21 - لمحة من مصير مجهول

مدينة راندور، مطعم ادفع قبل أن تأكل

انتهى يوسافير ويوراي من الأكل، وبعد أن استراحوا قليلاً، حمل يوسافير الصحيفة التي كان يقرأها، ولأنهم دفعوا ما عليهم قبل الأكل همّوا بالخروج.

«إن الاثنين يتحركون…» جاء صوت من الطاولة التي يجلس فيها ثائر رايفن.

التفتت المجموعة كلها دفعة واحدة تحدّق بهم.

ــ «أنظروا إلى راية على صدورهم؟ هل رأيتموها من قبل؟»

أجابت الفتاة: «تلك راية لم أرها من قبل، هل يمكن أن تكون جديدة؟»

«ربما هم ثوار جدد؟» تحدث بيرلي.

«المساكين يظنون أن أي شخص يمكن أن يكون ثائرا.»

«ههههه.»

خرجت قهقهة من أحدهم، «إنهم حقا جاهلين لما يدور في العالم.»

بعد أن استدار الاثنان بعد أن سمعا بأن المملكة تمنع في هذا الوقت أي قتال، لم يهتما إن رأى الأشخاص الراية على صدورهم، ليس وكأنهم خائفين، لكن كان لديهم شيء ما لينجزوه في المملكة.

حدّق رايفن في يوراي وشعر بهدوء غريب قادم من ذي الشعر الأبيض.

حدّق فيه لفترة، وعندما وصل يوراي وقف رايفن ثم قال: «ما اسمك؟»

تقدم يوسافير وهو يقرأ صحفاً قديمة، كان مهتماً بالأخبار التي جرت قبل مدة.

يوراي أدار وجهه نحو رايفن الذي ينظر إليه، لم يتفوه بشيء لكنه أكمل طريقه عندما شعر بالابتسامة على وجوه كل من في الطاولة.

اندهش الجميع، لم يستجب يوراي لقائدهم.

في تلك اللحظة وقف جاك: «أيها اللعين، إن القائد يتكلم معك!»

أمسكه رايفن من يده.

استدار يوراي نحو جاك بوجه خالٍ من أي مشاعر، ثم تحدث بصوت خافت: «من حسن حظك أنه أمسك بك. ليكن في علمك: أنا لا أهتم بأي قواعد موجودة في هذه المدينة ولا في العالم أجمع.»

– «أنت…!»

زأر جاك.

وقف جميع أتباع رايفن يلعنون، ونار تشتعل في صدورهم.

لكن سمعوا صوتاً: «اخفضوا هذه النار.»

– «أنا رايفن بتهورن.»

فهم رايفن تصرف يوراي بتلك الطريقة: أن تسأل دون إعطاء اسمك وكأنك تفرض نفسك على الطرف الآخر، لهذا لم يستجب يوراي وأكمل طريقه.

– «أنا يوراي، كان من الجيد معرفتك.»

ثم أكمل مسيره وخرج بعد تمتمات سمعها رايفن: «سنلتقي يوماً ما في جو أفضل من هذا.»

ما حصل مع ليلار حصل مع رايفن، ظنّا بأن يوراي هو الشخص الذي يستحق معرفة اسمه، ولم يهتموا لأمر يوسافير.

لكن ذلك ما كان يرغب به يوسافير، لأنه لا يرغب في أن يزعج نفسه.

نبرة يوراي أزعجت أتباع رايفن واشتد غضبهم، لكن نظرة واحدة من رايفن جعلت الكل يجلس في مكانه دون إصدار أي صوت.

بعد أن خرج يوراي من المطعم تابعاً يوسافير الذي خرج منذ مدة، جلس رايفن وهو مبتسم يحدق في السقف: «هيي… يوراي…»

ـــــ

وقف قصر الأسرة الحاكمة في راندور شامخاً يطل على المدينة، جدرانه البيضاء المصقولة تتلألأ تحت أشعة الشمس.

أبوابه الضخمة من الخشب الداكن المزخرف تعطي جوّاً عظيماً.

دخل القصر؛ كانت هناك العديد من الممرات الواسعة.

يمتد سجاد أحمر على طول أرضياتها، وستائر حمراء تمنع أشعة الشمس من الدخول.

