بعدما رجع ريفانس إلى مأواه، استعمل إبرة من [ليف] التي شرعت في مفعولها على الفور، مما ساهم في شفاء يده المقطوعة تقريبًا وإعادتها إلى وضعها الأصلي تدريجياً.
مع ذلك، لم ترتسم أي علامات من الألم على محياه التي يُفترض أن تظهر كتأثير جانبي لتلك الإبرة الطبية.
ريفانس همس قائلًا، "يبدو أن حالتي تتأزم أكثر فأكثر."
الأخطاء التي ارتكبها تواً لم تكن من عاداته، لكن غُلب بوطأة ألم حاد وثقل غير معهود.
يُضاف إلى ذلك شعوره بالاغتراب بين عقله وجسده، حيث بدأ يشعر كأنه يواجه واقعًا بعيدًا عن ذاته، وكأن هناك هوة تتسع بين جسده وروحه.
بدأ يستشعر، بشكل متزايد، دعوات خفية تلوح في أعماقه تغريه بارتكاب أفعال مروعة ودموية.
هذه النزاعات ألقته في معترك صراع نفسي متواصل.
بعد اكتمال العلاج، غيّر ثيابه وتأكد من زوال أي أثر لرائحة الدماء.
ثم طلب بعض الأدوات الضرورية من خلال سواره، وتوجه إلى المكان الذي كان فيه قبل دقائق.
تلك الواحة الخضراء التي تحولت الآن إلى سهل قاحل، لا يظهر فيه أي أثر للحياة النباتية.
أمامه، وقف حاجزٌ زجاجيٌّ شفاف يحتجز وراءه مجموعة ضخمة من الفراشات، والذي بدا كأنه على وشك التهاوي.
اقترب من الحاجز الهش، وأخذ يوزع حوله كراتٍ بنفسجيةَ صغيرة، ثم شرع في تشيد حاجزٍ بديلٍ بسرعة.
لم تمضِ سوى لحظات حتى انهار الحاجز القديم، وتزامن ذلك مع انفجار الكريات البنفسجية، التي انبثق منها عمود دخان ضخم.
ذلك الدخان كان كفيلاً بإسقاط الفراشات على الأرض، فاقدة بريقها ولمعانها الذي كان يدلّ على ازدهار حياتها؛ ما أعلن بصمتٍ عن نهاية وجودها.
إذ لم يكن ذلك الدخان إلا سمًّا قاتلاً، صُنع خصيصًا للقضاء عليها.
من ضمن متعلقاته، استخرج زجاجة تحتوي على جل سميك ذو لون برتقالي غني، ثم أفرغ بعناية فائقة قدرًا منه على كفيه، مما جعل السائل يطوّقهما كما تفعل القفازات المطاطية.
بعد هذا، توجه نحو السقف الذي كان يحجب الفراشات خلفه، وفور أن أمسك به، التحمت يداه بالسطح كما لو كانتا منه.
أتاحت له هذه السمة الفريدة لهذه المادة القدرة على الانتقال به خارج حدود الغابة، حيث كان الروبوت بانتظاره ليتولى مهمة نقله إلى الحاملة.
بعد أن تم تحميل الثعبان أيضًا، كان بيده خريطة تألقت ببريق خافت، صُنعت من خشب شجرة لامعة، وهو نوع يعد نادرًا جدًا.
لدرجة أن القوانين تحرّم استخدامه في صنع أي شيء، فيما عدا الخرائط المعدة خصيصًا للصيادين.
كانت الخارطة تشير إلى نقطة محددة تبعد بالضبط مئتي متر.
عندما انتقل بسرعة إلى الموقع المطلوب، وقعت عيناه على أربعة سحالي ضخمة تتلألأ قشورها كجواهر خضراء، محتجزة خلف حاجز.
انتقل فوق الحاجز ونقلهم مباشرةً إلى خارج الغابة.
بحلول ظهيرة اليوم التالي، كان قد نقل آلاف الحواجز إلى خارج الغابة.
وكان منهاراً على الأرض، مستسلمًا لنوبة سعال دموية.
وبينما كان يصارع السعال المتقطع، ظهرت أمامه بشكلٍ مفاجئ أربع شخصيات أخفت ملامحهم بالكامل، وكأنهم أشباح نبعت من الظلال.
"توتو مسكين، يبدو متألمًا بشدة"، قال فين، الرجل الضخم مفتول العضلات، وهو يضع بندقية بلازما متطورة على كتفه.
"إنه أمر مؤسف بالفعل؛ كنت آمل أن أتمكن من بيعه"، أضاف إيليك، قائد المجموعة، وهو شاب ذو قامة وبنية متوسطة، وضع يده بحزم على مسدس الليزر المثبت على وسطه.
"في الواقع، هذا لا يهم كثيرًا. الروبوت والحوامة وحدهما يساويان ثروة، ناهيك عن الحاملة وكل تلك البضائع الثمينة"، علقت مارا، أخته واليد اليمنى له، وهي تتنقل بأناملها على لوحة التحكم الإلكترونية.
