العاصمة راندور.
وسط ضجيج المدينة وصخبها، تمشّى شخصان بين الحشود وصياح الباعة، أحدهما بشعر أسود داكن وعينان زرقاوان وحواجب حادة، ومنجل طويل خلف ظهره، لم يكن سوى ميمون.
والآخر صديقه بشعره بني ووجه طفولي، كان يضع يده خلف رأسه ويتمشى بكل أريحية، وسيف بغمد أسود بجانبه لأيمن.
"ميمون، من تظن أنه سيرث العرش من بين الخمسة أمراء؟ ومن تريد أن يرث العرش؟"
رد ميمون وهو يراقب الأجواء: «لا يهمني من سيرث العرش، أرجو فقط أن يكون ذا منفعة للمملكة.»
سخر شخص لآخر: «يا لك من كاذب! انظر من يتكلم عن منفعة المملكة! أنت حتى مهماتك تنفذها بكسل، لو لم يكن القائد لطُردت من عملك منذ مدة.»
صمت الشاب لفترة، ثم أكمل كلامه ميمون: «أخبرني، هل أنت تفعل هذا لأنك لا تنتمي إلى هذه المملكة؟»
التفت ميمون نحو عربة عصير متنقلة: «كوب من عصير الليمون من فضلك.» بعد أن طلب العصير قال ميمون لرامبر: «أنا أيضًا أقوم بهذه المهمات فقط من أجل القائد، لو لم يكن هو لرحلت منذ زمن.»
بعد قول ميمون هذه الكلمات بدا شارد الذهن.
«طلبك أيها الشاب؟» قال صاحب العربة. وضع ميمون ثلاث قطع سولار معدني ورفع الكوب الخشبي، ثم قال: «هل ستبقى هنا؟»
تفاجأ البائع، ثم قال: «نعم.»
«حسنًا، بعد أن أنتهي سأحضر لك الكوب.»
«لا مشكلة، سيدي الفارس.»
سبب سماح البائع لميمون بأخذ الكوب هو معرفته بأنه من فرسان المملكة.
«هل تفكر يومًا ما برحيل إن استعدت ذاكرتك؟» سأل رامبر.
أجاب ميمون: «ماذا كنت ستفعل أنت؟»
«أنا أسألك أيها الغبي وأنت ترد لي سؤال.»
«أنت لم تفهمني، أنا سألتك: لو كنت مكاني، ماذا كنت ستفعل؟»
حدق رامبر في المنازل التي تستقبل أشعة الشمس البرتقالية، ثم أجاب بهدوء: «كنت سأرحل.»
ابتسم ميمون: «إذًا أنا مثلك، سأرحل.»
بعد اقتراب الشمس من المغيب، أعاد ميمون الكوب للبائع، وفي تلك اللحظة سمعوا رنينًا:
«برن، برن، برن، برن، برن.»
«ماذا هناك؟» أخرج ميمون زهرة صغيرة الحجم، زهرة دوار الشمس، وفتح الخط بعد ضغط على ورقة مختلفة للزهرة، فجأة جاء صوت من الجهاز:
«ميمون، رامبر، أنتم قريبون من الساحة، اذهبا حالًا، هناك من يفتعل مشاكل عند النافورة، كان سيكمل كلامه...»
رد ميمون: «حسنًا»، وقطع الخط.
«وهاااااااا.»
صياح ارتفع في مكان ما من العاصمة: «الوغد ميمون! كنت سأقول ألا يقتل أحد!»
ـــــ
داخل قصر المملكة، في قاعة كبيرة وواسعة، امتدت أرضية رخامية فوقها سجاد أحمر يصل أمام عرشان فوق منصة مرتفعة قليلاً.
كان العرشان متوسط الحجم، مزخرفًا بنقوش ذهبية عتيقة، يجلس عليهما الملك والملكة بثبات. بجوارهما وقفا جنديان يحملان رماحًا أطول منهما.
كان الملك يبدو في أواخر الخمسينات من عمره، بالحية سوداء، يرتدي تاجًا فضيًا متد خط أفقي مزخرف من الجواهر البراقة المحفورة داخله، رداءً أحمر مطرزًا بقلوب ذهبية وزرقاء، وبنطالًا أبيض منكمشًا وحذاءً طويلًا.
أما الملكة فكانت وجهها مغطى بحجاب أبيض باهت، أعلى تاج ذهبي صغير على رأسها.
ينسدل عليها رداء بالأحمر القاني والأزرق الملكي بشكل عمودي، وتطرزت الأطراف بنقوش زهرية وخطوط ذهبية، وأساور وخواتم متعددة في اليدين، وحذاء من الجلد الناعم بلون متناسق مع لباسها.
وراء العرشرين، بين نافذتين بستائر ذهبية، عُلِّقت راية كنيسة اتحاد الأمم كركيزة أساسية داخل الغرفة.
وقف شخص أمام الملك والملكة ويديه خلف ظهره، بدا في الأربعينات من عمره، بنيته الجسدية رهيبة، والحية بنية مثل شعره القصير.