وعلى طول الممر تماثيل رخامية تمنح المكان هيبة وقوة، وخلف هذه التماثيل لوحات جدارية منحوتة بعناية.

امتلأ القصر بالعديد من الغرف الواسعة، وفي إحدى هذه الغرف كانت هناك غرفة مظلمة.

داخل الغرفة وقف شخصان يتحدثان فيما بينهما.

انحنى أحدهما على ركبته بينما الآخر واقف أمامه.

تحدث الشخص الواقف: «هل كل شيء يمشي حسب الخطة؟»

رد المنحني: «نعم سيدي، كل شيء حسب الخطة. لقد استدعيتهم وهم سيكونون هنا في غضون يومان على الأقل.»

رد الشخص الواقف: «حسناً، هذا جيد. أنت تعلم ماذا يجب عليك فعله، جهّز لهم مكاناً ليستقرّوا فيه ريثما يأتي يوم المهرجان.»

– «حسناً سيدي.»

كان ظلام الغرفة يمحي أي ملامح للشخصين، لكن من نبرة الشخص الواقف بدا نبيلاً عكس الشخص المنحني.

بعد قليل من الصمت قال الشخص الواقف: «أيّ صنف هم؟»

أجاب الآخر باستعجال: «من صنف (س) سيدي، وهم محترفون للغاية في هذه الأمور.»

– «حسناً. هذا جيد!»

ــــــ

في مقر الجيش أوردو.

كان جميع الجنود لا يزالون مصدومين من الفاجعة التي حدثت أمامهم.

قال شخص بصوت مرتجف وهو يحدق في الدود الذي يتحرك فوق قطع اللحم: «ما الذي حدث؟ لماذا حدث هذا؟»

قال آخر: «لقد كان لتوّه يحدثنا عن العرّافة، لماذا…؟»

صمت الشخص وكأنه تذكر شيئاً، وهو يحدق في الممر الذي اختفى فيه العقيد ريكموند وبارايوهينا. بدأ شخص يتصبب عرقاً.

داخل المقر مشى ريكموند وبارايوهينا، يتبعان الممر نحو مكان ما.

كان الممر ضيقاً بجدرانه الحجرية ومشاعل معلقة تعطي ضوءاً خافتاً للممر.

بعد عدة لفّات توقف الاثنان أمام باب خشبي متآكل، منقوش عليه جمجمة بقرون ملفوفة. فتح ريكموند الباب ودخلا الغرفة.

ما إن دخلا الغرفة حتى وجدا أنفسهما في مكان مختلف كلياً عن باقي المقر.

الغرفة دائرية، جدرانها من الحجر الأسود المحفور برموز غريبة تشبه نجوم تتوهج تحت ضوء المشاعل الخافت.

في وسط الغرفة دائرة كبيرة، وسطها نجمة خماسية مقلوبة مرسومة بالطبشور الأحمر، وفي وسط النجمة منصة صغيرة مرتفعة قليلاً، شمعدانات متوهجة تضيء أضواء متراقصة.

الهواء ثقيلاً برائحة الأعشاب المحروقة والزيوت العطرية، وهمسات تتردد بين الجدران جعلت من الغرفة وكأنها تتنفس.

على الجدران رفوف خشبية تحمل كتباً جلدية قديمة وكرات كريستالية وأقنعة والعديد من الأشياء الأخرى كأحجار مختلفة الأشكال وأعواد الشطر وغيرها.

ظهرت على وجه ريكموند ملامح الخطر والشعور بالرهبة، ونزلت بعض القطرات من العرق على ملابسه.

أما بالنسبة للعرافة بارايوهينا فكانت تبدو غير مكترثة، ملامح وجهها لا تحمل أي تحول.

تقدمت العرافة بارايوهينا بينما تراجع اللواء ريكموند للخلف قليلاً.

«دق… دق… دق…» كان صوت العصا يرن بينما هي تتقدم داخل الدائرة الكبيرة.

وصلت العرافة إلى المنصة الصغيرة، صعدت إليها ثم جلست وسطها، بينما وضعت العصا جانباً وأخرجت كرة صغيرة شفافة ووضعتها أمامها.

بعد جلوس العرافة مباشرة بدأت رموز الغرفة تضيء بلون قرمزي، بينما ارتفع دخان أسود من النجمة الخماسية.

