني أن أحرمك من وسائل الحماية التي تملكها."
كانت هذه الكلمات كفيلة لاحتواء مشاعر ساركين وإقبارها قبل أن تتفتح.
عبر ساركين عن استيائه، قائلاً: "ألا تعلم أن هذا التفسير كان سخيفًا وغير ضروري؟"
بلا اكتراث لعبوس ساركين، واصل ريفانس حديثه: "على أي حال، أهدي ذلك الرجل ذو الشعر الطويل إلى أورال. أخبره أنه هدية شخصية مني، وله الحرية التامة في استخدامه كيفما يشاء."
لدى سماع هذه العبارة، شعر ساركين بالرعب يتسرب إلى روحه. إذ فهم بوضوح أن القدر قد حتم على ذلك الرجل، أن يتحول جسده إلى موضوع للتجارب السريرية المظلمة لأورال.
واصل ريفانس بصوتٍ لا يرمش له جفن: "أما بالنسبة للآخرين، فامسح ذاكراتهم بدقة، وأود أن تلتزم الحذر وألا تفارقهم عيناك. كذلك إقبل طلب القبض على ذلك المختطف. وفضلًا... لا أريد مفاجآت."
فهم ساركين جيدًا أن عبارة "لا أريد مفاجآت" كانت تحمل في طياتها تهديدًا واضحًا وشديدًا.
"لكن ما العمل إن لم أستطع محو ذكرياتهم؟"، استفسر ساركين بتردد.
رد ريفانس بنبرة تحمل ظلًا من السخرية: "أتساءل، هل يحتاج ذلك إلى سؤال؟"
كانت تلك الكلمات، في حقيقتها، أمراً صريحاً بالتخلص منهم.
"أعددتُ في الحوامة كل ما قد تحتاجه للمهمة"، أوضح ساركين بهدوء.
"ممتاز." أجاب ريفانس برضا.
بينما كان ساركين يكمل ربط الخاطف، انتفض الأخير الذي بدا كأنه استعاد وعيه فجأة، محاولًا شن هجوم مباغت.
إلا أن العملاق الذي كان قبل لحظات يقف خلفه، ظهر الآن أمامه، مُحيلًا ذراعي الرجل إلى ما يشبه اللحم المفروم في قبضة قوية، مما أدى إلى فقدان الخاطف الوعي من شدة الألم.
وعلى الجانب الآخر، ساركين الذي تعرض للهجوم المفاجئ لم يظهر على محياه أية علامات الدهشة.
بكل هدوء، تراجع بضع خطوات إلى الوراء وأشار إلى العملاق بأن يتولى نقل الرجال.
وما إن أصدر أمره، حتى بَرزت من جسد العملاق ذراعٌ ثالثة قويَّة، سحبت رِجال ثلاثة صوب واحدةٍ من الحوامات العائمة فوق المبنى.
أما ريفانس، فقد انطلق قبل فترةٍ بحوامة، مُتسلِّلاً بهدوء خارج دائرة الأضواء الكاشفة للعاصمة.
ولم تمر دقائق حتى بدأت معالم المدينة تتلاشى في المرايا الخلفية للحوامة، لتظهر كعنقود من الألماس المزروع على سطح الأرض.
بعد ساعة من التحليق الثابت، تحولت المناظر الحضرية المتلألئة بأضواء النيون إلى صفحات متموجة ذات لون أخضر داكن.
تلك هي غابات كاتمونس، حيث يهيمن الشجر الطوفاني؛ كأعمدة ضخمة تدعم سقف السماء بأوراقها وأغصانها المتشابكة في نسيج حيوي معقد، ينتزع الضوء من عيون أي زائر.
الطحالب المتدلية كالستائر والفطريات العملاقة تضفي على المكان رونقًا من الغموض والسرمدية، كأن الزمن توقف هنا، منتظرًا خطوة الشجاع المتهور الذي يجرؤ على اقتحام سكونها.
هنا، قرر ريفانس أن يوقف المحرك ويطفئ الأضواء، مختارًا بعناية نقطة هبوط تتيح لحوامته الطفو فوقها.
نظرًا لكونها مركبة غير مسجلة، رأى أن من الحكمة تفعيل نظام القيادة الذاتية؛ لتجنب مخاطر التصادم المحتملة وثقةً بأن النظام سيُدير الأمور بكفاءة خلال هذه اللحظات الحرجة.
ثم توجه إلى المقصورة الخلفية للحوامة، حيث بدّل ملابسه إلى زي أسود يخفيه في كنف الظلام.
خلع سواره الفضي واكتفى بملابس خالية من أي معدن، تحسبًا للحيوانات البرية التي تستشعر المعادن وتُجتذب إليها.
هذه الحيوانات ذوات النهم المعدني هي أحد الأسباب التي جعلت هذه الغابة من الأغوار الأشد خطورةً.
أما السب الآخر، فهو أن الغابة تعج بنوع من التشويش الكهرومغناطيسي الذي يعرقل عمل معظم الأجهزة وربما يخرجها عن السيطرة.