"ما الذي تهذين به؟ أنا أعتزم بيعه أيضًا؛ فحتى وإن فارق الحياة، ستجلب أعضاؤه ثروةً،" صاح كول، وهو رجلٌ طويلٌ ببُنيةٍ متوسطة، يمسكُ بقاذفةِ قنابل يدوية بثقة.
كانوا مجموعة من قُطّاع طُرُقٍ الذين يستغلُّون الفرص لسلب ما يمكنهم من ضحاياهم.
رفع ريفانس رأسه بابتسامةٍ لامعةٍ تُنير ملامحه، وأطلق من بين شِفتَيْه كلماتٍ مُلؤُها السُخرية: "أه، ما هذا البؤس! أَلَم تجدوا أحدًا غيري تبغون مُهاجمته، أم أن الوقت لم يُسعفكم للبحث عن ضحيةٍ أُخرى؟" صوتُه، المُتَهدّج بنبرةِ السُعال، لم يخفِ طيفَ الاستهزاء الراسخ في حنجرتِه.
عند سماعهم لهذا، بدت علامات الدهشة المصطنعة على وجوههم، وذلك قبل أن ينفجروا بضحكات عالية.
لكن، سرعان ما تبخرت قَهقَهاتهم في الهواء حين صدرت أوامره إلى الروبوته.
"أطلِق الحاجِز!".
دون تردد، امتثل الروبوت للأمر، فنشر حاجِزًا يحجب المكان الذي كانوا يقفُون فيه.
الحاجز انساب حولهم كما لو أنه جُزء من المكان وانحنى ليلتف حولهم.
الرجال الذين شهدوا الأمر، تجمّد الضحك بأعماقهم وتحوّلت ابتساماتهم إلى قطع من الحذر المتجلد.
بسرعة البرق، سحب إيليك مسدسه الليزري من حزامه بحركة خاطفة لدرجة أن مجرد رؤية يده كانت أشبه بالمستحيل.
وفي أقل من ثانية، أطلق ثلاث رصاصات ليزرية انطلقت مخترقة المسافات بسرعة تفوق الألف قدم في الثانية، فبدا الأمر كما لو أن الضوء قد خُلق من العدم أمام عينيه.
ولكن، لسوء الحظ، كان الهدف قد تحرك بالفعل، تاركًا الرصاص يشق ثلاث ثقوب متوازية في جذع شجرة قريبة.
عندما لاحظ إيليك أن ريفانس قد تنقل بخفة متجنبًا الهجوم ناحية اليمين، لم يبد عليه الإحباط.
فقد كان قد تنبأ بدهاء بمكان الهجوم المحتمل.
ولم تكن تفصل بينه وبين ثلاث طلقات أخرى سوى أجزاء من الثانية.
لكن ريفانس اختفى من مرمى الهجوم ليظهر دون مقدمات أمام إيليك، الذي أصيب بدهشة شديدة للحضور الفجائي لريفانس.
وقبل أن يستوعب إيليك الموقف، استقبل ضربة عنيفة ومحكمة أصابت جانب رأسه بقوة بالغة، الأمر الذي أدى إلى انفصال رأسه عن جسده.
ومع طيران الرأس، انتشر الدم وبقايا الأشلاء في كل الاتجاهات.
امسك ريفانس الجثة المتداعية واستدار بها نحو اليسار، ثم وضعها أمامه؛ حيث اخترقت الجثة طلقتان متاليتان من البلازما.
اختفى ريفانس مرة أخرى، وقبل أن تلامس الجثة الساقطة الأرض، كان فوق بندقية فين، الخصم الذي أطلق النار.
وقبل أن يتمكن فين من الاستجابة، التفت حول عنقه يدان باردتان جامدتان، وفي حركة دوارة سريعة، تم التلاعب باتجاه رأسه.
انطلق صوت كركرة مخيفة يترد صداها في الفضاء.
كول، وهو في ذروة يأسه، أقدم على إطلاق قنبلة "ريخار" المدمرة من مشغلته اللامعة، ساعيًا لمحو كل ما كان داخل الحاجز.
لم يكن اختيار الموت وحيدًا يروق له؛ وفضّل أن يجر معه عدوه إلى جنبات الفناء.
ولو أنه توقف للحظة ليحكم عقله، لاستطاع أن يدرك الثغرة في معركتهم ضد الصبي الذي يقاتلونه.
إذ كيف يُعقل أن الحاجز، الذي يُفترض أنه يُبطل عمل أجهزة النقل الشخصية، لم يمنعه من التنقل بحرية؟
مارا، التي تنبهت لهذا الأمر، انطلق صراخها المحمّل بالخوف: 'لا… لا تفعل!' إلا أنَّ التحذير جاء متأخرًا؛ فقد أحكم القدر إغلاق نوافذ النجاة.
وسرعان ما أمست ألسنة اللهب المنبعثة من قنبلتهم الغادرة تلفحهم، مخلّفة وراءها ظلالاً متلاشية من عالم كان للتو بين أيديهم.