ببدلة سوداء بالكامل، وسترة داخلية بيضاء، وربطة عنق لا تختلف لونها عن البدلة.
«جلالتك،» قال الشخص الواقف، «كل شيء مجهز كما أمرت، وأفراد الجيش متمركزون في كل مكان، هم والفرسان لمحو أي تهديد خارجي قد يضر بأي شكل من الأشكال بهذا المهرجان.»
رد الملك بصوت غير مبالٍ: «أرجو أن يكون كل شيء على ما يرام، فهناك العديد من الشخصيات قادمة، ولا أريد أي مشكلة قد تضر بسيادتنا أمام هؤلاء الناس. أنا أعتمد عليك، فليكس.»
«لا تقلق جلالتك، نحن نعمل ما في وسعنا لإنجاح هذا المهرجان والحفاظ على أمن هذه المدينة.»
«هل وصلت نبيلة دورانا، فليكس؟»
أجاب فليكس: «جلالتك، يبدو أنها لم تصل بعد.»
«حسنًا، إن وصلت فلتهتموا بها بشكل خاص، فهي أهم شخص قد يحضر إلى هذا المهرجان.»
أومأ فليكس برأسه وقال: «جلالتك، إن لم يكن هناك شيء سأذهب»، ثم انحنى بعمق وخرج من الغرفة.
ــــــ
في شوارع العاصمة، التي كانت تغادرها الشمس ببطء، ظهر شعاع خافت في الفوانيس الزيتية المعلقة عند أبواب البيوت والمتاجر.
تنقل يوسافير ويوراي بين الناس والأطفال، التي غزت الابتسامات العريضة وجوههم بسبب الحدث القادم.
«لأن علينا البحث عن مكان لنبيت فيه ونرتاح قليلًا من الصفر، فلا يزال هناك وقت للتحرك»، تحدث يوسافير مخاطبًا يوراي.
رد يوراي: «معك حق، فالغروب قريب.» ثم أكمل: «هذه المدينة تبدو آمنة نوعًا ما.»
رد يوسافير ساخراً: «ألَم ترى راية كنيسة اتحاد الأمم معلقة في كل مكان؟ فلا عجب أن تكون آمنة، فهم يستحوذون عليها. زد على ذلك، فهي صغيرة للغاية في هذه القارة، لن تجد مملكة أصغر منها، هذا ما قرأته وما رأيت في الخريطة.»
تمتم يوراي: «أظن أن مهمتنا لن تكون سهلة أبدًا.»
«لا مشكلة، فصعود الجبل بأشق الأنفس والمرور بالعديد من العترات يجعل النظرة من قمته تستحق، ومختلفة عن نظرة إن كان الطريق ميسّرًا.»
صمت قليلاً ثم أكمل: «لكن لا أظن أن هناك طريقًا سهلاً في هذا العالم.»
«لكن يوسافير، عليك ألا تتهور، فهذه بداية رحلتنا.»
تغير تعبير يوسافير وهو ينظر إلى يوراي بسخرية: «انظر من يتكلم عن تهور.»
ابتسم يوراي لملاحظة ملامح يوسافير، ثم صمت.
وضع يوسافير يده على دقنه وهو يفكر، ثم قال: «كيف سنأخذ ذلك الشيء؟ وهل هو فعلاً في هذه المملكة؟»
سعل يوراي بخفة وقال: «لدينا مشكلتان: الأولى هل يوجد، والثانية كيف سنأخذه.»
همس يوسافير وهو ينظر حوله: «إن وجدناه سنسرقه ونختفي، هذا واضح»، ثم أطلق ضحكة مكتومة.
ضحك يوراي أيضًا بعد رؤية يوسافير يضحك.
وصل الاثنان إلى وسط ساحة كبيرة، في وسط الساحة كانت هناك نافورة، وسطها تمثال لغزال بقرون متشابكة يخرج الماء منها بألوان مختلفة، مشكلاً قوس قزح صغير، وعلى ظهر الغزال طائر أسود يخرج الماء من منقاره.
وقرب النافورة كان هناك تجمع للعديد من الناس يشاهدون مشادة بين الرجلين الذين بدأوا، وأنهم في خلاف وصل من مشادة كلامية إلى عراك بالسيوف.
بعد العديد من المحاولات، حاول الناس التفرقة بينهما، إلى أن رجلين أبيا أن يفترقا.
اقترب يوسافير ويوراي من الحدث، فجأة سمعوا صوت صافرة قادمة من بعيد.
توجهت أنظار الجميع نحو الصوت، وإذا بشخصين بالملابس زرقاء داكنة بأصداف سوداء ينزلان من على الجانبين.
«إنهم فرسان المملكة، لقد أتوا حقًا.»
تحدث شخص آخر: «لقد انتهى الرجلان، ففي المهرجان يحضر القتال، والكل معني بهذا الأمر، أي خطأ قد يكلف شخص حياته.»
ابتلع الرجلان في منتصف العمر ريقهما وهم ينظرون نحو الشابان القادمان نحوهما.