ثم التفت نحو الروبوت القابع في زاوية الحوامة، وأمره: "استدعِ الحاملة وانتظر في الأسفل لنقل المواد". لم تجف كلماته في الهواء بعد، حتى نُفِّذ الأمر؛ فالروبوت، في جزء من الثانية، انتقل وتموضع على الأرض، مستعدًا لتلبية التكليف.
وبعد مرور دقيقتين فقط، بدأ الفضاء يضطرب تحت وطأة ظل حاملة ضخمة تخترق السحب متوجهةً نحوهم.
بدت كحوت عملاق من حيث اتساعها وكتلتها المهيبة؛ إذ يتميز جسمها بالشكل الأسطواني الممتد، ويتخلله هيكل معدني معقد.
الأضواء البرّاقة تتراص على جوانبها، كنجوم هادئة، بينما تُنذر أجنحتها الواسعة المُتلافة على جانبيها بقوة وسيطرة.
ترنّحت أنظمة الدفع القوية أسفلها بصوتها الرتيب المُنخفض، فيما عكس جلدها المعدني الخالي من العيوب الضوء، صابغةً السماء بوميض فضي خاطف للأنظار.
اشتهرت هذه المركبة بسجلّها الحافل بالحوادث الدراماتيكية، مما جعل استخدامها مقصورًا على نقل البضائع دون الركاب.
وكثيرًا ما وُجِدَت هذه الحاملة وقد فَقَدتْ هيبتها عند الوصول. حيث تتحول إلى مزيج متجانس مع حمولتها التي كانت تنقلها كأنها لوحة فنية فوضوية؛ حيثُ خُلِطت فيها ألوان متعددة من غرائب الأشياء التي تشكل محتوى شحنتها، تُلقى على أرض المطار ككتلة مُتلاصقة من العجائن المختلفة.
قام ريفانس بتحضير جميع مستلزماته ووضعها بعناية داخل حقيبته الجلدية، قبل أن ينتقل إلى أقرب شجرة. وما إن وضع قدمه على الأغصان، حتى وجد نفسه أمام موقف مريب؛ حيث واجه ثعباناً ضخماً غير مرئي، شفاف متخفي.
لحسن الحظ، صدر عن هجوم الثعبان هسهسة خفيفة، مما كان بمثابة إنذار مبكر منح ريفانس الفرصة ليتفادى الوقوع فريسة سهلة لهذا الكائن الضخم، القادر على ابتلاعه بلقمة واحدة.
وبهذا انتقل ريفانس إلى غصن فوق الثعبان مباشرةً، وما إن استقر، حتى أخرج من جيبه مُكعّبًا صغيرًا أسودَ اللون.
هذا المكعب كان جهازَ حَبسٍ لحظيٍ، يُستَخدم لتطويق واحتِجاز الكائنات داخل حاجزٍ منيعٍ يُنتِجُه.
وبمجرد أن لامس المُكعّب جلدَ الثعبان، اُحتُجِزَ الكائنُ الضخمُ في هالةٍ من الضوء، وباتَ محبوسًا تمامًا.
النجاة من الثعبان كانت انتصارًا، ولكن الغابة كانت لا تزالُ تنضحُ بمفاجآتِها الكثيرةِ.
في نفس اللحظة التي اعتقد ريفانس أنه بأمانٍ، لمس بإهمالٍ خيط عنكبوت دقيق، وُضع في مساره كمصيدة مميتة.
كان الخيط أقوى من الفولاذ وأكثر حدةً من أي سيف، وبمجرد لمسه للخيط تسبب في جرح عميق بِذراعه، مخترقًا الجلد حتى العظم. الاحتكاك الشديد كان كافيًا لقطع الذراع كلها، لكن ريفانس تمكن من سحب ذراعه في اللحظة الأخيرة.
في تلك اللحظة، قر العودة إلى الحوامة. وبمجرد أن تلاشت هيئته من الأنظار، شهدت الشجرة حدثًا فريدًا: فإذا بها تتوارى تحت حجاب دامس متلألئ، مُشكلاً من جموع فراشات ضخمة ذات بقع بيضاء متلألئة تُومض كنجوم السماء.
كل فراشة كانت بحجم كف الإنسان البالغ. وهناك، كانت تدور رقصة معتمة؛ صراع عنيف يحتدم حول بقع الدم التي انتثرت من جرحه، وكأنهن محاربات يتنافسن في حلبة قتال.
وفي ثوانٍ معدودة، اختفت الشجرة كسراب بعد الظهيرة، وجفّ ما حولها واندثر، حتى تحوّل المكان برمته إلى منطقة قاحلة ومقفرة، يخيّل إلى المرء أنها كانت صحراء منذ الأزل.
لم يفقد المكان بهاءه نتيجة لجشع الفراشات في الأكل، بل كان ذلك نتيجة لاستراتيجية دفاعية خاصة تتبعها هذه الكائنات لتأمين فرائسها.
إذ ينثرون بودرة بيضاء شبيهة بالطلع، خفيفة وناعمة، تتساقط مع كل رفة جناح، لتحيل كل ما تمسه إلى عدم.
لقد كانت هذه الظاهرة واحدة من لوازم البقاء في هذه الغابة المليئة بالمخاطر.