وفي آخر لحظاتها، انشغل ذهنها بالتساؤل: 'لماذا؟ لم يختر قنبلة تسبب ألمًا أقل؟'
ريفانس، الذي انتقل إلى الخارج، نظر نحو الحاجز الذي بدا كأنه يحبس بين جنباته لهيب الحمم البركانية، والذي بدأ كشيء جميل عند النظر إليه من مسافة بعيدة.
شعر بالاشمئزاز من نفسه؛ لأن جانبًا منه كان يستمتع بصرخاتهم المفجعة، ومع ذلك، كان ذلك رغمًا عنه، شعورًا يتملكه ولا يستطيع السيطرة عليه.
بعدما خمدت النار، انتقل ريفانس إلى الحوامة. وأثناء سيره نحو الحمّام، لاح له انعكاس صورته الملطخة بالدماء، وجهًا وجسدًا، الأمر الذي أطلق عنان ذكرياته.
"إنه وحش، اهربوا!" صدحت أصوات الأطفال المذعورين وهم يفرون من منظره المرعب، وهو واقف يمسك برأس مبتور ينتمي إلى جسد رجل ضخم البنية.
"أتوسل إليك، أعفُ عن حياتنا." كانت تلك دعوة يائسة من امرأة في حالة يُرثى لها، تحضن طفلتها الصغيرة بشدة، ترتعدُ خوفًا وهما مُحاطتان بأشلاء القتلى التي تُبرِزُ فداحة المشهد.
"لا يمكن أن يكون هذا حقيقة، يا إلهي، إنه واحد منهم!" صرخ بذلك مجموعة من الناس يسيطر عليهم الرعب. وبالقرب منهم تقبع جثة ثعبان ضخم، بعرض إنسان بالغ وطول يناهز الأربعة أمتار، والمكان من حولهم يبدو مدمرًا، كأن إعصارًا قد مرّ عبره، مخلفًا الدمار.
جميع هؤلاء الأشخاص المذعورون هم أشخاص سبق وأنقذهم من شدائد عصيبة.
ولكن، ما إن تُكشف حقيقة مظهره المتغير - والتي يصطلح على تسميتها "هولغاي" - حتى يتحول الأعداء إلى حلفاء، يتعاونون من أجل إعدامه.
وبذلك ينقلب الأمتنان إلى نظرات ملؤها العداء والخوف والكراهية صوب من كان يومًا مخلصهم ومنقذهم.
بدأت نوبة السعال تعتصره مجددًا، وسرعان ما غمر الدم ممرات أنفه وفمه، مما ضغط بشدة على صدره الذي تعتصره آلام شديدة.
استخرج حبة دواء، من حقيبة كتفه اليمنى وابتلعها سريعًا.
كانت تلك مسكنات قد حُظر استخدامها قانونيًا بسبب المضاعفات الخطيرة التي تسببها، لكنها كانت الوسيلة الوحيدة المتاحة له للنجاة من هذه الآلام الحادة.
ومع ذلك، شعر بأن فعالية الدواء بدأت تتلاشى مع مرور الوقت.
وحين غمر نفسه بمياه الاستحمام الدافئة، بدأ يلاحظ تحولات دقيقة في الهواء من حوله، حيث
أدرك بحدسه أن هناك من انتقل خفية إلى جواره في الفضاء المجاور.
"قطعاً، يجب أن يكون ساركين هذا" تمتم ريفانس مع نفسه، وراح يتساءل بصمت، "لكن ما الذي يفعله هنا؟ هل من المحتمل أن يكون الخاطف قد إفلات من قبضته؟"
من دون إبطاء، أسرع بإتمام مراسم استحمامه وتتابع خطواته مسرعاً من الحمام، فإذا به يصادف بصدمة من شخصين يقفان في انتظاره بالخارج.
كانت تموجات شعرها بلون الأحمر العميق تتدفق فوق كتفيها بسلاسة تامة، تتهادى برقة وليونة كمياه نهر يسلك مجارٍ متلوية لتستريح أخيراً عند حدود خصرها. كان وجها يشع جمالاً، وعيناها البرونزيتان تتلألأان ببريق يعكس صفاء ساطعاً.
وعلى الرغم من جمالها الأخاذ، فقد اكتنفت ندبات عديدة صفاء بشرتها المكشوفة، كأنها شهادة صامتة على قصة لم تُروَ بعد.
ارتدت فستانًا بلون زمردي يليق بظلال خصلاتها النارية، يحيط قامتها بأناقة متناهية، مغطيًا قسمها العلوي بالكامل، لكن من الأسفل يتفرع إلى ألواح متهادية تشبه بتلات الأزهار، تتراقص مع كل حركة.
تناغم الفستان مع سراويل بلون متجانس تمامًا لضمان خصوصيتها وحريتها في الحركة، بينما اختتمت إطلالتها بحذاء أسود طويل الساق.
وقف إلى جانبها شاب، كانت ملامحه الأساسية تشي بأنهما فرعان من جذر واحد.
وعلى الرغم من التشابه الواضح، إلا أن ملامح الحدة والصرامة، إضافة إلى بنيته الرجولية، تميزانه عن نظيرته الأنثوية، باعتباره نسخة أكثر صرامة وذكورية.