وضعت الشمعة السوداء بجانب الكرة الشفافة بينما تحولت نار الشعلة من برتقالية إلى نار سوداء.

في تلك اللحظة فتحت العجوز فمها، وبصوت رقيق يجعل الدم يتجمد داخل الأوردة نطقت بلغة غريبة جداً: «(xxxxxxxx)»

لم يفهم العقيد ريكموند شيئاً وهو يراقب العرافة تختفي داخل الدخان المتصاعد من النجمة الخماسية.

ارتفعت همهمة عميقة:

«يا من تحرس الأسرار… ويا من تحرس الزمان… أناديك بلغة الأجداد، بلغة سومارين… أجب ندائي… واستجب لهتافي… وأرني ما سُرق من الغد… أرني مصير الجيش… أرني مصير العالم.»

حل صمت غريب، وكأن الزمن تجمد، لا صوت يُسمع ولا نفس يصعد.

شعر ريكموند بشيء خاطئ، وبدأ يتراجع للخلف ببطء شديد بينما دقات قلبه تتسارع.

ــ «هذه العرافة مخيفة حقاً.»

ارتفع الدخان أكثر وأكثر، خيوط سوداء ترتفع ثم تتجمع لتظهر هيئة وجه مشوّه غير قابل للوصف.

رمقها الوجه بنظرة باردة، وقال بنفس اللغة:

«من الذي تجرأ واستدعاني؟

ألا يخاف من بطشي أو من قسوة أفعالي؟»

ابتسمت العرافة وقالت بهدوء:

«بارايوهينا تنادي… تلميذة عائشة تنادي… إن لم تستجب لبارايوهينا فاستجب لتلميذة عائشة…»

صمت الوجه البشع وهو يرمق العرافة بعينيه الحمراوين، ثم اختفى كما لم يظهر.

توهجت الكرة الشفافة وازدادت حجماً. في تلك اللحظة ظهرت أشياء غريبة لم تلاحظها سوى بارايوهينا.

ما إن رأت العرافة داخل الكرة الشفافة حتى بدأت تتمتم:

«الكارثة التي ستحل على الجيش، والتي كانت جامدة في مكانها لمدة طويلة، بدأت بالحراك… عليّ تحديد مكانها…»

رفعت بارايوهينا يدها فوق الكرة وبدأت تحرك أصابعها بطريقة غريبة. فجأة توقفت.

«…»

«ما هذا؟»

تعرقت بارايوهينا: «كيف؟ كيف يحدث ذلك؟ لماذا هم أحياء؟ أين كانوا يختبئون؟ ما هذا المصير المشؤوم؟ كارثة! كارثة!»

كررتها ثلاث مرات:

«كارثة ستحل علينا قريباً…

ما هذه الفوضى التي ستحل في العالم؟»

ازداد خوف العرافة عندما لاحظت شيئاً، وخرجت كلمة من فمها:

«بحر…»

«عليّ أولاً معرفة مكان الكارثة التي ستحل على الجيش…»

أغمضت العرافة عينيها البيضاء، وفجأة وجدت نفسها في مكان مظلم.

«ما هذا المكان المظلم؟»

التفتت بارايوهينا يميناً وشمالاً، لكن لم ترَ شيئاً سوى الظلام.

رفعت رأسها نحو الأعلى، فغمرتها برودة لم يسبق أن أحست بها من قبل. تجمدت في مكانها ولم تقدر على التحرك.

كانت عينان كبيرتان عظيمتان تحدّقان بها، عينان سوداوان كهاوية لا قعر لها، كأنهما ثقبان أسودان.

فجأة ارتفع صوت بارد يمكن أن يجمّد الماء في صحراء شديدة الحرارة:

«أيها الحشرة… أتظن نفسك قادر على تحديد مكاني؟

اغرب عن وجهي أيها الوغد…»

«وهاااااااا..»

أطلقت العرافة صرخة مروّعة سمعها كل من في المقر. بعضهم فقد وعيه على الفور، لكن من لم يفقد وعيه سقط على ركبتيه متعرقاً.

تشقق الظلام، وسقطت العرافة فاقدة الوعي.

نهاية الفصل.

ياترى مالذي رأته العرافة؟

2025/11/28 · 12 مشاهدة · 1266 كلمة
Oslo
نادي الروايات - 2026