«مالذي تفعلانه هنا؟ ألا تعلمان أن في هذا الوقت من السنة يحضر القتال في المملكة؟» تحدث رامبر.
تكلم أحد الرجلين: «هو من بدأ، لقد اصطدم بي ورفض الاعتذار.»
رد رامبر: «يا له من عذر تافه! إلى هذا أنتم تتعاركون.»
«ستذهبون معنا»، قال رامبر.
«نذهب معك؟ لماذا؟ أنا لن أذهب لأي مكان»، قال أحدهم بكل غطرسة.
ثم تحدث لآخر: «وأنا أيضًا لن أذهب لأي مكان.»
صر رامبر على أسنانه، كاد أن يتحدث، عندما أوقفه ميمون وهو يحدق في الرجلين. ثم قال بصوت تغمره البرودة: «لا داعي لأخذهما، سيبقون هنا، أليس هذا ما تريدانه؟»
«أنا لا يهمني من بدأ فيكما القتال، أو لأشياء تافهة التي تقولونها، أنتم تعرفون جيدًا أنه يحضر القتال، ومع ذلك لم تهتموا بهذا، وضعتم أنفسكم فوق قواعد المملكة. زد على ذلك، رفضتم طلبنا بالذهاب دون إزعاج، وهذا ما أردته.»
تغير تعبير رامبر: «أيها الوغد ميمون، ماذا ستفعل؟»
تقدم ميمون مع وضع يده خلف ظهره رافعًا المنجل الطويل، كان طول المنجل أطول من ميمون نفسه.
أراد رامبر إمساك ميمون، لكن الأخير قد تحرك.
تراجع أحد لإثنين أراد الفرار، لكن ميمون وبسرعة كان خلفه، باتلويحة خفيفة، طار رأس الرجل وتناثرت قطرات الدماء مع الرأس المقطوع بالمنجل الحاد.
لم يفهم الناس ما الذي حدث، لكن رأوا الرأس يتدحرج حتى توقف أمام امرأة، التي أمسكت برأسها وأطلقت صرخة مدوية:
«آهاااااااااا..!!»
تراجع الناس قليلاً بعد رؤية الرأس أمامهم.
«لقد قتله حقًا!»
تفاجأ الناس وشعروا بخوف رهيب، وهما يحدقان في المنجل الذي يقطر بالدماء، وميمون الذي ينظر نحو الرجل الأخير بكل برودة.
جعلت عيني ميمون زرقاء دماء الرجل تتجمد من كثرة الخوف.
«ألا تعرفون هذا الشخص؟»
«ومن لا يعرف، ميمون حاصد الأرواح.»
«هل هذا هو حاصد الأرواح من فرسان المملكة، اسمه ميمون، أليس كذلك؟»
أجاب شخص: «نعم، هو بعينه.»
استنشق الرجل بعد الهواء البارد وقال: «يا له من مرعب!»
«سمعت باسمه، لكن لماذا سُمّي بحاصد الأرواح؟»
«ألا تعرف الحادث الذي وقع قبل سنتين؟ كان ذلك الحادث سبب تسميته بهذا الاسم.»
«ماذا وقع؟» قال شخص آخر.
«هييي، أنت لا تعرف؟ حسناً، اسمع جيدًا، دخل ذلك الشخص في معركة مع مئة شخص من قطاع الطرق في مهمة بالجبال، لا أعرف القصة كاملة، لكن تم تأكيد أنه سمح لزملائه بالهروب ووقف وحده معترضًا مئة شخص.»
مئة شخص شهق أحدهم.
مئة ضد واحد، لم ينجُ إلا هو، عندما وجدوه كان مغمى عليه وسط العديد من الجثث، كان مليئًا بالدماء وملابسه مقطعة، ومنجله بجانبه.
منذ ذلك الحادث، الناس يلقبونه بحاصد الأرواح.
سمع يوسافير ويوراي كلام الناس وهم يحدقون بميمون.
«مالذي أوقعت نفسي فيه!»
رجل بعد رؤية موت الشخص الأخير شحب وجهه وركع وبدأ بالبكاء، وهو يقول: «سأذهب معكم، سأذهب معكم.»
«قف! أين غطرستك السابقة؟ عندما بدأت بالقتال، ألم تفكر في هذه اللحظة؟ إن تجاوزنا هذا الحادث، ألن تعم الفوضى في المملكة، الكل سيفعل ما يقول له رأسه.»
جسم الرجل لم يتوقف عن الارتعاد، شتدّ بكائه وهو يفكر في كلمات ميمون، ثم بدأ يقول كلمات غير مفهومة: «أ..نا..او..س..ن.»
لكن فجأة شعر الرجل بشعور بارد قادم من جهة قلبه.
انحنى رأسه، عينيه وقعت على المنجل مغروسًا في قلبه، أفرغ الرجل كمية كبيرة من الدماء من فمه، بينما حدق في عيني ميمون، سقط إلى الجانب ميتًا.
نهاية